مقالي عن ثورة يناير والإخوان الذي منعه (اليوم السابع) | “هل يحكمنا المرشد؟-

فاطمة ناعوت
2019 / 1 / 29

“هل يحكمنا المرشد؟"


بعدما بدأ تيارُ الإسلام السياسي، وجماعةُ الإخوان، في القفز على "ثورة يناير 2011"، واختطافها من بين أصابعنا، أعلنّا احتضارَ ثورة شاركنا فيها ببراءة ووطنية يحدونا الأملُ بتغيير وجه مصر نحو الأجمل. وتحسّرنا على أيام وليال قضيناها ساهرين في ميادين مصر نحلم بمصر دولة مؤسسات حرّة مستنيرة، كما يليق باسمها العريق. وحين دفع الإخوانُ بمرشحهم للحكم، بعدما أعلنوا، كاذبين، أنهم لا يطعمون في سُلطة ولا مغالبة برلمانية، تأكدت مخاوفنا أن ثورتنا ذهبت مع الريح، ولا مناصَ لنا من ثورة مضادة في وجه "لصوص الثورات"، من أجل استعادة الثورة الأولى التي سُرقت منّا ذات غفلة. وبفضل الله تعالى، وبفضل إصرارنا، نحن الشعب المصري العظيم، وبفضل صخرتنا: جيشنا الوطنيّ الباسل، وبفضل القائد الأعلى للقوات المسلحة ووزير الدفاع، الفارس النبيل الذي ساند إرادتنا وكان عند اختيارنا، اشتعلت ثورة "30 يونيو 2013" الشريفة لتُعيد إلينا الحُلم المسروق. وها نحن سائرون ، قطعنا الجزء الأعسر من الطريق الصعب، نحو غدٍ قريب مشرق أوشك على الاكتمال.
فور تولّي "مرسي" حكم مصر، 24 يونيو 2012، أرسلتُ مقالي المعتاد إلى جريدة "اليوم السابع"، وكنت أكتبُ بها مقالا أسبوعيًّا يوم الثلاثاء. كان عنوانه: “هل يحكمُنا المرشد؟". تنبأتُ فيه بأن "مرسي" لن يكون إلا عروس َماريونيت، خيوطُها في يد "المرشد"، بحكم معرفتي بالنظام التراتبيّ الطبقيّ الأحاديّ في جماعة "الإخوان المسلمون". حيث يقول عرّابُهم "حسن البنا": "الأخُّ بين يديّ مُرشده، كالميّتِ بين يدي مُغسِّله. يُقلِّبُه كيف شاءَ ذات اليمين وذات اليسار. فليدعِ الواحدُ منكم رأيَه، وليُطِعْ مرشدَه؛ مخطئًا كان أو مُصيبًا. فإن خطأَ المرشدِ أنفعُ من صوابك." و"مرسي" أخٌ من الإخوان؛ "ميّتٌ" بين يدي "مرشده: "محمد بديع". وتأكدتْ نبوءتي حرفيًّا وأثبتتها الأيام.
أرسلتُ المقالَ مع أول أيام مرسي في الحكم، لكن رئيس التحرير السيد "خالد صلاح"، لم ينشره. وكان أول وآخر مقال لي تمنعه جريدة، على كثرة الجرائد التي استكتبتني! ولما هاتفته أستفسر عن منع المقال، أعلن خوفَه من الإخوان قائلا: "إن الوضع تغيّر”!!! ثم طلب مني إرسال مقال آخر غير هذا، لينشره فورًا. فأرسلتُ له استقالتي، التي لم يقبلها حتى اليوم. وأرسلتُ المقالَ إلى جريدة "العرب اللندنية"، ونُشر بها بتاريخ 27 يونيو 2012.
وإليكم نصُّ المقال.
(تُسرَق الثوراتُ، مثلما تُسرَق الثرواتُ والأحلامُ والحريّات. وثمّة، دائمًا، جماعةٌ عجوزٌ تقف من بعيد ترقبُ. تصمتُ مع الصامتين، حين يجبُ الكلام! وتُطبِّل مع المطبّلين حين يكون التطبيلُ عيبًا أخلاقيًّا. فإن انتفض الثوارُ هاتفين: "لا"، تهمُّ معهم. ولكن على استحياء بصوتٍ خجول، حتى يبين الخيطُ الأبيضُ من الخيط الأسود. فإن أسفر الهتافُ عن نشيدٍ، دوزنتِ الجماعةُ أوتارَها الكسول، وضبطت نبرة صوتها، الذي كان خافتًا قبل برهة، ليأخذ في العُلوّ تدريجيًّا، وبحذر محسوب، حتى يندمج في الكورال الجمعيّ الذي انتظم في أوبرا مدهشة سليمة النغم لا نشاز فيها. لكن الجماعةَ، كما يشهدُ تاريخُها تتمتع بفجاجة لا مثيل لها. خرجت على الملأ وصرحت: "أنا كاتبةُ النشيد، وأنا الملحّنُ، والمُغنّي، والجوقة! وما أنتم، (يا صانعي النشيد الأصلاء)، إلا "كومبارس"! ليس عليكم إلا: "السمعُ والطاعة"!
جماعةُ الإخوان المسلمون، نسيتْ أن ثورة يناير 2011، قامت ضدّ المغالبة والشمولية. فتذيقُنا الآن، من جديد، لهيبَ المُغالبة، ولكن على نحو أكثر صلافةً من الحزب الوطنيّ القديم. توهمُنا أن معها "كارتَ الله”! كما قال عضو مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان "عبد الرحمن عبد البر": "مَن يقف أمام الرئيس مرسي كمن يقفُ أمام الله!" فهل تتمرد على الله أيها الإنسان؟! حاشانا أن نفعل! قالت جماعةُ الإخوان: (لا مطامعَ لنا. ) والواقع أنهم ليسوا إلا كتلةً من المطامع! قالت جماعةُ الإخوان: (لا نريد أكثر من 30٪ من البرلمان.) فاقتنصوا البرلمانَ على بكرة أبيه! قالت جماعةُ الإخوان: (لن ندفع بمرشح رئاسي.) فإذا "بالمرسي" يهبط علينا بالبراشوت، لأن المرشد "أمَرَه" أن يخرج من بيته ويترشح؛ فقال: (سمعًا وطاعة!) وغدت مصرُ المدنيةُ المتحضّرة في قبضة برلمان إخواني-سلفيّ، ورئيس إخواني، وحكومة إخوانية، ومحليات ونقابات وقيادات إخوانية في كل منبر وفي كل مؤسسة وفي كل حي وفي كل حدب وصوب. وقريبًا تُباعُ مصرُ لدول التمركزات الإخوانية! فوداعًا للوطن الحرّ، وأهلا بالمرشد "الحاكم الحقيقيّ"، من وراء رئيس الظلّ: "السيد المرسي”! لكِ الله يا مصر! والبقية في حياتكم في الثورة!)
انتهى مقالي المغضوبُ عليه. وانتهى عهدُ الإخوان التعس. وشكرًا لثورة 30 يونيو الشريفة، وشكرًا للفارس الذي أنقذنا. لأن “الدينَ لله، والوطنَ لمن يحبُّ الوطن.”

***