( تروبيكالية رواية ليلة سقوط جلولاء )

صفاء الصالحي
2019 / 2 / 7

على غرار الروايات ما بعد الحداثية بتقنية الميتا فكشن قدم الروائي العراقي تحسين گرمياني منجزه الإبداعي الحادي والعشرين ، والتاسع في حقل الرواية بعنوان " ليلة سقوط جلولاء " ، أربع سنوات ( ديسمبر2014- أكتوبر 2018 ) ، استهلكت من وقت الاديب ومجهوده ليحكم نسجها في الصياغة والاحكام ، واخراجها بهذا الشكل الحداثوي ، وقبل التنقيب عن الثيمات المطمورة التي دفنها الكاتب لنبحث عنها، واقتحام أغوار النص وفتح مغاليقه لابد من التحليل السيميائي للعتبات الأولى " الغلاف والعنوان والإهداء" ، كيمياء الصورة لغلاف الكتاب ؛ لوحة تشكيليـة لباب ذَا صبغة تاريخية ، موصد متين رغم خشبه المتهرئ دلالة على شموخ وعراقة السجل التاريخي للوطن المفقود ، والعنوان " ليلة سقوط جلولاء " فيه اشارات لافتة تلقي بظلال سلطتها على المتلقي وتثير العديد من علامات الأستفهام في ذهنه تدفعه الى الدخول في عالم النص بحثاً عن اجابات لأسئلته ، كما يفصح عما في النص ويدل على محتواه العام ، ويحيل القارئ الى الفضاء الجغرافي للرواية مدينة " جلولاء " بيئة الرواي وواقعه المعاش التي يعتبرها المصدر الرئيسي لرواياته قبل ان يدخلها معمل الخيال ، وفِي الإهداء ؛ ( الى جلولاء .. گولاله .. قرغان .. أرضاً أناساً بلا أستثناء .. قديماً ، حاضراً ، مستقبلاً ، سواءً بسواءٍ ) ،فيه محاولة من الراوي أحياء قيم الانتماء والولاء لمدينة جلولاء في نفوس من توطن فيها عبر الأجيال من عرب وأكراد وتركمان ، من بعد أزمات متفاقمة حلت بها.
وقبل بلوغ نوافذ الولوج إلى غرفة الحكاية يستهل الكاتب روايته بمقولات متنوعة لمشاهير عالميين ، فيها من الإشارات لمضامين الرواية .
الثيمة المحورية للرواية التشبث بالوطن واحياء روح الانتماء اليه ، وتجلى ذلك بعد اعلان السارد الاول بطل الرواية زوراب الاحدي في صفحة 30 : ( لذا سأعلن ولائي ومن غير تردد أو تأجيل ، لما سيقره عقلي ، ويجب ان اطيع ؛ سأسكن المستحيل .. سأبقى عاشقاً وعشيقاً للمكان ) ، تدور احداث الرواية حول شخصية " زوراب الأحدي " من مواليد يوم الأحد ، والمتزوج يوم الأحد ، وفِي يوم الأحد فقد زوجته وابنتاه ، وبذات اليوم استشهد . وهي الشخصية الأصيلة المتجذرة التي عاشت في المدينة ، ورفضت مغادرتها حتى بعد استيلاء المسلحين عليها ، بعدما فقد بسبب الحرب عائلته المتكونة من زوجته ( گولالة ) ، التي دفنها في مقبرة المدينة ومعها ابنتاه الوحيداتان (نداء ، ورواء ) ، وفي محاولة منه الانعتاق من أغلال الواقع القهري لجأ الى جزءٌ من شهوة الحياة عنده " الكتابة "، وقرر تدوين ما يعيشه ، وان يكتب ما حدث ، وما سيحدث ، قبل ان تنتهي حياته بالمصير التراجيدي المُفجع حينما وضعت رصاصة صديقة حداً لحياته ، وثمة شخصية ثانية رئيسية تأتي بالمرتبة الثانية بعد شخصية زوراب الأحدي هي شخصية السارد الثاني ويبرز دوره بعدما تلاسنت الالسن عن تخلف زوراب عن قوافل الخارجين من المدينة ، وعثوره مع جثة زوراب على كشكول مفكك الأوراق، قد اكلت بقع الدم الكثير من اوراقه ، فيلملم الأوراق ويقرر ان يخوض مغامرة انقآذ حكايته ، فيعيد السارد الثاني انتاج نصوص السارد الاول بطريقة فلآش باك يعود فيه بالمتلقي الى ماضي السارد الاول البطل الرئيسي للرواية ، ويشكل مستوى سردي جديد عجائبي غرائبي بتقنية الميتافكشن وما " ماوراء القص " ، ومن غير ان يتخلى عن العالم الواقعي مقابل المتع النرجسية للخيال ، وهو ينتقل من خلال فعل الذاكرة وبناء المشاهد الحية بين ازمنة متعددة ، وامكنة واقعية مختلفة ، و يوهم القارئ، بأنه يقرأ عن احداث حقيقية واناس واقعيين حين يشير الى فعل الكتابة والى حياة الكاتب مما يترك انطباعات لدى القارئ بأن الحياة الواقعية قد انزلقت الى عالم الرواية لاسيما بإدخاله ضمن بنية المتخيل السردي شخصيات واقعية حية معروفة على الساحة الادبية امثال الشاعر والمترجم جلال زنگابادي . كذلك يمارس السارد الثاني النقد داخل النص السردي تنظيرا ونقدا ، والحديث عن الكتابة وهمومها وتحدياتها داخل فضاء الرواية ، ويمرر من خلال لعبته السردية خطابات متعددة تحمل في طياتها نقداً للواقع السياسي والاجتماعي الذي أغرق الوطن في عُرض الفوضى .
وبالإضافة الى الشخصيتين الرئيسيتين هناك شخصيات ثانوية تعطي القصة بعدها الحكائي ، وتعتبر أداة ووسيلة الروائي للتعبير عن رؤيته، مثل شخصية ( عباس ، و ابو حازم ) التي تقع ضمن شخصيات ثانوية فاعلة استذكارية يكمن دورها في ربط اجزاء العمل السردي ، واداة تنشيط ذاكرة القارئ، وأيقونات جيل الطيبين المعروف بالطيبة ، والغيرة ، وحب الخير ، وحب الوطن ، وشخصية الاخرس الشاب الموهوب من أهل البلدة الذي عشق القرآءة والماركسية ، عقر لسانه في سراديب الامن، لكن ظل قلمه ناطقا ، وكان نافذة الراوي في اقحام وتدوين تغريداته في السوشيال ميديا في عالم الرواية ، والاستاذ هاني مدرس التاريخ نافذته التي يؤشر فيها الى العلاقة بين التاريخ والمكان ، وهناك شخصيات غير مؤنسنة في الرواية مثل شخصية " خمبابا " مستعارة من شخصية خمبابا في ملحمة كلكامش ( الكائن الأسطوري الذي كان يحمي غابات الأرز ) ، ويبرز بالرواية كناية عن الرأسمالية المتعددة الجنسيات" امريكا " صاحبة النزوات العدوانية التدميرية ، الساعية الى السيطرة على الكون والتلاعب بالسلوك الإنساني ، وبالاضافة الى خمبابا كائن خيالي آخر غريب يسكن داخل بطل الرواية يظهر على شكل امرأة ، عمد الراوي ادخاله كصوت أنثوي لتحقيق التوازن في نوع الجنس في الرواية فكان موفقاً في تحقيق الموازنة المطلوبة للرواية .
وأما البناء الجمالي للنص استند في تشكيل معماره الى العديد من التقانات السردية ، والوصفية ، و الحوارية وبلغة يسيرة لا تحتاج الى تأمل عميق في محاولة فك رموزها .
رواية " ليلة سقوط جلولاء " رواية تروبيكالية بتجسيد جمالي وفني على مستوى اللغة والتعبير تنوعت فيه الأساليب السردية ، وباستكهان لا يخيب ستحقق الرواية نجاحًا على صعيدي المبيعات والترجمة، كما ستحقق هذه الرواية حضورها على المستويين الأكاديمي والنقدي ، وآمل ان تُقدم الى جائزة لتنافس وتفوز .