بعض من بعض الذي كان .. دعوة حارة لإيران أن تعترف بإسرائيل

جعفر المظفر
2019 / 2 / 8

بعض من بعض الذي كان .. دعوة حارة لإيران أن تعترف بإسرائيل
جعفر المظفر
في عام 1980إتصل بي المرحوم زهير البيرقدار لكي يخبرني بلهجته السورية المحببة أن (الحأ حالي, اي أن ألحَقَها) وباللهجة العراقية يمكن تصريف الجملة بعبارة (لَحِّكْ على روحك), وكان صديقي العزيز يعمل حينها مديرا عاما للدائرة السياسية في وزارة الخارجية, وقبلها كنا و معنا الأستاذ طارق عزيز نعمل كأعضاء في هيئة تحرير مجلة الثورة العربية التي كان يرأس تحريرها الشهيد عبدالخالق السامرائي, وذلك قبل أن يُدبّر إعتقاله بتهمة الإشتراك في مؤامرة ناظم كزار التي حصلت عام 1973 ولكي يجري إعدامه في عام 1979 بتهمة المشاركة في المؤامرة السورية ضد (قيادة الحزب والثورة !).
ولقد تم لصدام حينها إبعاد البكر عن رئاسة الحزب والدولة وإعدام نصف قيادة الحزب بدون محاكمة فعلية, الأمر الذي فتح الباب فعليا للمآسي اللاحقة (ثلاثة حروب وحصار إستمر لثلاثة عشرعاما) وهي مشاهد آذت العراق كثيرا كما فتحت ابوابه للمآسي اللاحقة, ومنها إحتلال العراق من قبل أمريكا ثم تركه تحت رحمة إيران, التي تمكنت منه بمساعدة من عملائها العراقيين من مجموعة الإسلام السياسي الشيعي ومجاميع في الإسلام السياسي السني أو مجموعة الإستسلام السني التي أذعنت بالنهاية لكي تصبح غالبيتها, كما أخوتها في الجانب الشيعي, مجرد مجاميع تدين بالولاء لدولة الفقية الإيرانية.
أما لماذا طلب مني صديقي المرحوم البيرقدار ان أتحرك سريعا حتى (ألحأ حالي) فلآن خال صدام أو كما كان يسميه العراقيون (خال الحكومة) السيد خير الله طلفاح صاحب اللسان الغليظ والنفوذ الكبير كان كتب ضدي مقالة في مجلة (آفاق عربية) التي كان يرأسها المرحوم شفيق الكمالي العضو السابق في القيادة القومية لحزب البعث بسبب إنني لم (أشَّتِمْ) الخميني صراحة ولم أتهمه أيضا بنفس الصراحة بعمالته للصهيونية ولليهود الذين كان خال الحكومة طلفاح قد تمنى على الله لو أنه لم يخلقهم, لأنهم والذباب والإيرانيين على حد زعمه, ليسوا سوى مخلوقات حقيرة ومُضِرَّة.
كانت مقالتي تلك, والتي جاءت تحت عنوان (فلسطين والسراب الفارسي) قد نشرت بدايةً في جريدة الثورة العراقية وعلى ثلاث حلقات غطت في كل مرة صفحتها الثالثة. ولأن المرحوم الشاعر الكمالي أعجبه تحليلي لحقيقة المواجهة بين الإيرانيين والإسرائليين فقد إتصل بالمرحوم الدكتور إلياس فرح لكي يسألني حول ما إذا كان بإمكانه أن يعيد نشر تلك الدراسة في مجلة (آفاق عربية) التي عُرِف عنها أنها لا تعيد نشر أية مقالة كانت قد نشرت في غيرها.
لقد كان خال الحكومة قد أثاره بعنف عدم إستعمالي لشتائم عنصرية مثل (الفرس المجوس) بما يستدعي الشك في رأيه بوجود ثقافة مبطنة ومنحازة سببها (العِرق الشيعي الدساس). وكأن إسمي لوحده قد أثار شهية الرجل العنصرية فكيف به وأنا أتجرأ على الحديث عن حقيقة التناقض الإيراني الإسرائيلي وأبعاد المواجهة بينهما بمعزل عن ثقافة (ثلاثة خلقهم الله عن طريق الخطأ ..).
إن ما قلته في تلك المقالة هو الذي ما زلت أؤمن به وما سوف أقوله هنا, وهو لا ينطلق ابدا من ثقافة عنصرية أو قومية تستهدف اليهود أو الفرس (المجوس !) وإنما من تحليل يعتمد على حدود ومساحة التناقض الإيراني الإسرائيلي. وقد جاءت الدراسة السابقة نفسها وسط هالات المديح التي كانت قد جعلت من خميني في بداية ثورته بطلا مرشحا لتخليص فلسطين من اليهود وإعادتها لأهلها الحقيقيين, وذلك بعد أن عجزت الحكومات العربية عن تحقيق ذلك !.
ولنتذكر أن المرحوم ياسر عرفات رئيس منظمة التحرير الفلسطينية نفسه والذي كان وقتها الرقم الفلسطيني الصعب والمؤثر على عموم الساحة العربية كان قابل وقتها الخميني وجلس بالقرب منه وهو مسجى على سرير مرض شفى منه بعدها. وعلى طريقته راح المرحوم عرفات يشبع وجه الخميني وكتفيه تقبيلا حتى كأنه ملَلَكٌ مُنزّلٌ من السماء.
أما لماذا (ذاب) عرفات في حضرة الخميني, وكأنه يلبي النداء الذي وجهه السيد محمد باقر الصدر لأنصاره في حزب الدعوة والعامة من أتباعه من الشيعة, فلأن عرفات كان يعيش حينها هزة نفسية عنيفة سببّتها زيارة الرئيس المصري أنور السادات لتل أبيب, وهي الزيارة التي كانت قد فاجئت وقتها العالم وأخرجت مصر من المجموعة المناهضة لإسرائيل. ولإن ومصر كانت الدولة الأقوى تأثيرا في مجموعة المواجهة فقد كان من حق ياسر عرفات أن يتحرك سريعا من أجل سد الثغرة الكبيرة التي خلقها خروجها من ساحة المواجهة, خاصة وإن الإسلام السياسي لم تكن قد تكشفت عورته بما يكفي للطعن في مصداقية الخميني ودوره الفلسطيني المزعوم.
وعلى طريقة مصائب قوم عند قوم فوائدُ فإن تلك الزيارة لم تكن تخلو من فوائد ..
الإيرانيون جاءهم الرزق من حيث لا يدرون فأمعنوا في تقديم ثورتهم (الإسلامية الأممية) كمخلص حقيقي لفلسطين معتقدين أن غياب مصر عن زعامة العمل العربي قد جعلهم مهيئين لإمتطاء ظهر الحصان الذي خلا ظهره من فارسه المصري. ومع سعي الإيرانيين لتصدير ثورتهم, فإن طريقهم إلى القدس, وبحكم الجغرافيا قبل حكم السياسة, كان من المحتم أن يمر من خلال كربلاء, لتخليص العراق أولا من حكم الكفار البعثيين, ثم مواصلة الطريق عبورا من الأردن ولبنان وصولا إلى القدس ثاني الحرمين المقدسين عند المسلمين الذين سيهبون تلقائيا للإنخراط تحت راية الخميني زعيم الأمة ومخلصها من اليهود ومن هيمنة الشيطان الأمريكي الأكبر !!.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يتبع