رضا القاريء والسلطة أَمْ .. عيون أولادي!

محمد عبد المجيد
2019 / 1 / 31

السلطة لسان وعشرة عيون، والدينُ نصيحة وعشرة قلوب كالبندول؛ تتأرجح بين القصر والمعبد، بين السيد والكاهن، ولكن أكثر الناس يرفعون رؤوسَهم إلىَ السماءِ و.. يُثبــّـتون أقدامَهم في الأرض.
كثيرٌ من أصدقائي ينصحونني بالابتعاد عن الحديثِ في السياسة والاكتفاء بالأدب والاستنارة والحكايات وحكاوي الغربة حتى تتفتح لي كل الأبواب؛ فالقلمُ الطيبُ لا ينبهه الجهازُ العصبي بآلام سجناء الضمير، وقصيدة حُب تُبعِد عنك برد الزنزانة، ومئات الكتب في الفنون والآداب وعلم النفس والدين وحشود المؤمنين في المساجد والكنائس لا يكترث لها الظالم، ولا ترتعش يدُه التي تمسك بالسوط قبل أنْ يسقط على ظهرك!
نصيحةٌ سمعتها طوال عشرات السنوات ولو أنني استجبت لها لأزاح الشيطان في صدري مكانَ ملائكة ينامون مطمئنين حتى لو استندتْ رؤوسُهم إلىَ جهازي العصبي.
أُذُن السلطان طويلة وعيونه صقرية وتؤمن الجماهيرُ أنه يبعث من ينام تحت فراشها لئلا تراودها أحلامُ التمرد.
وكان خياري الأوحد الذي جعل الكثيرين يبتعدون عني طلبا للسلامة؛ أي خوض غمار هموم المعيشة للإنسان حتى لو اشتعلت السلطة غضبا ووضعتني في قائمتها السوداء التي يشرق بها قلبي وعقلي.
مرَّ حينٌ من الوقت كان ثلثا العالم العربي مناطق لا تطأها قدماي؛ منها أحد عشر عاما في عهد مبارك حُرمت من زيارة مصر وقراءة الفاتحة على قبري والدي ووالدتي، رحمهما الله، فلم أهن و..لو حزنت.
ورفضت طلب وساطة من صديق عزيز، سكرتير رئيس وزراء دولة عربية أن يجمعني بجمال مبارك؛ فصفعني ضميري.. فاللعنة تضرب من يختار المسكنة والصمتَ على الظلم.
ورفضت طلبا من صفوت الشريف أن يُسلمني مكتبُه أسئلة مُعدة مسبقا لطرحها على مبارك في حديث صحفي فتتفتح لي كل الأبواب، وكدت أشاهد ضميري يبصق في وجهي إذا وافقت أن أكون صفرًا.
من يستجير بالسلطان الجائر كمن يكسب قطة ويخسر بقرة، وأضْيَع الأيام في حياتك تلك التي تسدّ فيها أذنيك عن أنين جائع وسجين ومظلوم ثم تحاول أن تنصت لسيد القصر.
تقلص عدد أصدقائي كثيرًا، وابتعد المسالمون والطيبون والسلطانيون فهم منشغلون برفع شعارات تُثلج صدر السجّان، فالعصا في يده تمنع الحق أنْ يخرج من فيك لأن لسانَ النخبة والصفوة مقطوعة جذورها.
لو أن كل كاتب استبدل بهموم المظلومين والمهضومة حقوقهم أحاديث في التنوير والفنون والموسيقىَ والدين فستظل الجماهير تلعق حذاء السلطان وتستعذبه.
أشعر مع ثقتي بحُسْن النية لدى أحبابي وأصدقائي أن الدعوة لهجر المشاغبة والمشاكسة والمناكفة وتعكير صفو السلطان هي دعوة ضد الحياة الإنسانية والقيم والمباديء ؛ فالجماهير التي لا تغضب .. تبني مقابر بدلا من الحدائق، وتمنح مع كل خطاب لسلطان جائر جائزة للثعبان الأٌقرع!
خير مرآة ترى فيها نفسك تلك التي لا تعكس صورة القصر أو البرلمان أو الشرطة أو الجيش ، فتظهر على حقيقتك كما خلقك الله.
عقود عدة والصوت الطيب الساذج يطلب مني أن ابتعد عن السياسة فهي تمزق ولا توُحِّد، والحقيقة أن كلمة سياسة في العالم الثالث هي هراوة رجل الأمن يخيفك أو يغتصبك أو يلوح لك بها، ثم يستأذنك بصوت هاديء أن تهتم بالدين والفن والشعر والرواية والطبيعة فهي لا تنفع ما دامتْ ركبتاك ترتعشان خوفا وفزعا من المستبد الطاغية.
الحديث في هموم المواطن وحقوقه ومكتسباته وخيراته ونهضته ونُبله التي يسمونها سياسة هي السمو عينه، وهي الانخراط في عقيدة الوطن وتراب أرضه.
أيها الأصدقاء،
خذوا تنويركم وفلسفتكم وعقائدكم ومذاهبكم وجامعاتكم وفنونكم وأدبكم وعلومكم واتركوا لي هذه المساحة الصغيرة من الرمال المتحركة التي لم تغرقني بعدُ رغم نصف قرن من التحرك فوقها، فالسياسة كلمة قبيحة على ألسنة فرسان لا تصهل خيولهم!
معذرة فأنا اخترت همومَ الناس أمام القصر، فإذا نجوت وعدت إلى أبنائي فستتسع اضحكاتهم الجميلة لي، ليس لعودتي سالما، إنما لأنني وضعت سنّ قلمي في وجه سيد القصر الظلم.