ثقافة الفرح عندهم وثقافة الحزن عندنا

جعفر المظفر
2019 / 1 / 5


إن كثيرأ من دول العالم الإسلامي تحتفل برأس السنة الجديدة, ورغم صدور بعض الأصوات النشاز لرجال دين مسلمين يحرمون الإحتفال بهذا اليوم إلا أن أغلبية رجال الدين المسلمين تمتنع عن التحريم, وهناك نسبة تعلن بشكل صريح جواز مشاركة المسيحيين إحتفالهم, والبعض يرى أنه لا يحتفل بالمسيحية وإنما بالمسيح نفسه الذي يعتبره القرآن أحد رسل الله وأنبياءه ويذْكره وعيد ميلاده بكل التقديس.
ولذلك فإن عيدا كهذا يمكن إعتباره مناسبة عالمية للفرح, ولا ضير من تطويره فقهيا وسياسيا, دينيا وعلمانيا, لكي يكون إحدى المناسبات الأممية الأساسية المتفق عليها لبناء عالم مسالم ومجتمعات متعايشة.
وإذا كانت دول العالم المسيحي لا تشارك المسلمين رسميا أو شعبيا مناسبة الإحتفال بمولد نبي الإسلام, فهي ستشاركهم في المستقبل إذا افلحوا في تقديم نبيهم للعالم كنبي للسلام, ثم عملوا على أن تكون إحتفالاتهم بمولده أو بسنتهم الهجرية مناسبة للفرح الملون الذي يغري بقية العالم على المشاركة به وأخرجوها بالتالي من سياقها الديني المجرد ومن طبيعتها المتحفظة.
من جهة أخرى علينا أن نعترف أن (العالم المسيحي) قد نجح ايما نجاح في تسويق إحتفالاته بالعام الجديد عالميا لأسباب لا مجال لتعدادها جميعا. ومع عدم وجود ثقافة مقنعة للإعتراض عليه لدى العوالم الآخرى فإن عملية التسويق هذه وجدت بيئتها العالمية المشجعة.
من ناحية أخرى سيشجعنا البحث في المناسبة على الوقوف أمام جانبها التسويقي كونها صارت واحدة من أفضل المناسبات التي تتبناها شركات تصنيع السلع الإستهلاكية , فالتحضير لهذه المناسبة يجري قبل أكثر من شهر على قيامها, بهذا فإن الفرح الملون لم يعد مناسبة دينية أو إجتماعية فحسب وإنما أيضا صار مناسبة تسويقية يتشارك فيها المصنعون والمسوقون والمستهلكون, وبشكل عام سيكون من الطبيعي ان يلقى ذلك النشاط ترحيبا وتفاعلا من قبل المجتمع الذي جعلته ثقافته الدينية والعامة على إستعداد لتلقي الفرح والتفاعل معه والمشاركة بتصنيعه.
وسأفترض أن الميل إلى ثقافة الفرح وعمليات التسويق الإجتماعي والإقتصادي لهذه الثقافة هي التي تحمل أيضا الحاجة إلى تفعيل نظرية قيام المسيح من ميتته بدلا من (شُبِهَّ لهم) كما في ثقافتنا الإسلامية.
وحتى هذه أل (شُبِهَّ لهم) الذي يعتقد بها المسلمون فهي تشجع على مشاركة المجتمعات الإسلامية بهذه الفرحة, وعلى الأقل لنجاة واحد من الرسل التي تعتز بها هذه المجتمعات وخاصة من الناحية الدينية.
ودون الوقوف عند المقدس الديني من وجهة نظر كنيسية لكونها تفسر قضية بعث المسيح بعد الموت فأنا أرى أن تطوير الثقافة إجتماعيا في المجتمعات المسيحية حمل في بعض جوانبه الميل إلى بناء ثقافة تصنيع الفرحة ثم تسويقها إقتصاديا, فلو أن المسيح لم يعد إلى الحياة بعد صلبه لظل المسيحيون يعيشون ثقافة الحزن على نبي مصلوب وليس فرص الفرح على النبي الذي بعث حيا بعد صلبه وصعد بعدها إلى السماء.
ولقد إستثمر النشاط التسويقي المعجزة الدينية ووضعها في خدمته, وليس في ذلك عيب ما دام الإستخدام قد عمل على بناء ثقافة إجتماعية للفرح الملون.
على الجهة الإسلامية تطغى ثقافة الحزن كثيرا على ثقافة الفرح. ومع الإغراق الشيعي في الإلتزام بثقافة الحزن إلا أن المؤسسة الشيعية ليست وحدها من يتفنن في تعميق ثقافة الحزن التي من شانها أن تصنع شعبا كئيبا وثقافة باكية.
إن بضاعة الحزن الشيعي هي بالضد تماما من بضاعة الفرح المسيحي فالثقافة الأولى المتكئة على تعميق الحزن العاشورائي تشجع من ناحيتها على وجود شعب بائس وأمي وجاهل وفقير. إن شعبا كهذا سيكون نفسيا وثقافيا أكثر إستعدادا لتلقي مناسبات الحزن و(الإبداع) في طرق التعبير عنها.
والحال أن طبيعة وشكل الأنشطة الإقتصادية غالبا ما يكون لها دورا رئيسيا في تصنيع ثقافة كهذه, ففي حين يشجع إقتصاد السوق على إطلاق يد الفرح لأغراض التنشيط التصنعي والتسويقي فإن المجتمعات التي تعيش على الدولة لا تخسر شيئا في حالة إذا ما سارت على قدميها لأسابيع وصولا إلى المراقد المقدسة.
إن الموظف أو العامل لدى الدولة الريعية (المجتمع العراقي العامل على سبيل المثال يكاد يكون بأكمله موظفا في خدمة الدولة ويعيش على مرتباتها) لن يخسر مرتبه او جزءا منه إذا ما ترك العمل تحت غطاء الحزن على الإمام الشهيد, وربما سيجد هذه الموظف نفسه وقد كسب فرصة الإبتعاد عن بيئة العمل وتجديد نفسه بعيدا عن روتينها. ولعل الحديث عن هذه الموضوعة سيطول, ولأهميته فلا بد من تخصيص دراسات مستقلة عنه.
وقلت أن المذهب الشيعي ليس وحده من يشجع على ثقافة الحزن لأن المذاهب الإسلامية الأخرى أيضا تكشف ثقافيا وفقهيا عن ميل عميق إلى تحريم الفرحة, وربما يتأسس الأمر هنا في إعتقاد هذه المذاهب على ثقافة دينية تميل إلى تحريم الضحك والرقص والموسيقى والغناء, , وذلك ما يجعل عالمنا مرسوما بالأسود والأبيض ومحرما عليه الدخول في مساحة الألوان التي أفلحت الثقافة المسيحية بكل ترحاب في دخولها.
لننظر من حولنا. كل المجتمع الأمريكي, ومثله بكل تأكيد, المجتمعات الأوروبية, مرورا إلى التجمعات المسيحية اينما وجدت, يظل مشغولا قبل رأس السنة وأعياد الميلاد بالتحضير لأيام الإحتفالات الكبرى, وقد يمتد ذلك لشهرين قبل مواعيد الإحتفالات.
خلال هذين الشهرين يجري تسويق الفرحة بمجموعة من النشاطات الملونة التي تحول المجتمع إلى لوحة مرسومة بالألوان بطلها ساتنا كلوز وعرباته وغزلانه, بينما ترى الناس جميعهم مشغولين بنشاطات ملونة حتى يكونوا جزءا من اللوحة, وقد صارت هناك مباريات وجوائز للفائزين في مباريات تزيين البيوت والأحياء حتى صارت مناطق المدن ملاعب وحدائق ضوئية ملونة.
والأن لنفكر سويا في ما الذي يحدث لو أن أحد مفكريهم ذهب لتسفيه فكرة الإحتفال بعيد رأس السنة. إن صاحب النصف الفارغ من الكأس يعني بكل تأكيد أن سنة من العمر قد خسرناها وبهذا فقد نقص من أعمارنا عاما أخرا, ومعنى ذلك أن كل رأس سنة جديد هو بمثابة إعلان بموت قادم.
ببساطة سوف يتضاءل تدريجيا عالمهم الملون بعد ان تحل محله ثقافة حزن بديلة تدعو إلى البكاء والعويل على السنة التي خسرناها وعلى العمر الذي زاد سنة أخرى وعلى الموت الذي يسرع الخطى نحونا, وهكذا ستتمكن ثقافة الحزن منهم شيئا فشيئا ولن يكون غريبا علينا ان نرى بعد ذلك (حسينية) في رأس كل شارع ومواكب لطم وزنجيل بدلا من الكرة الملونة التي يجتمع من أجل رؤيتها أكثر من مليون راقص ومغن وحبيب وحبية بألوانهم الزاهية وغنائهم الصاخب في إنتظار لحظة منتصف الليل في ساحة الماديسون سكوير في نيويورك أو في ساحة التايم في لندن أو الشانزليزية في باريس