إبن خلدون وقضية غياب الدولة

جعفر المظفر
2019 / 1 / 30

إبن خلدون وقضية غياب الدولة
جعفر المظفر
نعم نعم لإبن خلدون ومفاتيحه التاريخية حينما يتحدث عن تأثير غياب الدولة على صعيد الفلتان الأمني وإنتشار الفساد وإنهيار منظومة الأخلاق ودخول المجتمع في عصر الإنحطاط حيث تتسع مساحات النفاق والنميمة وتتقدم قيم الغدر العدوان وتسود الجهالة والتجهيل.
إذا أردت أن تصنع شيخا فأصنع له قبيلة أو عشيرة, وإذا أردت ميليشيات فإعمل بشعبك إفقارا وتجهيلا. نقرأ دائما المثل الذي يقول جوع كلبك يتبعك لأن الإنسان الجائع قد يبحث عن طعام لأطفاله ولو على حساب أدنى قيمه. هناك أشخاص تمرسوا بثقافة التجهيل والتجويع لكي يخلقوا من حولهم شعبا أميا وفقيرا وجاهلا, وجاءت المذهبية والطائفية لكي تلقي الزيت على النار.
لكني مع ذلك أشير إلى حقيقة ربما لم يقف أمامها إبن خلدون بإهتمام كبير, لا لأنه لم يعِها, وإنما لأنه لم يكن من شهودها, ففي زمنه كانت هناك مركزية الحاكم وشدةالخلافة ونظم البيعة والإقطاعيات وحتى العبودية, وكانت التجارب الناجحة هي التي تتمحور حول نجاح الحكام في بناء الدول القوية والإمبراطوريات الواسعة ولا تقف أمام نظام العدالة والمساواة وإقامته بالشكل الذي يجعله متوازنا ومتفاعلا مع قوة الدولة وحتى غايةً لها, أو مع ما يمكن أن يؤدي إليه توسع الدولة ونشوء الإمبراطوريات على مستوى إحتلال أراضي الدول الأخرى وإسترقاق شعوبها.
إن النظم الديمقراطية الحقيقية لم تكن قد ولدت بعد, كما أن حديث اليوم عن حقوق الإنسان وحرية الفرد وتحرير المراة ورعاية الأطفال كان ممكنا أن يكون دليلا على جنون صاحبه لو كان تفوّه به في تلك الأزمنة.
وإذ يتحدث إبن خلدون عن تأثيرات غياب الدولة, فقد شهدنا الكثير مما تنبا به أو إكتشفه من خلال تفحصه للتاريخ ببعديه الماضي والحاضر. وأمثلته في العراق كثيرة ومتشعبة.
الحقيقة التي غابت عنه هي تعملق الدولة أو ذوبانها في شخص واحد أو فكرة شمولية واحدة
المثال العراقي في عهد صدام حسين يحتل الصدارة هنا على صعيد تضخم وتعملق دور السلطة ودولة الفرد الإنجاب والبطل السيف القائد ذا المائة وعشرين لقبا الذي ادى إلى تغييب كامل للمجتمع والإنسان مقابل هيمنة الفرد وسلطته الدكتاتورية التي أوصلته مع مراءاة ونفاق جماعته إلى تأليه ذاته, وفي تلك الأيام ما زلت أتذكر النكتة التي كان يتداولها العراقيون والتي تقول أن صدام كان يختتم بعض رسائله بجملة (إن ينصركم الله فلا مانع لدينا !).
وبكل تأكيد فإن صدام حسين كان قارئا ممتازا ومعجبا أيضا بالسير الذاتية لكثير من دكتاتوري العالم مثل ستالين وتشاوسيكو وهتلر, لكن تجربته في الحكم لم تكن تخلو من بصمات ذاتية نتيجة بيئته البدوية الصِدامية وقيم الغزو, التي تتقدمها وتعلوها إسقاطات البيئة العائلية التي عمقت في ذاته سلوكيات التوجس والتآمر والغدر والإنتقام التي بدأها برفاقه في الحزب.
ولأن إبن خلدون جاء في عصر البطولات الفردية من أمراء وخلفاء وسلاطين فإن مقولاته قد تأتي لصالح تعملق دور الدولة على حساب الفرد, كذلك كان شأن (ميكافيلي) من بعده الذي اباح لسيف الأمير أن يلعب دور الحسم على صعيد تحقيق غاية بناء الدولة بعد القضاء على سلطة الإقطاعيات المتناثرة.
التطورات التي تلت عهدي هذين المفكرين العملاقين أنتجتا نظما إجتماعية تميل إلى تحجيم طغيان دور الدولة لحساب دور المجتمع والفرد والحريات وقضايا حرية التعبير عن الرأي بما يغري على البحث في إمكانية قيام نظم إجتماعية متوازنة تحافظ على العلاقة ما بين سلطة القانون وسلطة الحريات.
ولنتذكر أن فراغ الساحة السياسية من القوة المركزية الفردية المفرطة قد ترك الشعب العراقي مكشوفا وعاريا وبدون ثقافة سياسية ووعي مفتوح على المتغيرات والفكر الإنساني. ثم أنهم إستوردوا لنا وثقافة ودستور مكونات وتركوا الوكالة مفتوحة الأبواب وبدون بواب فعرف تجار المال أن الأفضل هو الإستثمار في سوق السياسة. نعم الإستثمار في العراق صار يحصل في السياسة وليس في الإقتصاد, ولهذا صار لدينا ذلك العدد الرهيب من الأحزاب السياسية الميليشيات التي هي ليست غير دكاكين وجدت أن غياب التصنيع والتزريع قد حصر فرص الإستثمار في السياسة وفي السياسة فقط, مع أنها ليست سياسة وإنما هي نجاسة.
ترى لو كان إبن خلدون حيا ؟ أما كان أضاف على نظريته تلك ما يشير إلى أن قوة الدولة المفرطة ومركزيتها الشديدة وطغيان قادتها ونرجسيتهم ستؤدي بدورها إلى تغييب حقيقي لقيم التماسك الإجتماعي التي من شأنها أن تحبط أو تؤجل حضور الإنحطاط في حالة إنهيارها, ثم أنها ستهيأ هذا المجتمع, إلى حالة إنفلات قد تحرق الأخضر لكنها تبقي على اليابس.