تحت السرير … مع أفروديت وهيرا

فاطمة ناعوت
2019 / 2 / 9


حدثتُكم الاثنين الماضي كيف كنتُ أخبّئ الكتبَ التي أودُّ قراءتَها داخل متون كتب المدرسة، لأخفيها عن عيون أمّي التي كانت تحظرُ عليّ القراءةَ خارج حدود المناهج الدراسية، نُشدانًا للتفوّق الدراسيّ كي أُحصِّلَ أعلى الدرجات فأدخل كلية الهندسة. وكان لها ما أرادت فدخلتُ الهندسة، وكان لي ما أردتُ فقرأتُ ما شئتُ من كتب كان لها الفضلُ في بناء عقلي وتكوين شخصيتي. وكنتُ أنظِّم عُمري مع الكتاب فأقرأ وفق نهج مدروس. أخصِّصَ كلَّ عام لنوع محدد من المعارف الإنسانية والعلمية. فهذا العامُ منذورٌ للفلسفة الإغريقية، والعامان التاليان للفلسفة الصينية أو الألمانية. وتتزامنُ مع ذلك على نحو ثابت قراءاتٌ في العلم، كنظرية النسبية أو نظرية الكمّ، وقراءاتٌ في الأدب مثل المسرح الروسي أو الأدب الألماني أو الفرنسي. كلما كبرتُ، كبُرَت معي كتبي وتضخّمت وغَزُرت صفحاتُها، وكبُرت مشكلةُ إخفائها عن عيون المراقبة، إذْ استحال احتواءُ أجساد الكتب الضخمة داخل خصور كتب المدرسة النحيلة، فاضطررتُ إلى فصل كعوبها وتقسيمها إلى ملازم صغيرة تختفي داخل كتاب التاريخ، أو كتاب الجغرافيا. مازلتُ أذكرُ دموعي تطفرُ وأنا أقصُّ كعبَ "الفردوس المفقود" وأسحب خيطَ رباطه حتى أقسِّمَه إلى ملازم صغيرة. وكأن عيني "جون ملتون" تشخصان في عينيَّ بملء الغضب وتتساءلان: “من تكون تلك المزعجة الرعناء التي تجاسرت لتمزّق إبداعي؟!”
حين بدأتُ مرحلة الفلسفة الإغريقية عزَّ عليّ أن أمزِّق الإلياذا والأوديسا وجمهورية أفلاطون، فكان عليّ ابتكار حيلة جديدة، أكثر سلميةً مع الكتاب، وأكثر تقديسًا لقيمة الكنوز التي تسكن بين دفّتيه. ولكن كيف؟ كيف يمكن أن تمرَّ كلماتُ الكتاب على عينيّ ثم تتسرَّب داخل رأسي، دون أن يتمزّق الكتاب، ودون، وتلك هي المعضلة، أن تلمحَها أمي الحاسمة ذات الطباع الحادّة. فكان أن صنعتُ لنفسي بيتًا داخل البيت. أو بالأحرى، كوخًا صغيرًا في غرفتي. على نحو الدقّة ابتكرتُ خيمةً سفليةً مظلمة، في مأمن من المراقبة. في كلّ ليلة بعدما أستلقي على سريري وتُدثِّرني أمي في أغطيتي، وتقول لي: “كواك كواك"، وهي كلمة الإيذان بالنوم، وتتمنى لي أحلامًا سعيدة. أغمضُ عيني، زاعمةً النوم، حتى تخرج أمي من الغرفة وتطفئ النوم. أنتظر عشر دقائق، تكون كافيةً لتدخل أمي غرفتها وتنام. أتسلَّلُ من بهدوء سريري مثل لصّة حذرة، وأفتح "شيش" شرفتي سنتيمراتٍ قليلة، وأختلسُ النظرَ إلى شرفة أمي، لأتأكّد أنها أطفأت نورَ غرفتها ونامت. ثم أعود أتحسّس أثاث غرفتي في الظلام الدامس، حتى أصل إلى مكتبي، وآخذُ قلمًا وأباجورة الاستذكار، ثم أدخلُ بها تحت سريري، حيث "خيمتي" السريّة، وأدسُّ فيشة الأباجورة في مخرج الكهرباء السفليّ جوار السرير. ثم أنكفئ فوق الكتابَ الذي أخفيه في صندوق اللعب والكراكيب تحت السرير، وأبدأ طقسَ القراءة اليومي، حتى يغالبني النُعاسُ، فأترك وجبتي الدسمة، وأدسُّ صحنَ القراءة في صندوقه على وعد بلقاء الغد، ثم أصعدُ إلى فراشي، وأنام.
عشرات وعشرات الكتب قرأتُها في الخيمة تحت السرير. تشيوكوف وتولستوي وديستوفيسكي وبوشكين إضافةً للميثولوجيا الإغريقية. مازلتُ أتذكَّرُ كيف كانت ظلالُ أوراق الكتاب تخاتلُ أشعة الضياء المنسربة من لمبة الأباجورة في ظلمة كهف السرير تُصوِّر لي أشكالاً مخيفة فأتصوّرُ أن "هيرا" الإلهة الشرسة ترقصُ وتتلوّى في غضب وهي مُعلَّقةٌ من معصميها بسوار ذهبي بين الأرض والسماء، كما حكم عليها زوجها كبير الآلهة "زيوس" عقابًا لها على مشاغباتها وقسوتها. ثم أسمعُ أنين "برومثيوس" الموجوع حين تنهشُ الصقورُ كبده وهو مُعلّقٌ بين جبلين عقابًا له على سرقة قبس النور من السماء ليُهديه إلى أهل الأرض من بني الإنسان. وبعد برهة أنتفضُ في رعبٍ حين تفلتُ الصخرة من أعلى الجبل وتسقطُ فوق رأسي ورأس "سيزيف". ولا أهدأ حتى تربّت "أفروديت" على ظهري قائلةً في حبِّ: “لا تخافي يا طفلتي، ستكونين بخير. سوف يملأ الحبُّ قلبَكِ الصغير، حتى يكبُر ويحتوي هذا العالم.” وتحققت النبوءة.
فطوباكِ يا أفردويت، وطوباكِ يا أمي "سهير" في فردوس الرحمن الرحيم، وسامحيني. وطوبى لمن يُحبُّ ولا يكره. وكالعادة يكون طِيبُ الختامُ بـ: “الدينَ لله، والوطنَ لمن يحبُّ الوطن.”


***