سعد والاسكندراني …. ومسيو موريس

فاطمة ناعوت
2019 / 1 / 4

================
السبت الأخير من ديسمبر 2018، كان يومًا استثنائيًّا بكل المقاييس، وختامًا طيبًّا لصالوني الشهري في نهاية عام مضى، ومفتتحًا راقيًا لعام جديد. بدايةً بالحشود الكثيفة التي ضاق بها مسرحُ "نادي الشرق الأدنى للأرمن"، مثلما ضاقت حديقةُ النادي الشاسعة التي تحلّق فيها الناسُ حول شاشة العرض الكبيرة التي تنقل أحداث الصالون بالمسرح، ومرورًا بأغاني عيد الميلاد ورأس السنة وبابا نويل بهداياه وحكاياه، إضافةً إلى حناجر طربية موهوبة للشاب فاروق مرتضى، والصغيرة الجميلة ميريتيا، والعود الشرقي الساحر بين أصابع ميشيل جرجس، وليس انتهاء بضيف شرف الصالون: الفنان الوطني المثقف "عمرو سعد"، الذي صفع الطائفيةَ صفعةً مدوّية في فيلمين رائعين: “مولانا – كارما" وتبرّع بقيمة جائزة "أفضل ممثل" لطفلين يتيمين استشهدتْ والدتُهما في مذبحة "دير الأنبا صموئيل".
أما مفاجأة الصالون فكانت حضور حنجرة مصر الاستثنائية، وأبي الروحي، الفنان: "سمير الاسكندراني"، المتصوّف الطوباوي والوطني الشريف الذي حصد لقبَ: “ثعلبُ المخابرات المصرية"، وهو شابٌّ في مقتبل العمر. بعدما نجح، بالتعاون مع المخابرات المصرية، في تفكيك 6 شبكات تجسّس إسرائيلية؛ كانت تخطّط لاغتيال الزعيم جمال عبد الناصر. وتسبب، بذكائه وإتقانه لغاتٍ خمسًا، في فضيحة عالمية لإسرائيل انتهت باستقالة مدير المخابرات الإسرائيلية "مائير هرطابي".
ولم تتوقفْ مفاجآتُ الصالون عند هذا، بل تُوِّجتْ بمفاجأة حضور أستاذي العزيز، الذي لم يعلّمني وحسب "مادة الرياضيات" في المرحلة الثانوية، حتى نبغتُ فيها ودخلتُ كلية الهندسة، بل علّمني كيف أفكّر وأحلّل، وكيف أحبُّ جميعَ البشر، وكيف أُعطي دون انتظار المقابل. إنه مسيو "موريس إسكندر بشاي"، معلّم الرياضيات في "فرير باب اللوق"، الذي أَدينُ له بأفضال كثيرة، انتهت بدرس في العطاء لا أنساه. حين كنت في الثانوية العامة، سافر أستاذي إلى "غينيا" في بعثة علمية، في منتصف العام الدراسي. وشعرتُ بارتباك شديد وخِفتُ أن يهبط مستواي في الرياضيات فلا أدخلُ كلية الهندسة التي أحلمُ بها. فإذا بي أُفاجأ بعد أسبوع من سفره، بخطاب يصلني مع ساعي البريد عليه طابعُ "غينيا"، يحملُ مسائلَ ومعادلاتٍ في التفاضل والتكامل والهندسة الفراغية، بتوقيع :مسيو موريس"، جوار عبارة: “حِلّي المعادلات وابعتي لي الإجابة، واستعدي لهندسة عين شمس!” هذا الرجلُ النبيل الآن يمرُّ بظرف مرير؛ حيث ابنته الشابة الجميلة "كارولين"، خريجةُ كلية الطب والتعليم الرفيع، ترقد على فراش مرض خطير autoimmune diseases منذ عشر سنوات. وصل بها المرضُ إلى فشل كلويّ وكبديّ ومعويّ ومثانيّ، وتوقُفٍ شبه كامل عن الحركة، وهي بعدُ زهرةٌ مشرقة في بداية تفتحها للحياة. سافر أستاذي ومُعلّمي بكريمته إلى أمريكا وألمانيا وأنفق على علاجها، خلال تلك السنوات، كلَّ ما يملك من مال. ولم يعد لديه ما يستكمل به مشوار علاجها الشاقّ. وأرجو أن يُستأنف علاجُها على نفقة الدولة، لقاءَ ما قدّم هذا المعلمُ النبيلُ لمصر من أجيال من الطلاب والطالبات المتفوقين أصبحوا الآن شموعًا مشرقةً في جميع المجالات في المجتمع المصري، أنا واحدةٌ منهن.
أعطى الفنانُ "عمرو سعد" درسًا عمليًّا في الالتزام بالوعد واحترام جمهوره، حين قطعَ تصويرَ فيلمه الجديد في بيروت، لينزل إلى القاهرة لمدة 24 ساعة لحضور صالوني، ثم العودة فجرًا إلى بيروت. أمّا كلمته لجمهور الصالون فكانت فائقةً في التلقائية والصدق والتحضّر والوفاء. فاكتشفتُ في "عمرو سعد" متحدثًا رفيعَ الطراز، إن بدأ الحديثَ لا تودُّ أن يصمت. حتى أن الحشودَ تكاثفت أمامه لتمنعه من مغادرة الصالون، رغم ارتباطه بموعد طائرة. ناقش فكرة (الحُلم). وكيف أن تحقيق الأحلام قرارٌ واجب النفاذ لو أخلص الإنسانُ وأصرّ على تحقيقه. لا شيء اسمه "حظ"، بل يخضع الأمرُ بكامله للإرادة والجد. وتكلّم عن والدته، كما لم يتكلّم أحدٌ عن أحد. الأم العظيمة البسيطة التي كافحت من أجله، وكيف تعلّم منها دروسًا رفيعةً في الحياة، وهي السيدة البسيطة التي تشبه معظم أمهاتنا المصريات الطيبات.
وكرّم الصالون أيضًا اثنين من أبنائنا "ذوي القدرات الخاصة": نرمين نبيل، ومايكل جون. الأولى نجحت في الحصول على درجة الدكتوراه من لندن، والثاني حصد الميدالية البرونزية في السباحة. وتسّلم الصبيان الجميلان شهادتيْ التقدير من يد الفنان عمرو سعد، فتعلّق الصبيّان برقبته في لحظة عناق وحنوّ فريدة لا أنساها على مدى السنوات. شكرًا لكل من يحبُّ الوطن. “الدينُ لله، والوطنُ لمن يحبُّ الوطن.”


***