شارع الحرية 1 ( رواية)

هيثم بن محمد شطورو
2019 / 2 / 9

عمدت إلى طي الكتاب الذي بين يديها لما تـناهى إلى مسامعها صوت مفـتاح باب الشقة يدور. رزمة من الأوراق و وجه ممتـقع قـليلا. رمى برزمة الأوراق على الطاولة الصغيرة في الرواق الصغير. وجهها ذو الابتسامة الوردية و شعرها الكستـنائي الغزير يتهادى على كتـفيها و ظهرها. عانقها بمرفقه و رسم قبلة على فمها.
- إشتـقـت إليك. أحبك.
تـقبله في شفـتيه ثم تحيط خصره بذراعيها و عطرها المنعش الشهواني يغزو أنـفه.
- ما هذه الأوراق؟
رجع إلى الشارع بوجدانه و عقله. الحادثة المروعة الملهمة التي لم يكن يُدرك ساعتها أنه توقف في محيطها الأنطولوجي إلى الأبد..
الدم.. الفتاة الشبيهة بحمامة بيضاء ذات العينين الواسعتين السوداوين المدمعتين. تبكي وتبكي أمام بركة الدماء والرأسين المهشمين. يا للمنظر الفظيع.. أي إرادة مجنونة بإمكانها أن تـقود فتى وفتاة إلى إختيار الموت؟
أدرك الموقف بسرعة. يمتلك حاسة التـقاط الإجابة عن الأسئلة الملحة بمهارة وحذق صحفي بارع. كانت الضحية أختها، إلا انه لم يدرك سر وثوقها فيه وهو لأول مرة يلتـقيها. بعينين ملتمعتين مذهولتين فيهما من الإشراق أكثر مما يمكن افتراضه من الحزن والأسى.. تُـناوله رزمة الأوراق ثم تـنحني بتـشنج إلى أختها المضرجة بالدماء. أغمي عليها أو هكذا كانت تبدو الأمور فأخذها شاب وامرأة نحيفة ثلاثينية الملامح فتابعهم بعينيه إلى أن غاصوا في ظلمة أحد أبواب العمارات فسجل معالم العمارة في ذاكرته..
- ما بك لا تـتكلم؟
رمقها بشبه دهشة وقال:
- إنها أوراق الفتاة.
- أي فتاة؟ {بتكشيرة}.
جلس على الأريكة مذهولا ومتعبا فجلست إلى جانبه. إشتعلت السجائر وبدأت سحب الدخان تـنـشر رائحتها ودفئها. كانت هواجسها دائمة الحضور في وجدانها المستعر بالغيرة التي كانت سببا في ابتعادها عنه زهاء الشهر بأكمله.رجعت إلى الشقة بحبور عطر أذكت شذاه مكابدة الهجر على مدى الإغتياب المنصرم. اغـتـسلت وتعطرت وتجملت، وجولة المساء مع صديقه عبد العزيز عاد منها مذهولا ومضطربا على عكس ما كانت تـنـتظره من مشاعر تحاكي سرورها وبهجتها.
- أي فتاة؟ أي أوراق؟ هل أعجبتك اللعبة؟ أغضب و أرجع كالكلبة؟ أتريد إذلالي؟
- أوه. لا.لا.. أنا فقط لا أريد فرض نفسي على أحد بمثل ما أحرس حريتي. و إني أكررها للمرة الألف.. حبيـبتي. قـلبي يشتعل حبا فيك و لكن العاطفة الأعمق هي الحرية، فإن كان حبا حرا فأنا موجود..
- تكلم إذن. ماذا هناك؟
- لا أعرف كيف أبدأ؟
- آووه...لماذا تُـشنج أعصابي بهذه الركاكة الغريـبة عنك؟...
- حادثة انتحار مروعة في شارع الحرية..
تراخت أعصابها كليا بفعل الطمأنينة الجارفة. بحيويتها المعهودة وتـدفق وجدانها المستعر قالت وهي تـضحك:
- يا سلام. حادثة انتحار مروعة؟ هل أثرت فيك إلى هذا الحد؟ كم أنت طيب؟ هل هي عنوان مقالك الجديد؟ .
- آوه. نعم.. ولكنها حقيقة. انتحار فتى وفتاة. من الواضح أن هناك عناق ثم ارتماء.. لم تستهزئين بالموت؟
- أتريد أن تـقول لي أن حبا أدى إلى الانتحار؟
- لا أريد أن أقول شيئا. إني أفكر. هل هناك حب في عصرنا يؤدي إلى الانتحار؟
خمنت قـليلا ثم قالت بنبرة ساخرة:
- أمر عظيم و شرف كبير أن أنـتمي إلى أناس يستـشهد بعض أبنائهم من أجل الحب.
- لماذا تستهزئين؟ لماذا تطفـئين ناري بهذه السخرية الباردة؟ أنا أحاول التـقاط المعنى الجميل وأنت تُـفشلين عزمي. ما هو الحب لديك؟ أهو الجنس والامتلاك؟ لماذا لا ترتـفعين قليلا عن الأرض؟ لماذا لا تحاولين التمرد على هذه الجاذبية الحقيرة حتى وإن كان ذلك ما بينك وما بين نفسك فقط؟ الروح أمر رباني حر لا يرتبط بكل القوانين الإنسانية والطبـيعية. ذاك هو الحب الذي أبحث عنه. انه حب متعلق بالروح.
- أوه يا عزيزي. هل آلمتك سخريتي؟ أنا متـشنجة الأعصاب هذه الليلة. طوال المساء كنت أتخيل دخولك إلى الشقة وفرحك بلقائي وهجومك علي وتدللي ثم انتـزاع ثيابي و..و.. أنا آسفة.. هل نعد العشاء..
***