رغيف كقرص الشمس

جوزفين كوركيس البوتاني
2019 / 1 / 29

عندما كنت صغيرة في كل دروس للرسم كنت أرسمُ رغيف أمي.الذي يشبهُ قرص شمس.وبمرور الوقت إتقنت رسمه حتى كانوا الجوعى من أمثالي يتهيء لهم كأنهُ رغيف حار جاهز للأكل.
أرسمه بدقة.أرسمه مدورياً كقرص الشمس وأنا أتخيل أثار أصابع أمي على الرغيف أرشه بالسمسم بنقاطِ صغيرة.وأنا أتخيل أمي بوجهها المشرق وهي تلصق الرغيف في التنور فرحة.عندما غدوت صبية جملية.وانفتحت شهيتي على الحياة. أصبحت أجيد الكتابة بأسلوب شهي. ملئت دفاتر يومياتي بحكايات كلها تدور حول الخبز.وأهمية الخبز في الحياة.وعن فقرنا المدقع وعن جارتنا الطيبة التي علمت أختي الكبيرة فن الخياطة كيف تصنع (مخدة الخبز) لم أكن أحلم كباقي الفتيات الجميلات بأمير يآتني على صهوة حصان أبيض من بعيد ليضعني خلف ظهره. ويهرب بي بعيداً.كنت أحلم بترميم تنور أمي وعودة أبي من حروبه الخاسرة سلفا سالماً.هذا كان كل همي ولا زلت أذكر في كل خريف كنا نهيئ التنور. كنت أساعدأمي في لبخه.حيث كنا نخلط التبن والطين ونصنع عجينة تفوح منها رائحة طين عبقة لنلبخ به التنور ونعمل بجهد.وعند المساء نكون قد أنهينا عملنا الشاق.كأننا أنجزنا مهمة عظمية. أختي الكبيرة تكون قد خاطت( جودلية) من ملابس قديمة مبطنة بأكياس الطحين وفي حينها كانت أكياس الطحين
مهمة في حياتنا اليومية وحتى أصبح معظم الطلبة يحصلون على نتائج نجاح أفضل إذا أحضروا أكياسا للطحين للمرشدة أو لمعلمة المادة مثل الرياضات التي كان يعاني منها نصف طلبة ولا يزال وإلالما أبتلينا من نقص المحاسبين وأصحاب كفاءات في البنوك من يدري لعل هناك من يتقصد ذلك.لنبقى نفتقر إلى العقول الاقتصادية.من رأي الاقتصاد أهم أختصاص في بلدنا حالياً.. على اي حال هذا ليس موضوعي..إذن لنعود إلى أكياس الطحين.
كيف كنا نصنع منها أشياءاً كثيرة مثل حقائب مدرسية وأو حقائب للتسوق نطرزها بخيوط ملونة.أو نستل خيوطيها ثم نقوم بحياكة (ليف للأستحمام) ولا زلت أذكر سعال أمي في الخامسة فجراً وهي تعجن وتخبز ليكون الخبز عند الفطور جاهزا حاراً .وبعد سنين طويلة وأنا أراجع يومياتي أكتشفت كل مواضعي تدور حول الخبز وأهميته في حياتنا اليومية.وأن يكون الخبزمحور حياتك.فهذا هوالوجع بعينه.أي ذاكرة هذه التي لا تحوي سوى على الخبز.آه كم أنا جائعة كم أنا مشتافة لخبز أمي. وأضمامةأمي.
وهاهي صورة طفلة بظفيرة تقضم خبزا (مكسما) تحت شجرة التوت.وابي الطيب يشرب شابه المهيل بهدوء وهويكلم أمي بصوته المنخفض عن عدد أصدقاءه الذين استشهدوا بحزن مؤكدا لأمي من يدري لعل في المرة القادمة سيكون دوره.تسكته امي بصلاتها وهي تردد حمدا الله هذه المرةأيضاً نجوت.
أبي نجى من كل الحروب الغير مجدية.ربما لأن صلاة أمي مستجابة أوالخبز الذي كانت توزعه في أيام الجوع كل أسبوع على الجيران.أو برشة الماء خلف المسافر بعيداًكما هي العادة عندنا (طاسة الماء) التي كانت ترشها خلفه ليعود سالما. على اي حال. أبي لم تقتله الحروب. بل قتلته الغربة ومن يدري لعلها ستقتلنا نحن ايضا.واليوم بعد أن شخت تراني ارسم قرصا للشمس على دفاتر أحفادي.كأني أقول لنفسي مرادف قرص الشمس عندي هو رغيف أمي...