الرب الذي يطلب منا إثبات وجوده

محمود يوسف بكير
2019 / 2 / 8

في الديانات التقليدية تكون عملية الإيمان بوجود الرب مسألة اعتقادية بحتة ولا يمكن دعمها بأي دليل علمي على وجود هذه الرب. والاعتقاد هذا يأتي بالأساس من السلطة الدينية وليس نتيجة أي تواصل مباشر بين المؤمن وبين الرب. والسلطة الدينية هنا تتمثل في نص مكتوب يفترض أن مصدره هو ذات الرب أو روايات وأحاديث منسوبة لبشر يقال إنهم على اتصال مباشر بالرب. ومرة أخرى فإن هذه معطيات من المستحيل التحقق منها ولا تدعمها أي شهادات أو أي وثائق أو مخططات تاريخية، بمعنى أنها لم تتجاوز مرحلة مصاطب الروايات والأحاديث المنقولة.

وبالنتيجة فإن مسألة وجود الرب تظل موضع شك وجدل، ولا ينبغي هنا أن ننسى أن أي علاقة إنسانية لها جانبين متناقضين ومتلازمين، فعلاقة الحب مثلا بين شخصين يكون جانبها الآخر هو الكراهية التي قد تندلع بعنف عند ظهور أي بوادر لخيانة الحبيب، وسبب الكراهية المبالغ فيها هنا هو أن الجانب الآخر وهو الحب لا يموت أبدا ويظل حاضرا ومدافعا عن نفسه بمعني أن العلاقة تظل دائما متأرجحة بين الحب والكراهية. وعلاقة الصداقة الحميمة يكون جانبها الآخر هو العداوة الشديدة. ونفس الشي ينطبق على علاقة الإيمان بالرب حيث يكون جانبها الآخر والملازم لها هو الشك المعلن أو الدفين خاصة عندما يمر المؤمن بمحنة كبيرة يرى أنه لا يستحقها لإخلاصه في إيمانه أو عندما يطلع على حقيقة أو معلومة معينة قد تهز قناعاته القديمة وهكذا.
وبالطبع فإن درجة الشك تتفاوت من شخص لآخر بحسب تكوينه العقائدي وثقافته. ولإن من تعلم كثيرا يشك كثيرا فإن معظم رجال الدين يخشون العلم ويحذرون منه ويشجعون الناس على التعلم من خلالهم حتى لا يأخذهم العلم بعيدا عن سطوتهم.

وكلنا يلاحظ أن النصوص الدينية مليئة بمحاولات عديدة ومستميته لإثبات وجود الرب وهي عادة إثباتات بشرية الطابع وتتسم بالبساطة والسطحية مثل دعوة الناس إلى النظر إلى الكون من حولهم أو إلى النعم التي منحها إياهم الرب مثل حاسة النظر للتدليل على وجود خالق لهذا الكون وهذه النعم. وينسى هؤلاء أن الكون أيا كان شكله أو حجمه لا يمكن أن يعلن عن خالقه كما أن وجوده لا يثبت أي شيء سوى نقيضه وهو العدم، وينسون أنه لابد من وجود كون ما يحتوينا حتى نحيى. أما حاسة النظر مثلا فإنها شيء ضروري لوجودنا، فإذا ما أردت أن تصنع سيارة مثلا فإنه لابد لها عجل وإلا فإنها لن تتحرك.

ولكون الرب مفارق لهذا الوجود بمعني أنه ليس جزءا منه باعتبار أنه هو خالقه فإنه يستحيل على الانسان إثبات وجود هذا الرب المفارق لعالمنا. بالإضافة إلى الإشكالية الفلسفية القديمة التي تقول بإنه إذا كان الرب هو خالق هذا الوجود فمن خلق وجوده؟ وهناك أيضا الإشكالية العلمية التي أثبتت أن المادة لا تخلق من عدم. فإذا كان وجود الرب مادي فإن هذا يعني أنه مخلوق مثلنا لا نه يستحيل على عقولنا أن تتصور أن يأتي شيء من العدم حيث لا يوجد لا زمان ولا مكان.

كما حاول الإنسان إثبات وجود الرب من خلال قيامه ببعض الحيل أو المعجزات التي تم نسبتها إلى الرب من أجل إبهار الناس وإقناعهم بوجوده لأنه هو وحده القادر على الإتيان بهذه الأفعال الخارقة، ومن أمثلة ذلك ما فعله موسى عندما ألقى بعصاه فتحولت إلى ثعبان وعيسى عندما شفى الأبرص ومحمد عندما ركب البراق وذهب إلى وجود آخر والتقى ربه وعاد إلى الأرض في نفس الليلة. الإشكالية هنا أن هذه الروايات أو المعجزات لا يمكن التحقق منها بأي شكل، وإذا كانت حدثت بالفعل فلماذا كانت بهذا الشكل المحدود جدا بدلا من أن تكون بزخم ومدى أكبر ومتكرر يليق بمقام وقدرة الرب الخارقة وعندها تنتهي مسألة الشك في وجوده إلي غير رجعة.

ويبقى السؤال الكبير وهو لماذا يستميت الانسان ولا يكف عن محاولاته في إثبات وجود الرب بالرغم مما يبدو من استحالة هذه المهمة؟ نعتقد أنه من غير المتصور أن يتوقف الإنسان عن مهمته هذه لأنه مثل الابن اليتيم الذي لم يرى أمه أبدا ولا يعرف أين هي، هذا الابن لن يكف أبدا عندما يكبر عن البحث عنها حتى يجدها، وفي هذا فإن أحد أقاربي تزوج والده من سيدة ألمانية ولم ينجب منها غيره وحدث أن طلقها وابنهما بعد طفل صغير. حاولت الأم أن تأخذ الطفل معها إلى ألمانيا ولكن الأب رفض ونجح في الاحتفاظ به من خلال المحكمة. واضطرت الأم المكلومة الي العودة إلى بلدها وحدها بعد أن أعيتها الحيل. وعندما كبر قريبي هذا بدأ رحلة طويلة في البحث عن أمه في ألمانيا حتى وجدها ولك أن تتخيل فرحته بها وفرحتها به وبأولاده. ونفس الشي حدث مع أختي عندما طلقت من زوجها ولها منه طفل، عندما كبر ابنها لم يهدأ إلا بعد عثوره على أبيه.

هكذا نحن البشر نسعى دائما لمعرفة أصولنا ولن يمل علماؤنا في سعيهم لمعرفة كيف وجدنا وكشف أسرار هذا الكون الفسيح، انها رحلة لن تنتهي أبدا ونحن سعداء جدا بها لأنها تلبي حاجة عميقة في نفوسنا.
إن صلواتنا في كل الأديان الي هذا الرب الذي لم نره ولا نعرف أين هو ما هي إلا رحلة للبحث عنه وإقرار بضعفنا وحاجتنا للتواصل مع هذا الرب المجهول. كلنا نصلي بأشكال مختلفة ولكن بهدف واحد، صلاة البسطاء تكون بالطقوس واللسان أكثر منها بالروح والعقل لسؤال الرب التوفيق والنجاح وتلبية بعض الاحتياجات. وصلاة المفكرين تكون بالعقل أكثر منها بالجسد والكلمات وهي صلاة تنشد السلام الروحي والعون ضد ضغوط
الحياة وقسوتها. وفي النهاية كلنا يقر بضعفه ويطلب حاجة ما من هذا الرب الذي لم يتجلى لنا أبدا.

وبالرغم من أن صلواتنا قد لا تلبى أو تستجاب إلا أن هذا لا يهم الانسان كثيرا، إذ يكفيه الإحساس أنه يمضي لحظات أمل ورجاء مع ربه أيا كان بعيدا عن هذا العالم القاسي والمجنون. أي أن الصلاة كما في البوذية هي نوع من التداوي.

محمود يوسف بكير
مستشار اقتصادي