سوريا والاحتلالات الخمسة ومواقف ترامب المتقلّبة

جلبير الأشقر
2019 / 1 / 9


إن مشهد التخبّط الخالي من أي منطق والأقرب إلى نزوات المصابين بعته شيخوخي الذي يقدّمه للعالم دونالد ترامب والذي لم يسبق له مثيل في تاريخ الرئاسة الأمريكية، إنما بلغ ذروته في سياسة المذكور إزاء سوريا. فبعدما أفصح خلال حملته الانتخابية سنة 2016 عن تفضيله للتعامل مع بشّار الأسد بوصفه أهون الشرور، دشّن سياسته الرئاسية بقصف مواقع النظام السوري لمعاقبته على استخدام السلاح الكيماوي، ذاهباً إلى حدّ نعت نظيره السوري بالحيوان! ثم ما لبث أن صبّ جهده على تفكيك سياسة سلفه تجاه إيران، فوضع «الجمهورية الإسلامية» في رأس قائمة أعدائه وأعلن تنصّل بلاده من الاتفاق النووي المبرم بينها وبين الأعضاء الدائمين الخمسة في مجلس الأمن الدولي بمشاركة ألمانيا والإتحاد الأوروبي.
ثم توالت التصريحات من البنتاغون تعترف بوجود ما يقارب ألفي جندي أمريكي في شمال شرق سوريا يعملون إلى جانب «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، التي تشكّل «وحدات الحماية الشعبية» الكردية عمودها الفقري، تنضاف إليها قوات قبَلية عربية وجماعات من شتّى الأقليات السورية. وقد أكّدت أوساط البنتاغون على أن مهمة الجنود الأمريكيين لا تقتصر على معونة «قسد» على دحر العصابة المجرمة التي أطلقت على نفسها تسمية «الدولة الإسلامية»، بل تشمل أيضاً الحؤول دون مدّ إيران سيطرتها على ذلك القسم الأطول من المنطقة الحدودية بين سوريا والعراق الذي تشرف «قسد» عليه.
ويكفي النظر إلى خريطة المنطقة لإدراك الأهمية الاستراتيجية التي يكتسيها تمكّن إيران من السيطرة على الخطّ المستقيم الممتدّ من طهران إلى الساحل السوري مروراً بكركوك التي باتت واقعة تحت السيطرة المشتركة لجيش الحكم العراقي وقوات «الحشد الشعبي»، وكلاهما مواليان لإيران. وقد تجلّى حرص واشنطن على منع إيران من بسط سيطرتها على القسم العربي من الأراضي التي تشرف عليها «قسد» في عدم تردّد القوات الأمريكية في قصف قوات النظام السوري قصفاً كثيفاً وعنيفاً عند محاولة هذه الأخيرة التقدّم في منطقة دير الزور قبل أقل من سنة، في 7 شباط/فبراير الماضي تحديداً، فيما أُطلق عليه اسم «معركة خشام» (وقد تبيّن أن عدداً من الروس سقطوا في تلك المعركة وقد زعمت موسكو أنهم من المرتزقة).

بيد أن ترامب قد أبدى مع ذلك عدم ارتياحه للتعاون بين القوات الأمريكية والقوات الكردية السورية وثيقة الارتباط بـ«حزب العمّال الكردستاني»، أهم تنظيمات كُرد تركيا، الذي هو أبعد ما يكون عمّا يمثّله ترامب أيديولوجياً، وقد وصف ترامب نفسه ذلك التعاون بالعبثي. والحقيقة أن الرئيس الأمريكي أقرب بكثير إلى شخصية وسلوك نظيره التركي رجب طيّب أردوغان، وقد تعمّد هذا الأخير مغازلته حتى أقنعه بسحب قواته من الشمال الشرقي السوري لفسح المجال أمام دخول قوات أنقرة، مؤكداً على أنها قادرة على الإشراف على المنطقة بأسرها بما يُبعد شبح الهيمنة الإيرانية.
غير أن القرار المفاجئ الذي اتخذه ترامب بسحب القوات الأمريكية من سوريا، والذي جاء إثر مكالمة هاتفية بينه وأردوغان، قد أثار عاصفة سياسية فاقمت من شدّتها استقالة وزير الدفاع الأمريكي، الجنرال جيمس ماتيس، وغيره من المسؤولين الأمريكيين المختصّين بالملف السوري. ولا عجب في أن يكون في طليعة النقّاد وأكثرهم تأثيراً على دونالد ترامب ألدّ أعداء سياسة إيران الإقليمية التوسّعية، ومنهم بعض معاوني ترامب الذين آثروا إقناعه بتغيير موقفه على القطيعة معه، لاسيما مستشاره للأمن القومي جون بولتون ووزير خارجيته مايك بومبيو، وكذلك صديقه الحميم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. أما هاجس هؤلاء وغيرهم من حلفاء واشنطن الذين أبدوا قلقهم من قرار ترامب، فهو أن أردوغان مشهور هو أيضاً بتقلباته (تذكّروا مواقفه الاستفزازية تجاه نظيره الروسي فلاديمير بوتين قبل أن ينقلب إلى الانخراط فيما غدا مثلثاً إقليمياً قمته موسكو وطرفا قاعدته طهران وأنقرة) بحيث لا يمكن الاعتماد عليه.
هذا وقد نشر أردوغان في صحيفة «نيويورك تايمز» قبل يومين مقالة قصد منها تطمين المشكّكين في سلامة قرار ترامب بتأكيده على قدرة الدولة التركية على السيطرة على المنطقة الشاسعة الواقعة بين نهر الفرات والحدود العراقية. أما الطريقة التي ينوي بها الرئيس التركي تحقيق هذا الأمر حسبما جاء في المقالة، فهي تلك التي طبّقها في منطقة عفرين حيث حلّت صوره محلّ صور عبد الله أوجلان، زعيم «حزب العمال الكردستاني» القابع في سجن تركي، وجرى إنشاء سلطة محلّية كرتونية يشرف عليها «جيش سوري حرّ» تابع للجيش التركي وخاضع له مثلما كان «جيش لبنان الجنوبي» تابعاً للجيش الصهيوني قبل اندحاره عند انسحاب هذا الأخير من جنوب لبنان في عام 2000.
وسوف يصعب جداً على أردوغان إقناع أحد بجدوى السيناريو الذي شرحه في «نيويورك تايمز»، لاسيما أن اجتياز جيشه للحدود السورية كان دائماً ولا يزال رهناً بالضوء الأخضر الروسي. ينطبق ذلك على «عملية درع الفرات» في خريف عام 2016 التي كان ثمنها توقف أنقرة عن دعم المقاومة السورية في شرق حلب في وجه حملة موسكو وطهران ودمشق الثلاثية الرامية إلى استكمال السيطرة على كبرى المدن السورية، مثلما ينطبق على «عملية غصن الزيتون» التي نفّذها الجيش التركي ترافقه القوات السورية الموالية له قبل عام في منطقة عفرين والتي ما كانت لتتمّ لولا سحب موسكو لقواتها لقاء توقف أنقرة عن دعم المقاومة السورية في ريف دمشق.
في الحقيقة فإن حلول القوات التركية محلّ القوات الأمريكية شرقي الفرات، لو تمّ، إنما يكون أخطر بكثير على مستقبل سلامة الأراضي السورية من الوضع الراهن. ذلك أن تركيا دولة مجاورة لسوريا لها مطامع توسّعية على أراضيها (لا تقتصر على ما حلّ بلواء إسكندرونة) وقادرة، لكونها محاذية للأراضي السورية، على ممارسة وصاية طويلة الأمد، مثلما مارست في شمال العراق منذ العدوان الأمريكي الأول على ذلك البلد في عام 1991، هذا إن لم ترسِ احتلالاً طويل الأمد على غرار الاحتلال الصهيوني للجولان. أما البديل عن السيطرة التركية في حال انسحبت القوات الأمريكية، فهو السيطرة الإيرانية التي تأتي في المرتبة الثالثة خطورة نظراً للمسافة التي تفصل إيران عن سوريا. وهذا العامل الجغرافي الأخير هو أحد أسباب كون السوريين عموماً، سواء أكانوا موالين لنظام الأسد أم معارضين له، يفضّلون السيطرة الروسية على السيطرة الإيرانية.