السفر بنظام الإنتر ريل في أوروبا (الجزء الثاني)

منير المجيد
2019 / 1 / 11

كانت زوجة فوزي «ميرنا باهو» وبمساعدة فعّالة منه، قد حضّرا طاولة طعام عليها خمسمائة صنف وصنف من مطبخنا القامشلاوي.
لكم هو أمر محرج إن تُشغل الأصدقاء بتحضير هذا الكمّ من الطعام!
بعد أول كأس عرق وضْبه فوزي بعناية، تحلّقنا حول كل ذاك الإبداع والجمال: ورق العنب اليبرقي، اليالانجي، أو اليبرق الكذاب الذي كان أصدق أنباءً من الكتب، والحمّص كان فوزي قد ذوّقه ومكيجه بأربعة خطوط حمراء من الفلفل الأحمر على كل جانب من الصحن الفخّاري البني، تماماً مثل الطبّاخين في مطاعم الأرمن في حلب.
لن أستطيع ذكر كل الأصناف الشهية، لكن لا بد من الإشارة إلى الجبنة البيضاء من صنع ميرنا المُحكم، وصلصة فوزي الحريفة التي مازالت تُثبت «فعاليتها» في كل مرّة ألبي فيها نداء الطبيعة.
أعادني سائق تكسي مغربي إلى فندقي وسط مدينة بروكسل وهو يطير مدفوعاً بشبابه الطائش، أو هكذا شعرت بعد كأسين ثقيلين أدارا رأسي بقوّة.

صباح اليوم الثاني قام فوزي بدور الدليل وعرّفني على بعض معالم المدينة التاريخية وتمثال Lil Piddler، الطفل البرونزي الذي لم يتوقّف عن التبّول منذ عام ١٦١٨ على زاوية شارعي Rue de l Étuve و Rue des Grands Carmes. ثمّ دار بلدية المدينة بطرازها القوطي، والتي تمّ بناء الجزء الأقدم منها عام ١٤٢٠ بقيادة «ياكوب فان تينين».
مررنا على العديد من محلّات بيع البيرة البلجيكية الأفضل في العالم، وكان ثمة بائع يفخر بعرض مائتين وخمسين صنف منها. أردت في الحقيقة أن أسأل إن يُسمح لي بتذوّق كل الأنواع حتى يستقرّ رأيي على النوع الذي سوف أشتريه.

بعد الظهر استقليت القطار المتوجّه غرباً نحو مدينة Brugge والتي تُلفظ «بروخه» بالفلمنكية و Bruges (بروچ) بالفرنسية.
اهتمامي بالمدينة يعود إلى فيلم In Bruges الإنكليزي من العام ٢٠٠٨، وإخراج «مارتين ماكدونا» وأداء «كولين فاريل» بدور «راي» حيث فرّ مختئباً من عصابة كان فرداً منها، وكان على قناعة تامّة أنه لن يُعثر عليه في هذا المكان الصغير الموحش.
الجزء القديم من المدينة هو على لائحة اليونكسو كإرث عالمي وتحتوي على أكثر أبنية العصور الوسطى الأوروبية المُصانة، وخاصة بناء وبرج كنيسة «سيدتنا»، التي تتوسط الساحة الواسعة في قلب المدينة القديمة. يقطنها نحو ٢٠ ألف من سكان المدينة البالغ عددهم نحو ١١٧ ألف حسب إحصاءات عام ٢٠٠٨.

أبسط مثال على عمق الخلاف بين الشقّ الفلمنكي والفرنسي هو القطار بين مدينتي بروكسيل وبروخه. حين المُغادرة من بروكسيل تُتلى المعلومات من مكبرات صوت العربات باللغات الفرنسية ثم الفلمنكية والألمانية وأخيراً الإنكليزية، وكذلك لغات اللوائح الضوئية. حين العودة فإن اللغة الفلمنكية هي الوحيدة المُستعملة. مراقب البطاقات الذي لم يتكلم سوى الفلمنكية حتى حين وصولنا إلى بروكسل، وهناك صار يتحدث الفرنسية كالبلبل الصدّاح.

اليوم عدت إلى ألمانيا (مدينة دوسلدورف بالتحديد) بعد أن عبرت بي القطارات البلجيكية البلاد من الغرب وإلى الشرق. القطارات العديدة التي بدلّتها كانت هادئة منتظمة وسارت الأمور على أحسن وجه. لا تزاحم ولا روائح فم كريهة.
الفندق أسمه Asahi. لم أكن أعرف دلالة للتسمية إلا حين وصلته، فهو يقع وسط العديد من المطاعم والمحلات االيابانية. مُصادفة غير متوّقعة.
بعد زيارة سريعة لمحل الألكترونيات الألماني الهائل Saturn وجدت عدسة Sigma 17-50 mm 1:2.8 EX HSM (أي نعم أي نعم)، بديلة لعدسة كاميرتي، أحسن من المغفور لها بثلاث وثلاثين مرّة.
(يتبع)