تأسيس لنقاش الحريات الفردية

الرفيق طه
2019 / 1 / 5

الجامعة كانت فضاء الحريات الفردية بامتياز الى حدود اواخر الثمانينات من القرن الماضي.الكل يمارس حريته باستقلال تام.و كانت الجامعة وطنا مستقلا داخل الوطن،حيث ان من يزور الجامعة انذاك يشعر و كأنه خارج المغرب.بل ان الحياة الجامعية و بتميزها تأثرت بها الاحياء السكنية المجاورة للفضاء الجامعي،حيث تعيش الساكنة مع الطلبة الجامعيين في انسجام تام تصان فيه الحقوق الفردية للكل.حتى الساكنة تأثرت بتربية بابناءها و بناتها على نظام الحريات الفردية . و للاشارة فان كليات جامعة القرويين و رغم طبيعة التدريس الكلاسيكي فيها الا انها تعرف كما مهما من احترام الحريات الفردية بين الطلبة خارج فضاء التدريس الذي يفرض عليهم انماط الفصل بين الجنسين و شكل الجلوس و الوقوف و السير.
لكن و مع اعطاء الداخلية اوامرها لجماعات الاسلام السياسي لغزو الجامعات،و بتوفير كل وسائل الانتشار اللوجستية و الاعلامية و تأسيس ارضية التواجد بمنع الفلسفة و مسخها و استبدالها بشعبة الدراسات الاسلامية،و تهييء جيش من التلاميذ و تأهيلهم للالتحاق بالجامعة محتضنين من هذه التنظيمات ،بدأت ثقافة اخرى تخترق الفضاء الجامعي.
اصبح التكفير و الزندقة و الهوية الدينية و مواجهة الالحاد و الكفر و الانضباط للاخلاق الدينية و السنة النبوية و الحجاب و اللحية هي سمات الفضاء الجامعي.
فقد اصبح الامر بالمعروف و النهي عن المنكر وسيلة تستعملها مليشيات تصول و تجول بالفضاء الجامعي و تستعمل كل الوسائل من العنف الى التهديد و الوعيد الى المنع من الدخول للحرم الجامعي الى نشر الاشاعة بين الطلبة لمواجهة الحريات الفردية .
يتم استقبال الطلبة الجدد بدور مجهزة بالافرشة و الاغطية ايام التسجيل ،ثم تنظيمهم في مجموعات يتم انتقاؤها و دمجها في تنظيم اللقاءات و الدروس الليلية و تربيتها على مواجهة الحريات الفردية داخل الفضاء الجامعي تحت ذريعة اسلمة الجامعة و القضاء على على الكفر و الالحاد.و الخطر الكبير هو نشر اشاعات عن نزع حجاب طالبة او تعذيب ملتح فقط لانه ملتح او لانها محجبة.و الاشاعة تنتشر كالنار في الهشيم حيث تطلق في كل الجامعات و في نفس الوقت ،حيث ان وجدة تقول الاشاعة ان العملية كانت بمراكش و بفاس يقال انها باكادير و بمكناس يقال انها بالبيضاء....( انا بمراكش بلغنا ان طالبة بالمعهد الزراعي بالرباط نزع حجابها،بعد ايام قليلة كنت بالرباط و كان احد افراد عائلتي طالبا بكلية الاداب هناك فاستقصيت منه الخبر فأخبرني ان الحادثة لم تكن بالرباط و لكنها بفاس.تجادلنا عن الصواب في الخبر هل الرباط ام فاس.كان معي منشور يؤكد ما ادعيه ،لكنه هو كذلك اتاني بمنشور يؤكد فاس....)
و نظرا لصعوبة التواصل فان هذه الحركات و بوسائلها تستغل البعد بين المواقع الجامعية لعدم توفر الهاتف الثابت الا لدى المحظوظين انذاك و ليست هناك وسيلة اخرى غير المراسلة او انتقال الاشخاص،اضافة الى حل هياكل الاتحاد الوطني لطلبة المغرب المستهدف الاساسي و من خلاله الجامعة و فضائها .
من هنا انطلقت شرارة الشرخ المجتمعي ،بتقسيمه الى ملتزم ( بلحية و حجاب)(سني و سنية) و عموم المواطنين .و انقسم الفضاء الجامعي الى اخ و اخت و رفيق و رفيقة و بينهما عموم الطلبة.
فتم تحييد عموم الطلبة و يعنى بهم من يمارسون حياتهم اما في مجون تام بالمخدرات و الميوعة و تأبيد السائد ...فلم يكونوا الا مجالا للاستقطاب لهنا او هناك و لكن بالنسبة للحركات الاسلاموية لا يشكل هؤلاء لا نقيضا و لا عدوا بل انهم يشجعونهم على المخدرات و عدم الاهتمام بمصلحة و الطالب و الجامعة. لكن النقيض الاساسي عند الاسلامويين هم الذين ينخرطون في الاتحاد الوطني لطلبة المغرب .هؤلاء كانوا يتعرضون لابشع الحروب و على اوسع نطاق و الى اضيق حلقة ممكنة.
اي شخص يتبين انه ينخرط في اوطم و في احد مكوناته الخمسة تتم مواجهته بالاشاعات و الاكاذيب بين اصدقائه و عائلته ،بل و والديه.حتى يتم عزله عن محيطه الاجتماعي و يتم نبذه .كم من مرة اتى اب او ام يبحث عن ابن او ابنة في فضاء الجامعة و هو او هي مرهبة بما سمعت.بل ان بعضا من الطلبة فرضت عليه مقاطعة الدراسة بشكل نهائي.
و اغلب الاشاعات تقول انه ينتمي لاوطم الاتحاد الوتني لكفرة المغرب ،او انه ينشر الالحاد او "ياكل رمضان" او اذا كانت طالبة تمارس الدعارة و تشرب الخمور و تتعرى امام الملأ....
كان هذا سلاح الحركات الاسلاموية في فترة مواجهتها للنقابة الطلابية الاتحاد الوطني لطلبة المغرب ،لتنتقل للدور الثاني من معركتها بطلب المشاركة في المنظمة الطلابية باسم المستقلين الذين لهم نصيبهم من داخل الهياكل التنظيمية.لكن سرعان ما تبين انها تنظيمات تسترت خلف الاستقلالية الفردية لتحاول منع كل الاطراف الاخرى من التواجد بل بمحوها و شيطنتها.
و بعد المحاولة التي نجحت في نسجها لكن بشكل نسبي ،انشأت لها اطارا موازيا اطلقت عليه نفس الاسم الاتحاد الوطني لطلبة المغرب و دون انضباط لاي معيار تنظيمي ولا نضالي و لا اساس تاريخي.بل انها بدأت تؤسس لعقد مؤتمر و بناء هياكل وووو.لان الهدف هو القضاء على الاطار و تبليد الفضاء الجامعي و جعله ارضا جرداء لا يمكن ان تنتج اي فرصة لاستمرار الفكر العقلاني و العلمي في الجامعة التي منها ينطلق لينتشر في المجتمع كله.و كذلك لان الجامعة كانت مشتلا حقيقيا لانتاج المناضلين و الفلاسفة الذين يؤسسون للفكر المومن بالحريات الفردية التي تناقض توجهاتهم الظلامية.
هكذا تم تجريف الجامعة و منها انتشر الفكر الخرافي عبر خريجيهم من الجامعات و بمساعدة وسائل الاعلام المأجورة و الصفراء و مؤسسات الدولة التي تنفست الصعداء بتفتيت الجبهة اليسارية المناضلة ضد النظام و مخططاته منذ عقود.
نعم تمكنت الحركات الاسلاموية من تنفيذ مخططات القضاء على فكرة الحريات الفردية و لم يعد في المجتمع لها مساحة الا لدى من يفرضها فرضا بالنضال ضد القمع المسلط بوسائل القانون و العادات و التقاليد و الاندماج وسط المجتمع.نعم تلقت الجماعات التي ادت الوظيفة هديتها في تأسيس احزاب و جمعيات و مؤسسات تستفيد من الدولة و من نعم النظام بطرق او اخرى ،بل انها وضعت في المناصب العليا للحكم و تقاسمت كعكة قهر الشعب ،و اصبحت ادوارها محورية في المجتمع السياسي المغربي سواء في الموالاة او في المعارضة و لكن دور تشتيت اليسار و مواجهة قيمه تبقى امرا لا تجادل في مواجهته. و اليوم و بعد كل هذا التراكم اصبحت الحريات الفردية جزءا من خطاب هذه الحركات لتستعملها في مواجهة الانتقادات التي تتعرض لها شخصيات معروفة منهم.
لا ...ذلك السبلاح الذي هاجمتم به المجتمع و اخترقتم به نسيجه الاجتماعي لتتربعوا على موائد الاستقلال و البذخ ،هو نفسه السلاح الذي نستعمله لمواجهتكم.نعم ليس هو وحده ،و لكننا لن نترك اي سلاح لمواجهتكم.
الذين يدعون ان على اليسار الا يستعمل سلاح الاسلامويين و الا ينحط لمستواهم ،لان لليسار مبادىء و قيم ،نقول ان كل الاسلحة مشروعة لنا.ليس عيبا ان غنمنا سلاحا من العدو ان نستعمله ضده.
الحريات الفردية جزء من كل.من لا يومن بالعلمانية لا يحق له ان يطلب جزءا منها.و العلمانية هي الجزء الادنى من الدمقراطية.فلا دمقراطية و لا حريات فردية مع اعداء العلمانية.و تلك حدود التناقض بيننا و الاسلامويين .
سي محمد طه 4يناير 2019