8 شباط - بديهيات قتلت عبد الكريم قاسم

ملهم الملائكة
2019 / 2 / 7

عراقيون كثر يعتقدون أنّ يوم 8 شباط 1963 كان من أسوأ الأيام في تاريخ العراق وأكثرها عتمة. لكنّ هذا الرأي غير متفق عليه، أما المتفق عليه إلى حد أكبر فهو أنّ الشخصية الوطنية الفذة عبد الكريم قاسم قد قُتل غدراً في انقلاب 14 رمضان سيء الصيت.

الفرق شاسع هنا، فالاتفاق يعني إجماعا، وخروج آلاف العراقيين الفقراء إلى شوارع بغداد مطالبين بالسلاح للدفاع عن الزعيم لا يمثل إجماعاً، لأنّ ملايين العراقيين غيرهم لم يغادروا بيوتهم يوم الانقلاب. ولتجنب سوء الفهم سأوجز الحقائق هنا في نقاط، محاولاً وضع الحصيلة في ملف واحد في النهاية:
*هناك إجماع عراقي على أنّ عبد الكريم قاسم، كان رجلاً نزيهاً لم يبحث عن جاه أو سلطان، ولم يوظف الدولة ومواردها لخدمة أغراضه الشخصية. عاش وصار حاكماً للعراق وقُتل وهو يرتدي بدلته العسكرية لا غير، ويفترش الأرض في مكتبه المتواضع جداً بوزارة الدفاع في الباب المعظم، ولم يترك لورثته بعد قتله فلساً واحداً، بل ترك لهم سفرطاس الطعام اليومي الذي كان يصله من بيت أخته كل يوم، بل هم لم ينالوا حتى وقت قريب تقاعده كضابط برتبة لواء ركن.
*هناك إجماع شعبي على أن منجزات عبد الكريم قاسم خلال أربع سنوات من الحكم، فاقت منجزات أعدائه على مدى عقود من الحكم.
*هناك إجماع عربي على أنّ عبد الكريم قاسم كان خارجاً عن السرب العربي، ولا ينتمي الى طبقة الحكام العرب، وحتى الانقلابيين منهم وفي طليعتهم جمال عبد الناصر لم يكونوا معه.
*هناك إجماع تاريخي على أنّ عبد الكريم قاسم قاد انقلاباً عسكرياً مع مجموعة ضباط، فأسقط الحكومة التي جاءت بها بريطانية والحكّام العرب والتي وافق عليها حكام تركيا وشاه إيران فاعتُبرت حكومة شرعية، وبعد أن قتل الضباط الأحرار العائلة المالكة الحجازية، وألغوا الدستور والبرلمان وحرية الصحافة، وضعوا العراق في مسار الانقلابات العسكرية المتعاقبة.
*هناك إجماع إقليمي على أنّ عبد الكريم قاسم فتح على نفسه أبوب الجحيم حين اعتبر الكويت جزءاً من قضاء أبي الخصيب، وطالب بعودتها للسيادة العراقية. فالكويت قائمة طبقا لاتفاقيات سايكس بيكو، وإلغاؤها من الوجود يعني نقضاً لاتفاقيات سايكس بيكو التي رسمت خارطة المنطقة، وما زالت تحدد معالم الجيوبولتيك فيها.
*يعرف أغلب العراقيين اليوم أنّ عبد الكريم قاسم لم يكن شيوعياً، ولم يدعُ يوما إلى جعل العراق بلداً شيوعيا، لكن خروجه عن التوافق العربي المنتمي غالباً إلى الرأسمالية البريطانية والأمريكية، جعله لا يملك حليفاً سوى الكتلة الشيوعية، وهكذا اتجه لها لتكون سنداً له وحافظاً يمنع عنه المتآمرين والجيران الطامعين.
*لا يعرف كثير من العراقيين، أنّ عبد الكريم قاسم، وبتحريض من أعدائه القوميين والناصريين ومن معهم، أمر بحلّ فصائل المقاومة الشعبية الشيوعية، ووضع العناصر الشيوعية المقاتلة والداعية إلى استخدام العنف للدفاع عن منجزات ثورة تموز في السجن.
*يعرف كلّ العراقيين أن السيد عبد المحسن الحكيم، المرجع الشيعي آنذاك، وبتحريض من القوميين والإخوان المسلمين، أطلق فتوى" الشيوعية كفر وإلحاد"، ما مهد لضرب الشيوعيين، ونزع عن عبد الكريم غطاءه الشعبي المحتمل.
*أصطف الفقراء إلى جانب عبد الكريم، وحاولوا الدفاع عن "ابن الشعب البار" يوم محنته، وقطعوا شارع الرشيد وهم عزّل بلا سلاح. واختص بالدفاع عن عبد الكريم قاسم، سكنة مناطق حي الرافدين والشعلة وخلف السدة وحي الثورة. لكنّهم بلا تنظيم وبلا سلاح، فخدعتهم دبابتان رفعتا صورة الزعيم، واقتحمتا آلاف منهم في شارع الرشيد لتصلا إلى وزارة الدفاع، وتسقطا الحكم العسكري بدعم طائرتي ميغ قصفتا مدخل الوزارة وياللعجب !
*وقفت كل النخبة البرجوازية ومعظم الطبقة الغنية ضد عبد الكريم قاسم، وهيأت مناخاً نفسياً يقبل الانقلاب عليه.
*انقسمت مناطق بغداد، ومحافظات (ألوية) العراق في الموقف من عبد الكريم قاسم، وهكذا فقد انتظرت جموع كثيرة بفارغ الصبر البيان رقم واحد سيء الصيت الذي ما فتئ يعلن تغييراً في السلطة بالعراق الجريح على مدى ثلاثين عاماً، ليخلصهم التغيير الإنقلابي من الزعيم الانقلابي عبد الكريم قاسم الذي كانوا يصفونه بالزعيم الهمشري، والرئيس الشعوبي، وغيرها من أوصاف النكاية والتشفي. هل كان فخاراً يكسّر بعضه؟
*وقف الأكراد والمسيحيون والتركمان ضد عبد الكريم قاسم، وكان لكلّ مكون منهم أسبابه الداعية إلى معادة الزعيم.
*هناك إجماع على أنّ من قاد انقلاب 14 رمضان هم البعثيون وبعض قادة الجيش وشلة من الأشقياء لا يتجاوز عددهم 300 شخص. لكنّ الثلة القليلة تمكنت من الانتصار على ألوف الفقراء الحاضرين للدفاع عن زعيمهم.
*اثبت وقائع نهاية الزعيم عبد الكريم قاسم أنّ الشعوب في لحظات التحدي الكبرى قد تقف مع من تعتبره قائدا لها، لكنّ وقوفها يبقى غير مجدٍ، فهي غالبا لا تملك السلاح ولا القيادة التي يمكن أن تتصدى لأي انقلاب، ومثل ما جرى في العراق جرى في تشيلي ولم يفلح دفاع ملايين التشيليين عن قائدهم سلفادور الليندي في التصدي لانقلاب بينوشيه الدموي المدعوم من سائقي الشاحنات واصحاب المهن الحرة والقوى الموالية للغرب آنذاك.
عبد الكريم قاسم كان عراقياً وقتله عراقيون بدعم عربي وغربي. واذا لفّ الحزن عراقيين يحاولون اليوم أن يحافظوا على ذكراه، فإنّ هذا الحزن لا يمحو خطيئة تخلي ملايين العراقيين عن "ابنهم البار" واصطفافهم خلف أعدائه العراقيين السيد محسن الحكيم والملا مصطفى البارزاني والانقلابي عبد السلام عارف، والعرب الذين يقودهم الانقلابي جمال عبد الناصر، والإقليميين الذين كان يتوّجهم آنذاك شاه إيران. أما الحليف الشيوعي الدولي، فلم يفعل شيئا خشية على مصالحه مع العراق الجديد.
بون/ شتاء 2019