آثارالتعصب الدينى والمذهبى

طلعت رضوان
2019 / 1 / 24

آثارالتعصب الدينى والمذهبى؟
طلعت رضوان
ترتب على التعصب لأى دين، والتعصب لأى مذهب، نتائج تسببتْ فى كوارث داخل المجتمعات الإنسانية (خاصة فى الدول التى تتحكم فيها أنظمة سياسية، تتعمّـد التفرقة بين مواطنيها على أساس دينى، ولاتعترف بحق (المواطنة)
يذهب ظنى أنّ مؤسسات الكهنوت الدينى، فى أى ديانة، كانت وراء ظاهرة التعصب، وقد ابتلتْ البشرية بأخطرداء تسبـّـب فى الحروب وإراقة الدماء، ونتج عنه وقف التنمية والتقدم، هذا الداء هو(التعصب) الدينى والمذهبى. وأخبرتنا التجارب أنه حتى أبناء الديانة الواحدة انقسموا إلى مذاهب (كما حدث مع اليهودية/ المسيحية/ الإسلام) وأنّ أبناء المذاهب انقسموا إلى فرق إلخ..ووفقــًا لما ورد فى كتب التراث العربى انقسم اليهود إلى 71 فرقة..والمسيحيين 72 فرقة..والمسلمين 73 فرقة..وبغض النظرعن تلك المتوالية الحسابية، فإنّ وقائع التاريخ تؤكد على الانقسام الذى حدث داخل الديانة الواحدة والمذهب الواحد، لدرجة أنّ النبى محمد (كما لو كان يمتلك القدرة على التنبؤ) قال ((ستفترق أمتى على ثلاث وسبعين فرقة. الناجية منهم واحدة والباقون هلكى)) ولما سُـئل: من الناجية قال: أهل السنة والجماعة..ولما سُـئل ما السنة والجماعة قال: ما أنا عليه وأصحابى)) وبغض النظرعن هذا الكلام الذى يعتمد على صيغة (المُـطلق) ضد (النسبى) تأتى أجيال من (المسلمين الموحدين) وكفــّروا جميع صحابة نبى الإسلام محمد (صلى الله عليه وسلم) من بين هؤلاء (أبى كامل) الذى أنشأ مذهب (الكاملية) والسبب من وجهة نظره أنّ الصحابة تخلوا عن على بن إبى طالب. وفى نفس الوقت انتقد الإمام على لأنه ترك حقه. وبعد أبى كامل جاء (العلياء ين ذراع الدواسى) فكان يُـفضــّـل على بن أبى طالب على محمد الذى نسب الدعوة الإسلامية لنفسه، فى حين أنّ صاحبها الحقيقى هوالإمام على (الشهرستانى- الملل والنحل- طبعة هيئة قصورالثقافة- عام 2014- من ص368- 371)
وانقسم أتباع الحسن بن على بن أبى طالب إلى 11 فرقة. بعضها تقول إنه مات وبعضها تقول إنه لم يمت ولايجوزأنْ يموت وأنه فى حالة (غيبة) ولما اعترض البعض عليهم قالوا ((أليس الخضر وإلياس يعيشان فى الدنيا من آلاف السنين ولايحتاجان إلى طعام أوشراب. فلمَ لا يجوزذلك على واحد من أهل البيت؟)) (المصدر السابق – من ص 352- 359)
وإذا كان الخليفة عثمان أحد المُـبشرين بدخول الجنة، فإنّ أتباع (الحسن بن صالح بن حى) سألوه: هل عثمان مؤمن أم كافر؟ لقد سمعنا الأخبارالواردة فى حقه وكونه من العشرة المُبشرين بالجنة. فقال زعيمهم: إذا رأينا الأحداث التى أحدثها من استهتاره بتربية بنى أمية..واستبداده بأمورلم توافق سيرة الصحابة، قلنا يجب أنْ نحكم بكفره (المصدرالسابق-319، 320) وعند واصل بن عطاء رئيس المعتزلة أنه لاتـــُـقبل شهاة (المتلاعنين) أى الذين شتموا ولعنوا بعضهم، وبناءً على ذلك لاتجوز شهادة على بن أبى طالب وطلحة والزبير..وأنّ المتلاعنين فاسقون..وأنّ فريق على وفريق وطلحة والزبيرمن أهل النار (ص69، 70) مع ملاحظة أنهم من بين العشرة المُبشرين بالجنة..وإذن فالتعصب لصالحهم منحهم تأشيرة دخول الجنة..والتعصب ضدهم سحب تلك التأشيرة وقذف بهم إلى النار. أما أصحاب مذهب الأزارقة الذى أنشأه (نافع بن الأزرق) فقد كفــّروا على بن أبى طالب وعثمان وطلحة والزبيروعائشة وعبد الله بن عباس وسائرالمسلمين معهم..وتخليدهم جميعًا فى النار..وأباحوا قتل أطفال المخالفين لهم وقتل النساء..وأنّ أطفال المشركين فى النارمع آبائهم (ص210) وقد أيدهم فى ذلك مذهب السليمانية (ص316)
والتعصب الدينى له أشكال عديدة مثل موقف عمربن الخطاب (رضى الله عنه) الذى خطب قائلا ((من قال أنّ محمدًا قد مات قتلته بسيفى هذا)) وانتشرعن المأثورالعربى ((لايجتمع فى جزيرة العرب دينان)) لذلك أجلى عمربن الخطاب (أهل الذمة- أى المسيحين واليهود) عن الحجاز (الأحكام السلطانية والولايات الدينية- أبوالحسن البصرى البغدادى الماوردى- ص168)
وقال الإمام مالك ((يكون إسلام الأب إسلامًا لهم ولايكون إسلام الأم إسلاما لهم)) وهنا نلاحظ أنّ التعصب الدينى انعكس على التعصب للرجل ضد المرأة. أما أبوحنيفة فقال ((إنّ إسلام الطفل إسلام وردته ردة ولايُـقتل حتى يبلغ)) (الماوردى- ص 137) لهذه الدرجة يبلغ التعصب مداه فى التدخل فى حياة البشربما فيهم الأطفال.
والتعصب هوالذى جعل خليفة المسلمين أبوبكريتصوّرأنّ الذين رفضوا أداء (الصدقة) التى كانوا يدفعونها للنبى محمد، فأطلق عليهم أبوبكر(أهل الردة) فأمربقتلهم وحرق ديارهم مع أنهم مسلمون موحدون..والتعصب الدينى ارتبط بالتعصب ضد حضارة المجتمعات الزراعية وهو ما عبّرعنه النبى محمد فقال ((لم أبعث تاجرًا ولا زارعًا..وإنّ شرهذه الأمة التجاروالزراع)) (الماوردى- ص 44) وقال أيضًا لأتباعه ((إذا تبايعتم بالنسيئة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم)) (رواه أحمد وصححه الحاكم) لهذه الدرجة كان التعصب فيكون (الجهاد) أى الغزوونهب ثروات الشعوب، أفضل وأهم من إنتاج المحاصيل الزراعية..وكل ذلك فى تبريرمن مرجعية دينية كما قال ((حتى ترجعوا إلى دينكم)) والتعصب الدينى هوالذى ولـــّـد عدم الإيمان بحرية الاعتقاد وهوما عبّر عنه محمد فى حديثه الشهير ((لا يحل دم مسلم إلاّ بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أوزنا بعد إحصان، أوقتل نفس بغيرنفس)) مع ملاحظة أنّ هذا الحديث يعتمد على الحكم القيمى غيرالعلمى (تكفير المختلف) وعلى صعوبة التحقق من شرط (الزنا: وجود أربعة شهود رأوا الفعل) وعلى إمكانية تلفيق تهمة القتل لأسباب شخصية أو سياسية.
والتعصب الدينى هوالذى أنتج حديث محمد ((من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، ومن لم يستطع فبلسانه ومن لم يستطع فبقلبه وهذا أضعف الإيمان)) (رواه أحمد ومسلم والنسائى والترمذى وابن ماجه)) فهذا الحديث يعتمد على صيغة المطلق (من رأى منكرًا) أى أنه تجاهل (تحديد المنكر) وتركه لتقديركل شخص على هواه، فقد يراه أحدهم فى عدم ارتداء المرأة الحجاب، ويراه آخرفى عدم ارتداء الخمارويراه ثالث فى عدم ارتداء النقاب ويراه رابع فى خروج المرأة من البيت، لأنّ المرأة لاتخرج من بيت أبيها إلا مرتيْن: الأولى إلى بيت زوجها والثانية إلى قبرها، وأنّ النبى قال ((المرأة عورة فإذا خرجتْ من بيتها استشرفها الشيطان)) وقد يرى البعض (المنكر) فى عدم تلبية رغبة الزوج دون مراعاة لظروفها الصحية أوالنفسية تنفيذا لحديث النبى ((إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فلم تأته لعنتها الملائكة حتى تــُـصبح)) وقال أيضًا ((إذا باتتْ المرأة هاجرة فراش زوجها كان من فى السماء ساخطــًا عليها حتى يرضى عنها زوجها)) (فى الصحيحيْن والنسائى) والإنسان (الملتزم) بأحاديث محمد وبالتراث العربى/ الإسلامى مؤمن بأنّ المرأة ((كالمملوك للزوج فلا تتصرف فى نفسها ولافى ماله..وتكون مستعدة لتمتعه بها)) (الإمام شمس الدين الذهبى فى كتاب الكبائر- ص189) و(المُـنكــَـر) قد يراه البعض فى فن التصويروالرسم تنفيذا لحديث محمد ((إنّ الذين يصنعون الصوريُعذبون يوم القيامة ويُـقال لهم أحيوا ما خلقتم)) وقال ((كل مصوّر فى النار)) (فى الصحيحيْن)
كما أنّ التعصب المذهبى لم يكتف بتكفير المختلف إنما وصل لدرجة القتل حتى بين أصحاب المذهب الواحد (الشهرستانى – 381) وكان المفكر إسماعيل مظهرعلى حق عندما كتب دراسة مهمة بعنوان (المذهبية والارتقاء) من 16 صفحة من القطع الكبير، انتهى فيها إلى أنّ الارتقاء والمذهبية عدوان..ولن يكون ارتقاء مع مذهبية..والمذهبية لن تختفى إلامع الارتقاء (مجلة العصور- مايو29) فهل يأتى يوم على البشرية يتراجع فيه التعصب الدينى والمذهبى؟ مع حق كل إنسان فى أنْ يعتقد ما يشاء دون تكفير؟ ويعيش البشر فى سلام وتتركزجهودهم على تنمية مواردهم الطبيعية، فينعموا بالحرية والتقدم؟ أعتقد أنّ هذا الحلم لن يتحقــّـق إلاّبعد أنْ تتخلــّـص البشرية من كل مؤسسات الكهنوت الدينى، فى الديانة العبرية بشعبها الثلاث.
***