كيف نمزق كردستان قبل ولادتها

محمود عباس
2019 / 1 / 30

كتبت فلورنسا على قبر دانتي، كتأنيب ضمير على ما فعلته به " ليست فلورنسا، بل أهواء الحزبية هي التي حكمت عليه بالنفي الدائم" خوفي من أن يأتي اليوم الذي ستكتب فيه حكومات كردستان المتناحرة المأمولة قدومها، على تمثال البيشمركة المجهول ليس نحن من مزقنا كردستان قبل الولادة بل هي من مخاض جهالة حراكنا السياسي والثقافي.
جميعنا ننأ بالنفس على ما يجري، من تصاعد وتشعب فكرة المناطقية، ضمن كردستان المجزأة ونتقبلها كأمر واقع، ونطالب بعدم التدخل، من الأطراف الأخرى، ولا ندرك أنه في الواقع ردة فعلنا هذه ناتجة من عدم رؤيتنا أن الأجزاء المقتدرة على التدخل ليست على مستوى المسؤولية سياسيا ومعرفة، وذلك بعد التفرغ من جدلية التدخلات الخارجية وتأثيرات العوامل الموضوعية على ما نحن فيه وما يستقبلنا، فكل طرف يلقي باللوم على الأخر، أو يتهم الجهات الكردية الأخرى بالمسؤولية، أو البادئة بها، أو يتحمل تبعاتها، وكل الأطراف تمثل شريحة ما من المجتمع، وبالتالي يتهم المجتمع بعضهم البعض، بجريرة ما يقدم عليه حراكنا، المأمول منه معالجة هذه الإشكاليات المصيرية، فأرى وكأننا نمسك بتلابيب بعضنا ونتدحرج معاً إلى الهاوية المحفورة لنا منذ عقود طويلة من قبل الأعداء، وهي مصيدتهم الجاهزة في حال بلغنا مرحلة الاهتمام العالمي بنا وبقضيتنا.
أننا وبدون إدراك وبجهالة نخلق كارثة النأي بالذات، ونكرس منطق الابتعاد عن مشاكل المناطق الأخرى لقادمنا، ولا نحاول التقرب من الأخطاء الناتجة من الشراكة أو تقديم المساعدة، على أنها نتيجة ضحالة في المعرفة وليست خيانة بالكردي الأخر أو لحقد ما، وأنه على الحراك الكردي في كل كردستان أو في الأقسام المتأذية معالجتها من هذا المنطق وليس على خلفية الأحقاد التي تفرزها بيننا المتربصون بقضيتنا، وعلى هذا المنطق علينا أن نأخذ العبر من مراحل صراعنا الماضي، ونستخدمها بوعي في الحالي مع السلطات المحتلة والمقتسمة لكردستان، علينا ألا نكرس منطق التقسيم، ونضيف عليها بسذاجتنا إشكاليات سياسية وثقافية مريعة، ودون أي أحساس بالذنب على ما نقدم عليه، ودون إدراك لما سنخلفه للأجيال القادمة من كوارث.
نذكرها ليس من باب التهويل، أو التمهيد لطرف على حساب طرف، أو التغطية على الأخطاء، بل للانتباه إليها ودراستها، ومعالجتها بحكمة ودراية قبل أن تبلغ مرحلة اللاعودة، ونخلف واقع جغرافي ممزق مع بنيات ثقافية متضاربة، تحت حجج لدى بعضنا، وهي أننا نخلق بصراعاتنا الجارية أجواء من الحوارات الفكرية، وبيئة للنقد والنقد الجاد والحاد، لكننا نتناسى أننا في الواقع نكرس في مجتمعنا، ثقافة التمزق والمناطقية، وسنورث لأحفادنا قضايا وليست قضية مليئا بالتناقضات، وبيئة أجواؤها الصراع الدائم بين بعضهم. فما يجري اليوم بين أطراف حراكنا بكل أطرافه، تمهيد لما ننوه إليه، إن لم يكن قد أنهوا الفصل الأول منه، وليتنا نتداركه قبل أن نصل مرحلة اللاعودة، ونخلف للأجيال القادمة تجربة مماثلة لتجربة الدول العربية، المستعربة أو العاربة كدول الخليج. وجلها لأننا جميعنا ندعي مطلق المعرفة، وجهالة الأخر، إن لم تكن خيانته، ونرفض قبول البعض، أو محاولة التفاهم على نقاط التقاطع بيننا، ومواجهة الأخطار معاً، على الأقل للحفاظ على بعض المكتسبات الممنوحة لنا.
تأكيداً، لما قاله الكاتب الفرنسي (لوك ماثيو) في مقدمة الحوار المترجم عن الفرنسية من قبل ناقدنا الكبير (إبراهيم محمود) تحت عنوان (التاريخ المشئوم للكرد) والمنشورة في موقع (ولاتي ما) بتاريخ، 27-1-2019م حول التنوع والتشظي في العلاقات الكردية الخارجية والداخلية، والتي جاءت كتأكيد للموضوع، وفي نفس الفترة التي نحن فيها بصدد التوسع في الإشكاليات الناتجة من التشتت، وانتشار مفهوم المناطقية المصيري بالنسبة لحاضر ومستقل كردستان والتي تعرضنا لها في مقالاتنا السابقة، وخاصة ما يدفع إليه كردستان كوطن وجغرافية موحدة. وخلافا لما ورد في متن الحوار، ومنها عدم التحليل ودراسة الماضي المتعارض وحاضرنا المتناقض، وأسباب الخلافات، والتي ربما هي مذكورة في متن الحوار، لذلك لا يحق لنا مناقشته أكثر من المقال هنا، وبالتالي سنركز على ما نحن بصدده.
كانت كردستان ذات جغرافية سياسية واحدة، تربط بين قسميها، الذي خلفه انهيار الإمبراطورية العثمانية في بدايات القرن الماضي، والجزء المحتل من قبل الدولة الصفوية، عوامل عديدة، أقوى من العامل المذهبي المستند عليه الإمبراطوريتين لتمزيق المجتمع وديمومة احتلال كردستان، فلم تكن موجودة التسميات الجارية المختلفة والمتخالفة عليها، ولم يكن أجدادنا رغم ضحالة معارفهم السياسية والثقافية مقارنة بما حولهم، يعرفون أو يقبلون بالمصطلحات المختلقة حاليا، ولم يكن يحددون هوياتهم ككرد الصفويين أو العثمانيين، مثلما نحن اليوم نحدد هوياتنا الوطنية لكردستان روج أفا، أو إقليم الفيدرالي، أو كردستان هولير أو السليمانية، أو كردستان الشمال أو الشرق، أو كما يقال كردستان تركيا أو كردستان إيران، أو غيرها من التسميات والتي أصبحت تداولها مرفقة بثقافة مختلفة عن ثقافات المناطق الأخرى، وتكاد تكون محصورة ضمن منطقة دون أخرى. بعدما كانت مناطق كردستان، ورغم هيمنة الإمبراطوريتين، تذكر وتسمى في أبعادها الجغرافية، أو حسب الإمارات الكردية أو مناطق العشائر، أو بالأوصاف البيئية والطبيعية لجغرافيتها، وقبل أن ينشر البعض من حراكنا الكردي مفهوم عدم التدخل في أمور كردستان الأخرى، ونجعل من أخطاء بعضنا خيانة، ويصبح لكل جزء خصوصياته نمنعها على بعضنا التقرب منها تحت طائلة التدخل الخارجي، وبالتالي نقف متحيرين أمام جغرافياتنا وأسمائها، وأيديولوجياتها، وقبل أن يتعمق مفهوم التشرذم وتصبح ثقافة، ونقوم بدورنا في تعميقها وتنميتها ثقافيا وسياسيا، ونبتعد بشكل لا إرادي وتحت جدلية حتمية الفصل الكارثية عن الأجزاء الأخرى.
لم تكن هناك كردستانات، قبل نصف قرن، وبالأسماء المتنوعة، والحركات المؤدية إلى توسيع الشرخين السياسي والثقافي بين المجتمع الكردستاني العام، ولم تكن هناك موجة الصراعات السياسية المفاقمة من الخلافات المذهبية واللغوية الحاضرة سابقاً، أي اللهجات المرفقة أو المدعومة كتابتها بالأحرف اللاتينية أو العربية، بل كان هناك الوطن الواحد، والجغرافية الواحدة رغم وجودها مقسمة بين المحتلين، بل وحتى في بدايات تجزئتها إلى أربعة أقسام.
لكننا واليوم، ولضعفنا في القدرة على احتواء الكل، والحفاظ على الإشكالية الكردستانية كقضية متكاملة تهم الأمة الكردستانية بكليتها، أصبحنا نختلف وبكل سهولة وعلى أبسط القضايا، ونتصارع على الكبرى، وبها نبين لمجتمعنا وللعالم وللقوى الإقليمية أننا دونها إمكانيات معرفية ودبلوماسية وإيدلوجية، وتتبين يوما بعد أخر أن قضيتنا أكبر منا، أو نحن دونها، وبالتالي تتلاعب القوى الإقليمية وأحيانا الدولية بقضيتنا حسب مصالحها كما تريد، وتحرك حراكنا الكردستاني في كل جزء على حدة، كأدوات ضعيفة الحيلة سهلة الاستخدام، ومن السهل لها ونحن على خلاف وفي تشتت، خلق الصراعات بيننا دون أن ندرك خلفياتها، بل ويرضخوننا على أن نتصارع على الانتماءات للأجزاء المفروضة بفعل فاعل.
السياسيون الكرد يخونون البعض، والكتاب يسخرون جل أقلامهم في دعمهم، كثيرا ما يتجاوزون تجريح البعض والتهجم على الآخر بل وحتى في خلق فضائح شخصية، والمثقفون أو أشباههم يمزقون المجتمع ويحرضونه على بعضه، وما أسهلها اليوم وحيث وسائل التواصل الاجتماعي في متناول الجميع، وجميع الأقنية التلفزيونية تابعة لجهات معينة. بل جلنا بشكل أو أخر نساهم في ترسيخ ما قامت به السلطات المحتلة والمقتسمة لكردستان، عند إنتاجها للثقافات المتنوعة في المحيطين الديني والقومي، ورسخت عن طريقها الانتماءات الإقليمية.
لا شك أن الضحالة المعرفية، ولربما جهالتنا بمدى ثقل وحدة كردستان كجغرافية متواصلة، والتحرك على أسسها، وبغياب الإمكانيات الثقافية والسياسية في دراسة الظروف الملائمة، اصبح العمل بل وحتى التفكير في كلية الوطن سذاجة، تدرجها الأغلبية من الحراك الكردي تدخلا خارجيا، وهذه السياسة، والثقافة الكارثية تبين أننا دون مواكبة العصر في معالجة قضيتنا الوطنية، ولا زلنا خارج الأبعاد السياسية والدبلوماسية الدولية، ونعيش الجهالة المعرفية، ضمن أسوار حصار فكري بنته لنا الأنظمة المحتلة لكردستان، فغيبت عنا رؤية ما وراء جبالنا، فبقينا ولربما لا زلنا، نعيش التخلف المريع مقارنة مع القوى المتربصة بجغرافيتنا، ودون سوية الحوارات مع القوى الكبرى المالكة للحلول، ونكاد لا نختلف عن الماضي في علاقتنا مع الدول التي كانت تحاول إيجاد أشباه الحلول بعد انهيار الدولة العثمانية.
خلفت معظم الحالات التي تمت فيها تقديم المساعدات بين الأجزاء الكردستانية، نتائج سلبية، ونادرا ما كللت بالنجاح حتى على المستوى الداخلي، فالأجزاء المتمكنة أو الحركة الأكثر جماهيرية، وبسبب عدم قدرتها السياسية والمعرفية، على احتواء الإشكاليات كقضية كردستانية، قامت بالتدخلات المباشرة، مكرسة الجهود لقيادتها لا لمعالجتها كجزء كردستاني مكمل للكردستان الكل، وفرضت الأوامر والشروط، أي تمت ممارسة نفس المنهجية التي مارستها السلطات المقتسمة لكردستان، وبالتالي أصبحنا أمام معضلة أجزاء كردستان وليست كردستان الوطن الواحد، والقضية الواحدة، والديمغرافية المشكلة للأمة الكردستانية، فظهر أمامنا حراك يمثل كردستان تركيا أو كردستان العراق، وكردستان التبعية، وعلى أثرها نتجت حالات النفور من الكردي الأخر ولم نقيمها كخطأ بل أدرجناها، إما كخيانة أو تضحية بجزء كمكسب للجزء الأخر.
ومن المؤسف ما يتبين اليوم على الساحتين الثقافية قبل السياسية ترسيخ فاضح لهذه الظاهرة، ينخرط فيها مجتمعنا يوم بعد أخر، بل وأصبح يقودها حراكنا الثقافي على الإعلام الكردي، وفي مواقع التواصل الاجتماعي، إلى درجة، كما ذكرناها سابقا في مقالات عدة، حتى لو اتفقت أطراف الحراك السياسي فالمجتمع وشريحة واسعة من الحراك الثقافي سيرفضونها إن لم يقفوا ضدها، أي أننا أمام خيارات حركات كردستانية، وجغرافيات متنوعة ومتضاربة، تحت أسم كردستان، أو ما شابه، وإن بلغنا يوما هدفنا، وحققنا الأمل، فإننا سنقف على أطراف حدود سياسية كارثية، لا تقل العداوة بين طرفيها عن الجارية بين الدول العربية. علما وفي مثل هذه البيئة المعرفية، والجهالة السياسية، والتمزق، والخلافات المتصاعدة بشكل يومي، يتماهى أحلامنا الكردستانية مع السراب، وعلينا إن بقيت لدينا بعض الواقعية العمل على تنوير المجتمع لمسيرة قد تطول قرن أخر من الزمن، إن ظلت حينها وجود ومكانة للثقافات القومية.

د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
mamokurda@gmail.com
29/1/2019م