المراهقةُ وبائعة الخبز الحسناء !!!/اعترافات متأخرة جدا جدا...

حامد كعيد الجبوري
2019 / 1 / 27

حامد كعيد الجبوري
المراهقةُ وبائعة الخبز الحسناء !!!
اعترافات متأخرة جدا جدا...
لا أعرف سببا وجيها للاعتراف، ولماذا أسطر هذه الاعترافات بعد سني العمر الموحشة والموشحة بالخسائر والنكسات؟، ربما الشعور بالذنب، وربما شعوري بالوصول لمحطتي الأخيرة، وربما هي مجرد اعتراف للتخلص من عقدة كتمانها الطويل..
...
عام ٦٧_١٩٦٨ كنت طالبا بإعدادية الحلة للبنين الخامس الإعدادي الفرع الأدبي، ٣ أيام الدوام صباحي، و٣ أيام مسائي، العمر ١٧_١٨ سنة وهذا العمر لا يعد عمر المراهقة بل يتجاوزه لعمر الشباب، الحلة مدينة مغلقة متحضرة مدنية، ولكن يصعب إنشاء علاقات حب لظروف كثيرة، منها ديني، ومنها عشائري، ومنها مجتمعي، ومنها طبقي ، بل وأغلب علاقات الحب بين الشباب لم تتوج بالزواج، وأعرف الكثير من أصدقائي لا يزالون يتذكرون حبيباتهم بحسرات وخيبة، بيتنا يقع بمنتصف بستاننا الذي استملكتها الدولة عام ١٩٥٨ م، الاستملاك مجزي جدا وحول عائلتي من عائلة شبه فقيرة إلى عائلة تسكن بيتا حديثا في الجانب الصغير لحلة بابل والأهل والوطن، كنت أذهب إلى مدرستي بدراجة هوائية نوع ( هيركلس) اشتريته من جمعية المعلمين بهوية خالي المدرس وبسعر ١٨ دينار عراقي ، نهاية الدوام الصباحي أو المسائي أنطلق عائدا لبيتنا، ولابد من عبور الجسر المسمى القديم، وحين تعبر الجسر تجد بائعات الخبز ، وبائعات منتجات الحليب وخاصة (القيمر) البلدي ( القشطة) يجلسن واحدة جنب الأخرى في كلا الجانبين للجسر، أعمارهن متفاوتة، ليس بالجميلات ولا القبيحات، ومنهن - القليلات- أقمن علاقات مشبوهة مع هذا أو ذاك لكسب المال ، إحداهن ( عوراء) كريمة عين ذبحها أخوها لأنها حملت سفاحا، ومؤكد أنهن فقيرات للمال ولجأن لهذا العمل المتعب والمضني، عمل تتعامل به تلكن النسوة مع رجال أغلبهم يبحثون عن اللذة الحسية بسبب السمعة السيئة التي طالت تلك الشريحة المجتمعية ، الأمهات ينجزن الخبز بالبيت ويرسلن بناتهن أو أخواتهن لبيع المنتج في الأسواق ، يوضع الخبز بطبق - طبگ - مصنوع من سيقان نبات السوس، وينسج فوقه من خوص-أوراق- سعف النخيل، يضعن بائعات الخبز بهذه الأطباق أمامهن وينتظرن الرزق الحلال، قليلون من يشتري الخبز من الأسواق، غالبية البيوت تمارس النسوة هذا العمل يوميا، وبعض الأحيان يطرق بابك الضيف وتلجأ لشراء خبز السوق، غير المحبوب، وغير المرغوب فيه ، مرة بعد مرة أجد فتاة لا أقدر أن أصفها الآن، ربما خدعتني ذائقتي آنذاك، وربما لم أشاهد أجمل منها خلال سني عمري ، تصورت أن نار التنور قد ألهبت وجنتيها، وتلحظ بخدها ما يجذبك لها ، سمراء أقرب إلى البياض، بل (حنطية) البشرة، ولا ألذ من حنطة الفقراء ، عينان سوداوان مذعورتان خوفاً من عيون الرجال المفترسة ، شفتان لم يتعرفا على التطرية كما يقول مالئ الدنيا وشاغل الناس المتنبي العظيم ( وفي البداوة حسن غير مجلوب) ، شفتان وكأنهما مطليتان بلحاء ساق شجرة الجوز، وهذا اللحاء يلوّن الشفاه باللون البني الغامق، سرعان ما يتشقق على الشفاه وينزع بقليل من الزيت لتطريته ، ويسمى باللهجة العامية ( ديرم)، تضع فوق رأسها غطاءً يسمى ( شيلة، وعصبة من قماش الحبَر اللامع )، نحيفة بصدر نافر، لم أرى طولها بعد ، كل يوم نهاية الدوام ظهراً أو مساءً أقف دقائق قبالتها، وأطيل النظر لها، وتبادلني نفس النظرات، تبتسم لي وابتسم لها، خائف أن أتقدم لمكان جلوسها وسط البائعات، لا امتلك الشجاعة لمواجهة نظراتها وابتساماتها، سبحان الله حين تبتسم أرى لميض أسنانها البيضاء، المتراصة، المتناسقة، الجميلة ، مرة وبحركة إصبعها تقدمت نحوها، ركزت دراجتي الهوائية لمسندها، وقرفصت أمامها، وكلانا يرتعش خوفاً ورهبة لسر لا نعرفه، قلت لها أريد رغيف خبز؟ ، مدت يدها المرتعشة لتبحث لي عن أجود رغيف، وقالت رغيف واحد؟، لماذا، قلت لها والدتي أو أختي الكبرى هي من تقوم بمهمة الخبز، أخرجت من جيب بنطالي ( ٥) فلوس سعر الرغيف، فقالت لي معيب ما تفعله، وهل هذا جزاء وقوفك كل يوم هنا أمامي، وجدت الأمر سهل جدا، لم يلحظ احد وقوفي عندها، ولا حتى النساء الجالسات لجنبها، شكرتها وودعتها وقالت لي كل يوم انتظر قدومك وافرح لرؤيتك، لا تقطع عني وقوفك أمامي ، وفعلاً كنت كل يوم اسلم عليها وترد سلامي وتسلمني رغيف الخبز الذي أصبح ذريعتنا للحديث اليومي، مرة حظر زميل دراستي المرحوم القاضي ( عبد الأمير حسين النجم )، قلت لها اليوم أريد رغيفين، وأخرجت مبلغ الرغيف الثاني ورفضت المبلغ أيضا، قال لها صديقي خذي المال انه حقك، قالت لا تحشر نفسك بهذا الموضوع، كانت ظهيرة، ذهبنا أنا وصديقي لمحل بائع المخللات ( الطرشي) الملقب ( ابو زنوح) واشترينا ب(١٠) فلوس من المخللات واشترطنا أن يكون من ( الخيار - والشونذر - وثوم العجم)، اقتسمنا أنا وصديقي المخلل مع الرغيفين، وما ألذ الرغيف وأنت جائع، تطورت علاقتنا كثيرا ونحاول إيجاد فرصة إلى اللقاء، بعض المرات أجدها تنتظرني وقد باعت كل خبزها ، هاهي تسير أمامي مرة، ومرة أسير خلفها، لم تكن بالطويلة العيطاء، ولا القصيرة المذمومة ، الغريب لم اسألها عن أسمها طيلة هذه الفترة إلا حين سألتني ما أسمك؟ قلت لها حامد، قالت اسم جميل، قلت ما أسمك؟ قالت أحزر ما هو اسمي؟ قلت لقد أسميتك أنا حورية لأنك أسم على مسمى، وحورية من الجنان ، قالت لا، قلت إذن جميلة، قالت لا أيضا، قلت حوراء، وقالت لا، وتذكرت لحظتها إن البسطاء الفقراء لا يحسنون حتى تسمية أولادهم أو بناتهم، قلت قولي ما أسمك؟ خرجت حروف أسمها متلعثمة بين لسانها وشفاهها، وقالت وهي تنظر لطبق الخبز أسمى ( فليحة) وأطرقت خجلاً والعرق يتصبب من جبينها ، وعيناها تحبسان دمعة فرح لا أقدرُ مداه وسعته ، حدقتُ بعينيها طويلاً وقلت اسمك جميل لأنه مشتق من الفلاح، أتضح لي من خلال جلستي بل جلساتي المتكررة أنها أمية لا تحسن القراءة والكتابة، قالت غدا خميس ومدرستك تنتهي مساء ، إذن هي تعرف حتى أوقات دوامي، الوقت شتاء وليله طويل ، والليل ينزل في الشتاء مسرعا ليس كبقية الفصول ، والخميس نبيع فيه خبزنا مبكراً ، وغدا أحاول إقناع أمي أن لا تزيد كمية الخبز، قلت لماذا ؟ قالت غداً تعال وسنحاول أن نسير في أزقة محلة الوردية الضيقة، والأزقة بلا أضواء أو سراج، فرحت جدا وقلت غداً سأنال كل شئ، ولكن أين ؟ وكيف ؟ وهل ستوافق أم تتمنع؟ مساء يوم الخميس لم أجلب معي دراجتي الهوائية، وقفت قبالتها منتظرا حلول الظلام، ووجدت طبقها فارغا من الخبز، أشرت لي بيدها أن أذهب فذهبت ولاحظت أنها تتبعني، اخترقت سوق الصوب الصغير ووجدت بعض المحلات على أبواب الإقفال، إذن الوقت غير مناسب كليا، الناس تعود لبيوتها هذا الوقت، بقيتْ تتبعني وأنا أسير متجها إلى محلة ( الخسروية)، بيوتها حديثة ولكن شوارعها مضاءة بالمصابيح لا تنفع غزوتي المجنونة ، إذن لا خيار سوى أزقة محلة الوردية الضيقة كما قلت ، وغير المضاءة أيضا، وعدت أدراجي وهي تسير خلفي لأزقة محلة الوردية، محلتي، خففت السير وأصبحت قريبة لي جدا ، سرنا بزقاق ( الشيخ) ، وأزقة (البياتيين)، لا أقدر أن أتخذ أي قرار، ومسكت يدها فدب الدفء بجسدي المرتعش، قالت لنسرع المسير لأن أمي تحاسبني على التأخير عن موعد عودتي للبيت، ولكن أين بيتهم ، كانت بيوت هؤلاء الفقراء عبارة عن أكواخ من سعف النخيل، والحصر المصنوعة من نبات سيقان القصب للسقوف، أكواخ متلاصقة مع بعض، كل كوخ فيه عائلة كادح أو كاسب أو بيت لبائعة الخبز، بستان صغيرة لا تتجاوز مساحتها عن الدونم الواحد ( ٢٥٠٠ م٢)، مستأجرة من أحد الأثرياء الملاكين أسمه ( سليم بيك) رحمه الله لقاء مبلغ قليل من المال ، كانت خطواتنا بطيئة ومحسوبة، وأكثر من شخص يعرفني واعرفه أرتاب بمسيري معها، وصلنا لأطول زقاق ضيق وأظلم، إنه زقاق ( آل العلاق ) ، يجاوره زقاق آخر ضيق أيضا زقال ( آل السرحان)، يبدأ زقاق السرحان ببيت العم الوجيه الشيخ عباس ( آل غلآم ) عم الصديق المغترب ذياب آل غلام ، يتوسط زقاق ( آل العلاق ) بيت السيد ( عيسى العلاق ) والد الشهيد الشيوعي المثقف والسياسي المبكر الصديق ( أحمد السيد عيسى ) الذي يكبرني بأربع سنوات رحمه الله، في الظلام جذبتها لصدري ودفعني عنها خفقان قلبها البريء، طبعت قبلة على خدها الذي وجدته أترف وأرق من الزبد ، أردت تقبيل شفتيها، وصلت شفتاي لفاها، ويا لها من شفتين ، أفلتت يدها من يدي عنوة وقالت بيأس ( ليس هذا هو الحب يا حامد) وغابت بظلام الزقاق ، وفعلاً لم يكن ذلك حباً صادقاً بل طيش شباب، ورغبة آنية ، في اليوم الثاني لم أجدها تجلس مكانها مع بائعات الخبز، ثالث يوم لم أجدها، الظاهر أنها غيرت دورها ببيع الخبز لأنها تعرف أوقات دوامي ونهايته، وربما تترك المكان فترة خروجي من المدرسة، بعد أيام وجدتها تجلس بمكان بيعها للخبز، لم تعد نظراتها تشبه نظرات الأيام التي خلت ، وسؤالي لنفسي قبل سؤال القارئ الكريم ، لو كانت (فليحة) بائعة الخبز الجميلة ابنة وجيه؟ ، أو ابنة عائلة حلية معروفة؟ ، هل سأختم صبونتي معها بالزواج؟، وهل سأعاملها كما تعاملت مع بائعة الخبز ( فليحة ) ؟، يا لقسوة الدنيا، وقسوة قلوبنا على فقراء الله، أليس الفقراء عيال لله؟، ترى هل حفظنا الله بعياله؟!. لا والله لم نحفظ عيال الله، أنا أتحدث عن نفسي وأعني الكثير من القراء .
ملاحظة :
يقال الاعتراف بالذنب فضيلة، القبلة - البوسة - لا تعد من كبائر الذنوب وربما توصلك للكبائر، وأنا هنا اعترفت بذنب صغير جدا آنذاك، وقد لا يعد ذنباً أيامنا السوداء هذه، الغاية من الاعتراف إيصال صوتي من خلالكم صديقاتي وأصدقائي، أخواتي وأخوتي لساسة الصدفة وتجار الحروب وبائعي الوطن الجميل أن يعترفوا ولو بداخلهم المريض أنهم ارتكبوا كبائر الذنوب إلا وهي بيع الوطن والمواطن، سرقت ونهب الأموال العامة، ليعترفوا بذلك ويكفروا عن ذنوبهم بترك العراق للعراقيين وأهله الشرفاء الوطنيين ويغادرونا من حيث قدموا صغارا أقزاما لأسيادهم، والعراق من وراء القصد.