أبطالٌ ... أخطأهم سهمُ الشهادة

فاطمة ناعوت
2019 / 2 / 1

كلُّ فرد في الجيش والشرطة، شهيدٌ مُحتَمَل. يغادرُ بيتَه، ولا يدري إن كان سيعودُ إليه، أم سيُعادُ إليه. ولذا كلما صادفتُ أحدَ أولئك النبلاء في طريق، أصافحُه بتبجيل قائلةً: “ربنا يحميك لوطنك، عشان تحمي وطنَك”. وما تدري نفسٌ بأيِّ أرضٍ تموت. وآهٍ لو علمنا أن جنديًّا نُصافحُه الآن، سوف يصيبُه سهمُ الشِّهادة غدًا، إذن لحاولنا إيقافَ عجلة الزمن برهةً حتى نُكرِّمَه في الدنيا، مثلما سيكرِّمُه اللُه في دار الخلود. لكنها حكمةٌ من الله ألا نعرفَ الشهيدَ إلا بعدما يُغْدَرُ ويُغادِرُ إلى عالم السُّموّ الأبديّ.
أعرفُ أحدَ أولئك الأبطال الذين أخطأهم سهمُ الشهادة المؤكد، بعدما نجا بمعجزة إلهية من مذبحةٍ دموية حتى بدأ المجرمون التمثيلَ به، ظنًّا منهم باستشهاده. سأحكي بطولتَه في نهاية المقال.
وبالأمس، كانت زيارتي لجناح وزارة الدفاع وجناح وزارة الداخلية، بمعرض القاهرة الدولي للكتاب. صافحتُ ضباطنا بالمعرض مصافحةَ أبطال يحملون أرواحَهم رهنَ الذود عن أرواحنا. أمرٌ يدعو للبهجة والفخر، أن أطالعَ المجلدات الشريفة التي تحوي تاريخ مصر العسكري، وأسماء رموز مصر الوطنيين من ضباط الجيش المصري والشُّرطي الذين يحمون أمنها الخارجي والداخلي، منذ الملك رمسيس الثاني وحتى اليوم. وبينما يحكي لي العقيدُ "أحمد سلام" نبذةً عن تاريخ كل رمزٍ، مازحتُه سائلة: “وأين القائدة العسكرية الجسور "عنمت آمون حتشبسوت، التي جمعت العلوم الفكرية والفلسفية والعسكرية، وقادت الجيش والأسطول البحري وهزمت أعداء مصر، وواجهت كُهّان المعبد الذين حاربوها لئلا تتولى الحكمَ امرأةٌ، فمازحتهم بوضع لحية مستعارة على ذقنها وقادتِ المعارك، وأثبتت تفرّدَها؛ فنالت احترام الشعب؟" فابتسم سيادة العقيد وألمح إلا شائعاتٍ حول احتمالية اغتيالها للملك تحتمس الثالث، وريث العرش الذكر. فيما تلك المجلدات خُصِّصت للذين لم تطالهم شبهاتٌ، وإن كانت شائعاتٍ غيرَ مؤكدة تاريخيًّا.
وأما بطلُ مقالي الذي أخطأه سهمُ الشهادة، فهو اللواء شرطة "أيمن عبد العظيم مطر". كان مأمورًا برتبة "عقيد" في قسم المنشية بالأسكندرية حتى يوم 28 يناير 2011. في ذلك اليوم الدموي الأشهر، رفض الضابطُ النبيل إطلاق رصاصة واحده على المتظاهرين، وكذلك رفض أن يترك حصنَه الذي ائتمنه عليه الوطن، القسم، ويلوذ بالنجاة من موت محقّق. وأمرَ أفرادَ قسم المنشية (الذي كان في قلب اشتعال المظاهرات)، بعدم التعامل مع الثوار بالذخيرة، كونها مظاهرةً سلمية. وحتى بعدما اقتحم البلطجية المندسّون مكتبه الشخصي، استمر في اتّباع سياسة ضبط النفس ولم يطلق النار خشيةَ إصابة مواطن بالخطأ. فتكالب عليه المجرمون وأوسعوه ركلا وطعنًا وبدأوا في طرق رأسه وفقء عينيه بالمسامير حتى نزفتا، وفقد الوعي. ظنّوا أنه استشهد، فسحلوه إلى الشارع غارقًا في دمه، وبدأوا طقس التمثيل بجسده. كسّروا جميع أسنانه، وبالخناجر شرّخوا جسده، وتركوه ظانّين أنهم أجهزوا عليه. لكّن أعماله الطيبة في دائرته جعلت أهالي المنشية وشرفاء الثوار يهرعون لإنقاذه فأدخلوه المسجد، واستدعوا الإسعاف. فعاد المجرمون وأحرقوا سيارة الإسعاف وحاولوا حرق المسجد الذي آواه مُحتضرًا. ظلَّ شيخ المسجد يخاطب الجناة في الميكرفون وينذرهم بويل الله، حتى حلّ الظلامُ بانقطع التيار الكهربائي عن المنطقة بالكامل. فكانت رحمةً من الله؛ إذ أغشى الظلامُ أبصارَ السفاحين، فهرّب الأهالي الضابطَ إلى المستشفي في ملابس مدنية. وبلغ مستوى تشويهه وانمحاء ملامحه أن زوجته لم تستطع التعرف عليه في بادئ الأمر. وبعدما استعاد وعيه بعد تلقّي العلاج، ساءت حالته النفسية ورفض لقاء الناس، ولم يعد حتى يتابع الصحف، وهو المثقف واسع الاطلاع.
لسبب ما، اصطفاني وقتها زملاؤه الضباطُ، من بين كُتّاب مصر (وهذا مدعاةُ فخر لي وشرف)، وأرسلوا لي حكاية زميلهم النبيل، (دون علمه)، لأنشرها في مقال؛ لكي يتعرف الشعبُ (الغاضبُ آنذاك من الداخلية)، على نماذجَ مشرّفة من الشرطة. وبالفعل، نشرتُها في مقال بجريدة "اليوم السابع" بتاريخ 29 مارس 2011، تحت عنوان (رسالة إلى اللواء منصور العيسوي، قصة تعذيب ضابط شرطة على أيدي البلطجية). واستجاب وزير الخارجية النبيل آنذاك "اللواء منصور العيسوى"، وطلب لقاءه، وأمر بعلاجه في الخارج وترقّى شهيدُنا الحيّ إلى رتبة اللواء ومازال عطاؤه لمصر راقيًا ونبيلا ومشهودًا حتى اليوم.
تحية احترام لشهداء مصر النبلاء، ولأبطال أخطأهم سهمُ الشهادة فأكملوا مسيرة الفداء ومازالوا يخطّون سطورًا في ملحمة البطولة، وليظلوا دائمًا ملء البسالة والعطاء.