مفهوم العروبة عند إحسان عبدالقدوس

طلعت رضوان
2019 / 1 / 5


إحسان عبدالقدوس – قبل اغتيال السادات بشهور – اقتحم موضوعـًـا كان كثيرون يخشون الاقتراب منه (موضوع العروبة والوحدة العربية) وفى ذاك الوقت كان – ومنذ عهد السادات – قد اختارلنفسه عنوانــًـا ثابتــًا لكتابة المقال السياسى بعنوان (على مقهى فى الشارع السياسى) وعنوان آخر(على مقهى فى الشارع العربى) وكان المقال عبارة عن حوار بين رجل عجوز وواحد من شباب المقهى، وكان هوالمتبع فى كل مقالات المقهى السياسى والعربى. وعن العنوان الأخيركتب فى (مجلة المجلة– بتاريخ 9 فبراير 1981) وفيه قال على لسان الشاب: أنه لا يمكن أنْ يكون هناك شارع نــُـطلق عليه (الشارع العربى) لأنّ الحقيقية بوجود (الشارع السورى) و(الشارع العراقى) و(الشارع الجزائرى) إلخ ولكن ليس هناك شىء اسمه الشارع العربى.
ابتسم الرجل العجوزوقال: هذا هوحال الشارع العربى. وما تريد أنْ تقوله هو أنه شارع مُـزدحم بالدكاكين: هذ دكان مغربى. وذاك دكان كويتى. وذاك دكان عراقى..وذاك دكان سعودى.. إلى آخرتلك الدكاكين. وكل دكان تخصّـص فى نوع معين من البضائع السياسية، وهوما يجعل كل دكان متباعدًا عن بقية الدكاكين.
صرخ الشاب محتجـًـا وقال: لاتحاول أنْ تخدع نفسك وتخدعنى. هذه ليست دكاكين إنها دول، وكل دولة أقامتْ حول نفسها سورًا، أضخم من سورالصين العظيم. وانظرماذا فعل صاحب المقهى، الذى كان يجمع (كل العرب) لقد أقام حاجزًا نجلس خلفه (وأنا وأنت نجلس فى عزلة عن بقية الزبائن) والسوريون يجلسون داخل حاجزآخر. والعراقيون داخل حاجزثالث. كل دولة مختبئة داخل حاجز. ولم يعد من حق العرب أنْ يتبادلوا مجرد الأحاديث داخل (مقهى عربى يجمعهم) وأصبحت المقاهى العربية المتفرقة، والمستترة خلف الحواجز، أقرب إلى مجموعة من السراديب السياسية.. وكل سرداب لايدرى ما يتم فى السرداب الآخر.
ابتسم العجوزفى رثاء وقال: ليس صاحب المقهى هوالذى أقام هذه الحواجز. إنّ العرب أنفسهم هم الذين أقاموا هذه الحواجز. وإذا كانت الأنظمة العربية متباعدة- وأحيانا مُـتحاربة– فإنّ كل واحد من رواد المقهى (أى الجماهيرالشعبية العربية) يـُـفضّـل أنْ يتباعد عن الآخرين، حتى لايـُـعرّض نفسه لإتهام حكومته له بتهمة ((الاتصال بالأعداء)) ثم إنّ رواد المقهى العربى، اكتشفوا أنهم كلما بدأوا فى الحديث، انتهوا إلى المشاجرات السياسية والاختلافات الفكرية، والتى تنتهى– غالبـًـا – إلى صراعات مسلحة. ولذلك أقاموا هذه الحواجزوالسدود.
فسأله الشاب: ولكنك سبق لك أنْ قلت لى أنّ كل العرب كانوا يجتمعون فى هذا المقهى، ويتبادلون الآراء والمخططات. وأنّ كل الثورات العربية انطلقتْ من هذا المقهى، مثل ثورة تونس وثورة الجزائر..إلخ.
قال العجوز: كان هذا عندما كان لدى الشعوب العربية (قضية) وهى التخلص من المحتل البريطانى والمحتل الفرنسى. وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وخروج الولايات المتحدة الأمريكية منتصرة، أزاحتْ الاستعمارالتقليدى القديم، واحتلتْ هى صدارة الاستعمارالجديد. وبعد ذلك جاء دور إسرائيل، التى لم تقتنع بإحتلال فلسطين، وانتهزتْ حرب يونيو1967 فاحتلتْ سيناء المصرية، والجولان السورية، وضمّـت القدس إلى السيادة الإسرائيلية، واحتلال مدينة غزة والضفة الغربية. وكان (من المُـفترض) بمجرد احتلال إسرائيل لهذه الأراضى العربية أنْ ((تتحد (كل) الأنظمة العربية فى موقف واحد (وموحد) عسكريـًـا وسياسيـًـا، لتحريركل شبرمن الأراضى العربية، ولكن الأنظمة العربية اكتفتْ بالصراخ والولولة وإطلاق (صواريخ السباب وصواريخ الشعارات)
000
وأعتقد أنّ هذا المقال الذى كتبه إحسان عبدالقدوس سنة1981فيه تلخيص بديع عن أكذوبة العروبة وشعارت (الوحدة العربية) و(القومية العربية) وأنّ المقهى العربى، الذى أقام الحواجزبين الأنظمة العربية، المقصود به (جامعة الدول العربية) التى ساعدتْ على تفريق العرب، بدلامن تجميعهم. وكان إحسان- كما لوكان يتنبأ بما سيحدث من تمزق وعداوات بين الأنظمة العربية (وبصفة خاصة بعد شهرطوبة/ يناير2011من خصومات، بل وصل الأمرلدرجة احتلال النظام السعودى، ونظام دولة الإمارات (العر بية) لأراضى الشعب اليمنى، وهو المُـخطط الذى بدأ منذ عام2016ولازال المخطط مستمرًا، بالرغم من عودة اليمن إلى عصورما بقبل المجتمعات الإنسانية (أى عصورالكهوف) ولم يتوقف الأمرعند هذا الحد، وإنما سارع النظام السعودى لأقامة أقوى علاقات تطبيع مع إسرائيل، وتبعتها أنظمة عربية أخرى، مثل الإمارات (العربية) إلخ. وكل ذلك فيه التأكيد اليقينى على أنّ شعارات العروبة التى أنتجتْ (الوحدة العربية) وتوأمتها (القومية العربية) كانت ضد شعوب المنطقة.
***