الألزاس، ذهاباً وإياباً بالسيّارة (الجزء ١ من ٢)

منير المجيد
2019 / 1 / 15

بالرغم من صورة الدول الأوروبية التي عمل إتحادها على إزالة الحدود الجغرافية، وصار معظمها يستعمل عملة موّحدة، وقوانين وحدوية لا تشبه إطلاقاً المحاولات الوحدوية العربية، فإن الشعور القومي ينمو سنة تلو الاخرى.
كاتالونيا تريد الإستقلال عن إسبانيا، سكوتلندا تريد الإنفصال عن المملكة المتحدة، قبرص التي صارت تركية ويونانية منذ سنوات عديدة، بلجيكا مهددة على نحو جدي وخطر بالتقسيم ما بين الجزء الفلمنكي والفرنسي. علاوة على مشاكل أصغر وأقل أهمية، كما هو الحال في كورسيكا. قبل ذلك انفصلت كل من التشيك وسلوفاكيا في عملية طلاق تُعّد الأسعد والأفضل في التاريخ.
أما منطقة الألزاس فلها وضع فريد. تاريخياً كانت ألمانية، وهذا واضح في أسماء قراها ومدنها، سكانها الذين أسماؤهم ألمانية، مطبخهم ألماني، وهم يتحدثون بلسانين، فرنسي وألماني، إلا أنها رفضت العودة إلى الحضن الألماني وفضلت البقاء فرنسية، بعد عدة إستفاءات.
جمال المنطقة الذي يشمل طبيعة ساحرة يتناغم فيها السهل بالجبل، عرف فيها الألزاسيون مهنة ممارسة الأرض. في السهول يزرعون الذرة التي نضجت الآن وأصفرّت أوراقها وصارت جاهزة لإستخراج زيت الذرة الفرنسي المشهور، تليها مباشرة سفوح الجبال المثخنة بالكروم بأعناب تُستخلص منها أنبذة بيضاء بشكل أساسي، وتتمة لتقاليد أقاربهم الألمان من الجهة الاخرى من نهر الراين العظيم (حوالي ١٥٠ مليون زجاجة نبيذ). على ذكر الراين، في منتصفه تماماً وأنت تعبر الجسر من ألمانيا، تُعلمك لافتة أنك صرت الآن في فرنسا.
حاولت عبثاً سحب بعض أوجه التشابه بين الألزاس وبعض المناطق المشتعلة بالحساسيات وخطورة البدء في عصر من الحروب الصغيرة والكبيرة بين مختلف القوميات والإثنيات في شرقنا غير السعيد.

قرّرنا، صديقي خلدون وأنا، السفر إلى منطقة الألزاس بالسيّارة لسبر المنطقة.

قيادة السيارة على الأوتوسترادات هي عقوبة كبيرة، خاصة إن كنت وحيداً في آلة معدنية تُصدر أصواتاً ميكانيكية رتيبة لا تسنح لجهاز الراديو أن يُمتّعك بأي نوع من أنواع الموسيقا.
أكثر بقيل من ثلاث ساعات عبرت فيها جزيرتي «زيلاند» و «فون»، اللذين يفصل بينهما جسر مهيب نصفه مقوّس كي يُتيح للسفن التجارية الإبحار تحته، وعلى الخصوص السفن الروسية التي يتخبّط ربّانها في مساراتهم المائية متأثرين بالفودكا القويّة.
وحينما وصلت إلى شبه جزيرة «يولاند»، وفيها صدرت صحيفة «يولاندز بوستن»، صبيحة ٣٠ سبتمبر ٢٠٠٥ برسومات كاريكاتيرية أثارت زوبعة بدائية هي الأسخف في تاريخ شعوبنا، كنت، سويّة مع صديقي خلدون نتناول عشاءً يبرعُ خلدون دائماً في إعداده، ونخطط لرحلتنا التي سنقود السيارة بإتجاه جنوب ألمانيا في الجزء المحاذي لـ «ستراسبورغ» والـ «الإلزاس» صباح اليوم التالي.
تلك اللية لم أستطع النوم على نحو جيد. هكذا أنا. إحدى العادات القبيحة حينما أكون على سفر، وهي ضمن عادات أخرى قبيحة يصعب حصرها في هذه العجالة.
في الثامنة تماماً كنّا نتّجه نحو الحدود الدانماركية-الألمانية، ونحن سعيدان كطفلين، لأن هذه الرحلة انتظرتنا أن نقوم بها منذ سنوات طويلة.
عبرنا الحدود برمشة عين، فالحدود بين دول الإتحاد الأوروبي أُزيلت منذ سنوات، في الوقت الذي فرض فيه اللبنانيون نظام التأشيرة على السوريين، ولاحظنا أن الألمان يُعجبهم قيادة سياراتهم الثقيلة المتينة بسرعة جنونية. وبسرعة غير جنونية، وصلنا إلى مشارف مدينة هامبورغ لنلحق بصفّ طويل لم نتبيّن نهايته من آلاف السيارات الاخرى.
وحينما مرت سيارة إسعاف بين هذه الجموع المحتشدة برشاقة أثارت إستغرابنا وإعجابنا، وبطريقة لم نفهم كيفية إنجازها، عرفنا أن الأمر يتعلق بحادث مروري.
مضت ساعة ولم نتحرك سوى بضعة أمتار، قام خلالها بعض المسافرين بمغادرة سياراتهم للتبول، أمام أنظار الآخرين، لأن المسافة بين الأوتوستراد والغابات المحيطة كانت مسّورة بأسلاك محكمة حفاظاً على أرواح الحيوانات البرية من الموت على طرق المواصلات.
حتى بعض النساء والفتيات اضطررن إلى القرفصة والكشف عن مؤخراتهن، بينما أدار الرجال ظهورهم واقفين. هكذا هو الأمر، فالرجال أوفر حظاً، في إحدى الحالات النادرة، من النساء حينما يتعلق الأمر بالإنصياع إلى قوانين الطبيعة البشرية.
وتماماً خلف السور رأيناً غزالاً يهرول جيئة وذهاباً، وكأنه يقوم بتمارين صباحية، أو ربما أراد أن يُري هذا الحشد الهائل من الناس والسيارات تمتّعه بمساحة من الحرية، في شريط ملتوٍ ازداد طوله وأمتد إلى عشرات الكيلومترات.
قضينا أكثر من ساعتين هذا النحو، بعدها زحفنا في سيل ازدادت سرعته قبل أن ندخل النفق الهائل الذي يقع على كتف مدينة هامبورغ بطول يزيد عن ثلاث كيلوترات بقليل.
لكن مشكلة الوقوف في أرتال طويلة لم تنته هنا. الألمان مولعون بتصليح طرقهم، وهذا يعيق من السير بطبيعة الحال.
كنّا نفرح لعودة السير إلى إيقاعه، وسرعان ما نقف مرة اخرى.
لم نشهد أي تذمّر أو تسديد شتائم، فحافظنا على برودة أعصابنا أيضاً كي لا يتهّمنا أحدهم بالإرهاب، الذي صار يلتصق بنا أينما حللنا.
وكأن الإستراحات الإجبارية العديدة لم تكن كافية، بل أن السماء لم ترحمنا أيضاً يوم الأحد العجيب هذا.
المطر.
كانت تمطر أحياناً إلى درجة تغيب فيه تماماً صورة الطرق والسيارات الاخرى التي كانت تتحول إلى عيون حمراء صغيرة يلفّها المطر كضباب حليبي. وفجأة يتوقف المطر لتسطع شمس ديسمبر الواهنة ملقية علينا شرائطها المصفّرة.
عبرنا عدة مدن ألمانية رئيسية مثل فرانكفورت وشتوتغارت إلى أن تركنا الأوتوستراد لنتوه في مجاهل طرق ريفية وقُرى عديدة، بعد أن بسط علينا الليل عباءته.
صدقوني، ليست متعة كبيرة أن تقود سيارة في ليل حالك، بينما المطر ينقر على النوافذ بوقاحة معروفة، وقد سلمت مستقبلك إلى جهاز الملاحة «جي پي اس» يلفظ فيه صوت أنثوي أسماء الأماكن بتهجئة مضحكة.
بلغنا، أخيراً، فندق «ريبستوك» في بلدة «دورباك» قبل الحادية عشرة ليلاً بدقائق قليلة، في سفر يستغرق عادة نصف هذه المدة.
لم أستطع النوم بعمق تلك الليلة أيضاً، رغم أنني كنت أموت تعباً وجوعاً.
صباح هذا اليوم لاحظت أنني أقيم في فندق السحر الألماني، وسط الغابة السوداء، منطقة الجبال وسفوح زراعة أعناب النبيذ.

فرنسا، سبتمبر ٢٠١٧