فايروس-إدمان الإنترنت - هوس يعكر صفو الحياة

صفاء الصالحي
2019 / 1 / 27

سهير صديقتي الافتراضية تتواتر رسائلها على الماسنجر بعضها في إثر بعض من غير انقطاع فتستميلني بكل أدب ووقار مدارج الحوار ، وفِي كل مرة أحاول استيعاب جميع ما تطرح متريثاً قبل الردود على رسائلها ثم أناقشها آرائها التي تنم عن شخصية واسعة الاطلاع ومحمول ثقافي غزير ، استدرجتني يوماً لحوار شخصي لا يخلو من نبرات متحشرجة وهي تبوح المخبأ ما في داخلها من تذمر من واقعها الاجتماعي الغارق في الوحدة والرتابة فالأب استحوذ عليه التلفاز حتى ادمن اخباره السياسية والأم بليدة مستكينة مرارة الواقع ، تبدي سهير تململ من فراغ قاتل بعث في نفسها الضياع واليأس من حياة هزيلة لا أهداف تتابع الأيام فيها حبلى بالقهر . تقول وجدت من الانترنيت وسيلة لامتصاص الفراغ وتعبئة الوقت بعالم اخر مليئا بالمتعة والتسلية والمرح يُمكنني الهروب من الواقع ويحقق لي الإشباعات المعرفية والاجتماعية ، ويلبي الاحتياجات العاطفية والرغبات النفسية المكبوتة . ومن خيوط الشبكة العنكبوتية بدأت انسج العلاقات الالكترونية بهدف التعارف وتكوين الصداقات وإثراء معلوماتي حتى صارت مواقع التواصل الاجتماعية ( السوشيال ميديا ) الملاذ لاستخراج المتعة فاقضي بها الساعات تلو الساعات دون الشعور بمن حولي ومع مرور الأيام بدأت أشعر بالحاجة الى المزيد من الوقت للوصول إلى المتعة نفسها التي شعرت بها في بداية الاستخدام حتى أصبحت استهلك أكثر من ست ساعات يومياً داخل الشبكة ، وبات استهلاكي هذا على حساب الانشطة الانسانية الاخرى ، ونوبات انغماسي في المجتمعات الافتراضية شغلتني عن الاهتمام بأمي حينما اشتد عليها المرض وماتت، وبت معزولة وفي غياب تام او شبه تام في التواصل مع المجتمع بالاضافة الى مشاكل اخرى ، وكلما تمضي الأيام وشعوري بالحاجة مستمر الى زيادة وقت الاستخدام ولا انام من الليل الا ساعة او ساعتين حتى يحين موعد الدوام وقد زاغ بصري وتشنجت أصابعي وأشعر بالإرهاق والإنهاك البدني نتيجة لهذا الاستخدام المفرط ومع ظهور هذه العلامات اثناء العمل انعكس سلباً على تقيمي الوظيفي حتى فسخت الشركة العقد المبرم بيننا وأنهت خدماتي . وها أنا أكابد الصعاب لإعلان قرار الانسحاب من هذا العالم أو التقليل من ساعات الاستخدام ومع كل محاولة تنتابني نوبات من القلق والتوتر وحدة المزاج وأبدو كأبي عندما يحاول الإقلاع عن التدخين وقد فشلت كل محاولات السيطرة على الاندفاع في استخدام مواقع التواصل الاجتماعي .

أن سلوك صديقتي سهير في استخدامها للإنترنت اكثر من 38 ساعة أسبوعياً وأعراضها وأثارها الصحية والنفسية والاجتماعية يعد مؤشر على اصابتها " فايروس إدمان الإنترنت " بحسب البحوث والدراسات التي تناولت هذه الظاهرة، ومن ابرزها دراسات وبحوث عالمة النفس الأمريكية " كمبرلي يونغ Kimberly Young " ففي عام 1996 قدمت ورقة بحثية كانت الاولى من نوعها وذلك بعنوان ( الإدمان على الإنترنت ،ظهور اضطراب إكلينيكي جديد ) . وقد عملت يونغ على تتبع الأعراض الدالة على إدمان الإنترنت ، وتوصلت الى مجموعة من المؤشرات حيث أشارت الى أن بعض المدمنين على الإنترنت يشعرون بالاكتئاب والاحباط والعزلة ، إضافة الى فقدان الكثير من الهوايات الترفيهية والاجتماعية ومشكلات في العائلة والعمل والعلاقات والمدرسة وبالرغم من عدم وجود معايير معينة لإدمان الإنترنت في الدليل التشخيصي للاضطرابات النفسية والعقلية ( الطبعة الرابعة DSMIV ) ، فقد قامت يونغ بتعديل المعايير الخاصة بالمقامرة المرضية حتى تتناسب مع إدمان الإنترنت ، ومن هذه المعاير ما يلي :
1-انشغال تفكير الفرد بالإنترنت بشكل كبير.
2-الشعور بالحاجة لزيادةالوقت على الانترنيت للوصول الى درجة الرضا.
3-عدم قدرة الفرد على التحكم في الوقت الذي يقضيه في استخدام الانترنيت .
4-ترك الفرد لبعض المهام أو العلاقات الهامة بسبب انشغاله بالإنترنت .
5-إخفاء الفرد عن الأخرين للفترات الطويلة التي يقضيها على الإنترنت .
6-شعور الفرد بأعراض انسحابية مثل الاكتئاب أو العصبية عند محاولة التوقف عن استخدام الإنترنت .
7-قيام الفرد بمحاولات للسيطرة على استخدامه للإنترنت ولم ينجح .
8-استخدام الإنترنت للهروب من مشكلات الحياة اليومية .
وقد كان معيار التمييز بين المدمنين وغيرهم ، بأن من يجيب على خمس فقرات أو أكثر ب (نعم ) يعتبر مدمناً .
ان لكل مدمن نت قصة مختلفة عن قصة سهير وغيرها من المدمنين لكنها لا تختلف كثيراً من حيث الأسباب والأعراض والآثار النفسية والصحية والاجتماعية الناجمة عنه ولكل منهم قصة واقعية تدفقت اليه المعلومات والأفكار والعادات السلوكيات من العوالم الافتراضية حتى أغرقته في بحر الإدمان . ولا شك ان التطور المتسارع في تكنولوجيا وسائل الاتصالات والاعلام لاسيما وسائل التواصل الاجتماعي ( السوشيال ميديا ) قد أطلقت العنان لكافة أساليب التواصل وسهلت التعارف بين البشر والتعرف على ثقافة المجتمعات الاخرى، وأروت ظمأ الفضول لمستخدميها، وتركت الأبواب مفتوحة للمشاركة والتفاعل ، وعززت الحريات في ظروف لم يكن المجتمع قد تمأسس لاستقبال هذه النقلة النوعية والتغيرات الجوهرية في الوسائل او المحتوى او الأنماط . وكنتاج طبيعي لهذه التطورات المتسارعة في تكنلوجيا الاتصال ان يدفع المجتمع حزمة من المشاكل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والفكرية والتربوية كضريبة للتعاطي غير المعقلن والمسؤول مع المتغيرات والمغريات التنافسية التي تقدمها مواقع السوشيال ميديا ، وان حزمة المشاكل هذه ناجمة عن فايروسات سلوكية اصابت مستخدمي تلك المواقع فساهمت مساهمة كبيرة في تحطيم مناعتهم الاخلاقية والاجتماعية والفكرية .

أن ظاهرة إدمان الإنترنت ليست من نسيج خيالنا بل هي ظاهرة أجتماعية عالمية حديثة شغلت العالم في السنوات الأخيرة وما زالت دراسات الباحثين والمختصين مستمرة للوقوف على اسباب الظاهرة وآثارها وسبل معالجتها ، فقد اثبتت دراسة حديثة نشرتها صحيفة "ديلي ميل " البريطانية أن 400 مليون شخص يعانون من ظاهرة الإدمان على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي . ونشرت مجلة " علم نفس الإنترنت والسلوك والشبكات الاجتماعية " نتائج دراسة حديثة كشفت أن ظاهرة إدمان الإنترنت مشكلة تؤثر على 6% من سكان العالم، وأن أكثر المناطق تأثراً بهذه الظاهرة منطقة الشرق الأوسط، بنسبة تصل إلى 11%، فيما تدنت النسبة إلى 2.4% في شمال وغرب أوروبا . أن الإنترنت أصبح واحداً من أسرع الإدمانات نمواً في العالم بحسب ما نشرت صحيفة "الدايلي تلغراف" . ومثلما ان البحوث والدراسات مستمرة فأن محاولات مكافحة وعلاج إدمان الإنترنت لم تتوقف ، ولقد افتتحت مراكز في بلدان عدة ووضعت استراتيجيات وأفكار للعلاج بحسب رؤية كل بلد للظاهرة ومدى انتشارها ، ففي الولايات المتحدة الامريكية أفتتح مركز لعلاج إدمان الإنترنت وأطلق برنامج "بداية جديدة" (RESTART) للتعافي من إدمان ، يستغرق البرنامج 45 يوماً من التعافي القائم على الامتناع عن استخدام الشبكة العنكبوتية، ويعرّض البرنامج المشاركين لطائفة متنوعة من الأنشطة ومهارات الحياة اليومية، والتي غالباً ما يتم تجنبها أو إهمال تنميتها، نتيجة الانصراف لألعاب الحاسوب والفيديو وإساءة استخدام الإنترنت ، واما المراكز الصينية فانتهجت نهجاً اكثر صرامة لإعادة الشبان إلى أرض الواقع بعد أن استحوذ عليهم عالم الإنترنت من خلال وضعهم في ثكنات وإخضاعهم لإشراف جنود سابقين، إذ يوجد 25 معسكرا في الصين أقيمت بالنظام العسكري لعلاج الشبان من إدمان الإنترنت ، وفِي الجزائر أنشأ مختصون نفسيون مركزاً لعلاج الادمان على الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي ويشرف على المركز فريق طبي متكامل من أطباء عاميين ونفسانيين ومختصين بالأمراض العقلية ومعالجين طبيعيين ومساعدين أجتماعيين .
وكان خبراء في منظمة الصحة العالمية قد أعلنوا في وقت سابق عن نيتهم وضع إدمان الإنترنت وتصوير "سيلفي" على قائمة الأمراض النفسية . ومنطقياً أن بداية الطريق الى الحل الصحيح لأي مشكلة هو الاعتراف بوجودها ، لذا ينبغي ان تعترف السلطات الطبية والمؤسسات المعنية التي تأخذ على عاتقها المسؤولية المعنوية والقانونية لحماية المجتمع من هذه الظاهرة وان تأخذ بعين الاعتبار جملة من المقترحات :
1- تأسيس مستشفيات ومراكز متخصصة لعلاج حالات الإدمان على الإنترنت .
2- تشكيل لجان خاصة بتطوير المناهج الدراسية ووضع خطة واضحة للتوعية من مخاطر الانترنيت وضرورة استخدامه السليم والآمن .
3- إعداد مدربون مختصون بالصحة الذهنية وخبراء في التنمية البشرية لتعزيز المؤهلات والمهارات الاجتماعية وقدرات الأفراد المدمنين المعرفية الفكرية والسلوكية التي تمكنهم من كسر قيود السلوك الإدماني .
4- تكثيف المؤتمرات والندوات والحوارات التثقيفية والتوعية لمخاطر الظاهرة .
5- دعم وتشجيع إجراء المزيد من البحوث والدراسات التي تتناول الظاهرة .
ان اعداد المدمنين في زيادة مطردة وتحمل في طياتها المزيد من الأضرار الصحية والنفسية والأخلاقية والاجتماعية وخصوصاً بعد ما باتت الأجهزة اللوحية والهواتف الذكية متاحة وفِي متناول أيدي الأطفال والمراهقين ، فلابد من استراتيجية تضع حدود لأضرار هذه الظاهرة وان لا تدير السلطات ظهرها بعدما اصبحت الظاهرة خارج نطاق سيطرة الأسرة .