في معرض الرسامة العصامية الشابة من ذوي الاحتياجات الخاصة أسماء هندي بتازة - المغرب

عزيز باكوش
2019 / 1 / 16

في معرض الرسامة العصامية الشابة من ذوي الاحتياجات الخاصة الشابة
أسماء هندي
عزيز باكوش

أسماء هندي رسامة عصامية من ذوي الاحتياجات الخاصة (الصم البكم ) تلك التي تقف على يميني داخل إحدى الفضاءات الساحرة ببلدة واد أمليل ناحية تازة ، المغرب وعلى يساري زكية هندي أختها. أسماء هندي من مواليد دجنبر 1996 بمنطقة بوزملان ايت سغروشن إقليم تازة ، عاشت طفولة قاسية ومهملة بعد أن فقدت سمعها ونطقها منذ الطفولة ، حيث لا تتحدث سوى بعينيها، فيما تتكفل أختها زكية بترجمة أحاسيسها ونقلها إلى الجانب الآخر بطلاقة وبحدس مذهل.
ولأن أسماء هندي من أسرة فقيرة ، فهي لم تتلق تعليما نظاميا سوى لبضع سنوات، ذاقت خلالها الأمرين ،إهانة المحيط ، وموجة سخرية من مجتمع لا يرحم ، لكن الفتاة ستنتقم لكبريائها وستنتصر على إعاقتها بطريقة مذهلة ،سوف تتعلم الرسم وستتدرب على إتقانه وستتفوق في التعبير وتبدع في فن التشخيص بالفرشاة والألوان حد الإبهار

وإذا كان الفضل في اكتشاف هذه الرسامة العصامية "أسماء هندي" يعود بالدرجة الأولى إلى أختها زكية ، الطالبة في السلك الثانوي بثانوية علي بن بري ، والتي قررت ذات يوم إبراز موهبة أختها عبر إخبار أستاذها وإمداده بملف يتضمن بعضا من رسومات ولوحات أسماء ، طالبة منه المساعدة ، والسعي إلى إبراز موهبة أختها ، والمتمثلة في النطق بغير الكلمات ، واعتماد لغة اللون ورموز توحي بالكثير من الدلالات والبوح وتحتاج للإنصات . فإن أستاذها الدكتور المداني العدادي لم يتردد لحظة واحدة في تبني هذا السعي الرحيم . إذ سرعان ما سيحمل الرسالة مأخذ الجد ، فالأمر يتعلق برسالة طفولية مشفرة وبلغة الألوان والهمسات الموحية ومشحونة بأحلام إنسان، وانتظارات كائن ، وفرصة حياة . وتشاء الصدف ربيع 2018.أن تقوم إحدى قوافل أجنحة النور بتازة ضمن فعاليات نسائية مهنية بالنسيج المدني" ناسجات حلم ووطن " مكونة من الشاعرة دليلة حياوي وسعاد التزاني وحفيظة اعبيزة وحفيظ السلمي.. وغيرهم..
لتحط رحالها بالقرية حيث مسكن أسماء التي استقبلت ضيوفها رفقة أسرتها بصمتها الملفوف بحيرة وألف سؤال . كانت لحظة دعم نفسي ومعنوي بمنسوب إنساني قوي .

كان بيتها أو بالأحرى مرسمها عبارة عن تحف وأعمال يدوية أبدعتها أسماء بعيدا عن الأضواء رفقة مخيالها الصامت، أزهار نباتات في أشكال وألوان متباينة ، وشساعات ظليلة مرتبة بذوق مفعم بالهمس ، وأخرى يغمرها البياض ، طبيعة تحتاج لمن يشذو لها حيوانات طيور ، رقصات أهازيج ، لوحات تمتح من الواقع والبيئة القريبة تارة ، وأحيانا تبتعد فيما يشبه الترميز الملتبس العصي على الإمساك ، وبعد أن سلمتها القافلة هدايا وحب أمل سيثمر لاحقا ، جاءت دفعة ثانية من إبداعات ورسوم أكثر همسا وإيحاءا ، مايؤكد أن أسماء لا تهادن في اغتنام فرصة تاريخية ، والسعي إلى استثمارها فنيا في هندسة ملامح مستقبلها الفني عبر طريق الفن واللون، لأنه على ما يبدو ، هو قدرها ، ونسغ حياتها ، ومعبرها نحو حياة حرة بكل الكلام، بعيدا عن مجمل الهمس . ولذلك ، لم يتردد مدير مهرجان سينما الهواء الطلق في دورته الخامسة دجنبر 2018 في برمجة معرض خاص بلوحاتها ضمن أنشطة الدورة الى جانب محترفات ومعارض وأروقة فنية .

في المعرض الذي ضم أكثر من ثلاثين لوحة بنادي التعليم بتازة، كانت أسماء حاضرة بهمساتها الطفولية ، وإيحاتها العميقة المعبرة عن نشوة مغروسة في الوجدان ،محور اهتمام و أكثر من سؤال . فالفتاة التي لم تسعفها الكلمات، خصبت ألفتها باللوحة والألوان ، وأصرت أت ترافقها تلك الابتسامة الناعمة ، كشمس الصباح التي تهمس بالأشجان.أسماء هندي اليوم تتكلم لغة أخرى لغة الإبداع والألوان وتطمح من خلال 30 لوحة تشخيصية تقاسم مشاعرها وهمومها وأحاسيسها مع الناس، ومع المحيط حولها ، في معرضها الأول من نوعه بنادي التعليم بتازة المنظم ضمن فعاليات نادي المسرح والسينما ، سيتعرف الجمهور العريض عن موهبة عصامية فذة، وسيكتشف عن قرب طاقة بشرية خلاقة في أمس الحاجة الى رعاية واهتمام خاص ...

يوم السبت 29 دجنبر 2018 كان يوما استثنائيا بالنسبة لجمهور المهرجان وعشاق الفن التشكيلي ، ضمن فعاليات المهرجان الوطني الخامس لسينما الهواء الطلق للقيم الوطنية والكونية بتازة. حيث شهد المعرض الجماعي الشبابي بقاعة الحفلات التابعة لنادي التعليم حدثا جميلا ومؤثرا، وهو توقيع الفنانة الفطرية الصاعدة أسماء هندي ولأول مرة على لوحاتها، بحضور الفنان الفطري العالمي الكبير أحمد قريفلة. وقد نبه الشاعر سعيد يفلح العمراني إلى غياب توقيعها على لوحاتها.. فتقرر أن يكون هذا المهرجان بادرة خير لها بحيث ستعرف لأول مرة هذا التقليد الفني العريق؛ أي توقيع اللوحات من لدن صاحبها. ومن المفارقات العجيبة أن الفنان الكبير أحمد قرفلة عاش نفس الحدث، ونفس الذكرى في صباه وبتفاصيله، وقد دون المؤلف المداني العدادي ذلك في رواية "طائر الوروار" سيرة ذاتية في الصفحة: 166، وهو الشيء الذي أبكى المخرجة الكبيرة فاطمة بوبكدي، وأثر في جميع من حضر .