يوسفيات نجيب بن علي تنعى المدائن والوطن ___

نائلة الشقراوي
2019 / 1 / 24


ذاك الفتى الساكن باريس يتمرد على المكان والزمان ،ذاك المتمرد لم يكن قلب الأسد ولا صلاح الدين ولا نزار هو فقط يوسفي الهوية والقلب والكلمات .لذلك هو لم يحمل سلاحا ليشهر خروجه عن تلك الحدود الكرونولوجية بل امتطى حرفه كفارس لا هوية له سوى قلبه و التاريخ الذي يحملنا عبره الى المدن لنلاقي روحه المبعثرة بتلك الأمكنة والأزمنة التي لا يعرف لها وجدانه حدودا ولا هزيمة (تمرد بصدرك واجعله واقي رصاص /يفتت قلب الرصاص /لتذرو روح الرصاص الرياح العتية .)
من بيروت ،لقرطاج ،لبنزرت ،لحلب ،مسافات قطع الشاعر بحورها ما بين مستفعلن (الرجز) وفعولن (المتقارب ) بحور سهلة يركبها الشعراء بكل يسر لكن لكل فارس فنياته وتقنياته التي تجعل الأنظار التي تتجه إليه تنطق آهة الإعجاب أو الدهشة .فما المثير المدهش في قصائد ديوان يوسفيات لنجيب بن علي .؟
ديوان يوسفيات الصادر عن دار العودة في 167 صفحة ،أراد كاتبه أن يكون رمزا للوجدان العربي بكل تناقضاته ،قوته وضعفه ،رؤاه الفكرية وروحانياته المرتبطة بالدين والأسطورة والرموز التاريخية ،القصائد استمدت مرجعياتها من الماضي لتكون مقاصدها الأساسية الحاضر بكل تقلباته ومن هناك كانت الدهشة ،فأن يعكس شاعر صورا من التاريخ والكتاب المقدس ومن جغرافيات مختلفة على مرايا الواقع المعيش لتبدو نفس الصور دون الحاجة إلى مجاز أو رمزية هو ذاته الاختلاف بينه وبين بعض التجارب الشعرية الأخرى وأن تكون للقصائد بصمة خاصة لا تتكرر فذاك هو النجاح .البصمة الخاصة هي الاختيار الموفق للحدث والشخصية التاريخية المناسبة تماما للتناص الذي يرغب الشاعر في إيجاده ،فالشاعر حين يبكي قرطاج الرومانية في قصيدته قرطاج هو يرثي تونس الجديدة ويأخذ من الشواهد القديمة ما يعبر عن الحديث وليس بكاءه على ما كان من مجد روماني وانما على ما آلت إليه تونس الآن من فوضى وتجاذبات داخلية وخارجية (أنا لست عنوان درس تاريخ سخيف ،تسطره إملاءات روما الجديدة ) ،اما قابيل الذي يذبح هابيل في قصيدة بيروتيات فهو نفسه بكل الوطن العربي الذي يقتل الأخ أخاه أو يزيح الابن أباه عن الحكم ليجلس مكانه .هي نفس الأحداث القديمة تتجدد وتعاد ولا أحد ينظر للتاريخ على أنه خارطة سير ملغمة لا بد معها من خريطة موازية لنزع الألغام وإحلال السلام الذاتي والعام .
تونس تنتحب ،غزة تنزف ،وتمرد ينتهي بآهات دمشقية ،ولا شيء جديد في الأرض وآخر انسان انتهى بتمتمة على مقصلة الاعتراف يسأل من أين يأتي كل هذا الذباب الذي يجتاح وطنا تحول إلى مزبلة خلفنا ،وطن يدنس ويحرف تاريخه وتنتهك حضارته ويفقر شعبه لينتهي به الحال في مراكب الموت أو غريبا يطرز بخيط أفكاره كسوة لعروس منتظرة أو لينتهي كيوسف بين سجنين سجن الإخوة وسجن الغريب،او حالما بأن يفتح شبابيك الموت على الحياة ،منتظرا اللحن البطولي الذي يطير بالمغردين من المدن الخاويات الى روائح النعناع بأوردة الأمل .وأمل نجيب بن علي في يوسفياته ضمنها في كلماته التي تحيلنا الى أطروحة القديم والحديث و دعوة إلى الاستفادة مما كان وربط الصلة بينه وبين المعاش لتحقيق الموازنة مابين الموروث الذي لابد أن يتداخل في ثقافتنا وهويتنا الحالية ولتعلم الدروس من التاريخ ،درس يقدمه شاعر "لم يجن سوى المراود والمكاحل وحبر الغيوم " وذاك قدر الشعراء أن يُطربوا القارئ بألحان حروفهم وان يعزفوا على معازف تجرح أناملهم ليسيل دمها حبرا يملأ فراغ الورق،ذاك نفسه حال كل مثقف اختار أن ينحاز إلى صفة الفاعلين المحرضين على التغيير بعد الكشف عن بؤر السواد في حياة الآخرين .