زيتونة هنا وزيتون هناك

جوزفين كوركيس البوتاني
2019 / 2 / 4

على الكأس تطوف حبة زيتونة خضراء.
مغروسا في صدرها عود كعود ثقاب.
كنصل ذلك الخنجر الذي غرس في خاصرتي يوم كنت غافلة .مشغولة بأمور سطحية مع الأبناء قبل أن يموت الأب تاركاً أرملة حلمها الوحيد السفر بعيداً.آه الكل يشرب هنا ليسكر إلا أنا أشرب لأصحو.أنا التي ولدت نائمة أصلا.آه ما قصة حبة زيتونة هذه أراها تطاردني في كل مكان تغوص في كؤوس الجميع. لذا تراني مهتمة بها أواسها على وجودها الذي هو في المكان خطأ مثلي.وصديقي الأصهب مشغول بمغازلة صديقتي أقصد حبيبته الجميلة.
قاطعني فجأة بقوله هل أنتِ على مايرام عزيزتي.أبتلعتُ يرقي الذي بحجم حبة زيتونة.كأنها علقت في حلقي.والزيتونة طافية على حافة الكأس.قلت له في خجل.هذه الزيتونة أوجعتني.هز رأسه متعجبا.ماذا قلتِ أعيدِ لو سمحتِ.لو أفهم ما تقصدين. قلت وكأني أحدث نفسي كيف لك أن تفهم وأنت لا تفهم لغتي.قصدي كيف أشرحُ لك وأنا لا أجيد لغتك .حسناً سأحدثك عن وجعي وحملي الذي لا يطاق.وعن هذه الزيتونة التي هنا وعن ذلك الزيتون الذي هناك.هذه الزيتونة أخذتني بعيدا إلى حيث حقول الزيتون وإلى بيت جدي في الحمدانية..
وكيف كان يتباهى بها.ونحن في أحلك الظروف. الحصار كان قد أفرغ جيوبنا.وكيف إن أمي و نساء القرية باعن كل ما يملكن من المصوغات الذهبية. لتسديد حاجيات الأولاد. قامت أمي ببيع كل ما هو مهم لتحتفظ بالأهم.حد الذي لم يعد هناك ما يصلح للبيع لنشتري بهما ما يسد حلق الجوع.إلا هو رفض أن يبيع شبراً من أرضه التي تعجُ بأشجار الزيتون رغم ضغط الابناء حاولوا اقناعه أن يبيع ويصفي اموره يهاجر كبقيةالناس الذين كان أخر العلاج لهم الهجرة.رفض قائلا أنا أسير على نهج أبي وجدي وعليكم أنتوا أيضا تتبعوه الأرض لا تباع ولا تشترى الأرض أمانة تنقل من يد إلى يد.عندما تذلكم الغربة حينها ستندمون على ما حاولتم القيام به أنا لا أبيع لا أغادر وكل من يريد الهرب بابي مفتوح.الأرض تورث لا تباع .ونحن أنقسمنا إلى فريقين فريق قرر البقاء مع الجد وفريق قرر الهرب.واليوم جدي وبقية العائلة يعيشون في خيم مانحة وحجج الأرض تحت وسادته. ماضيا الوقت بالصلاة للعودة إلى بيته وأرضه.وانا وبقية العائلة هنا طائفين. كحبةزيتونة . زيتونة هنا وحقول من الزيتون هناك. وكلما أتصلنا به لنطمئن عليه نجده بألف خير لا ينقصه سوى فراقنا وينهي كلامه قائلاً تذكروا مصاب أيوب وبقوة أيمانه بالله أنتصر على ضعفه وعوضه الله أضعاف أضعاف ما خسره.. ظننت انه سيسألني عن بلدي وعن الحمدانية وعن نبي ايوب. إتضح أنه يعرف بلدي ويعرف أين تقع الحمدانية ولماذا جدي مرمي في الخيم. ويعرف حتى نبي ايوب.قلت له ساخرة إن كنت تعرف كل هذه الأمور عنا فلابد أنك تعرف جدي أيضا.أجاب معتذرأًإلا جدك لم أسمع به.وهذا ليس ذنبي بل ذنب أعلامكم المعتم يخفي ما يضره ويظهر ما يسره.وبدأ يحدثني بكل صدق عن الأوضاع الراهنة ومن خلف تهجير الأقليات.من هم الذين يخططون للإستلاء على أراضينا عن أسماء متورطة وتواريخ عقود زائفة حد الذي تحولت أنا من المجيب إلى السائل.ثم أنهى كلامه الذي أزاح العصابة عن عيناي. قائلاً أبتلعي زيتونتك عزيزتي وبلغي جدك الطيب. يوم العودة قريب.واليوم جدي عاد ونحن لا زلنا نطوف في الغربة شبه غرقى كحبة زيتونة تك التي تلاحقني على كل الموائد.كأنها تتعمد ذلك...!