فايروس - الطلاق - ينخر في جسد المجتمع

صفاء الصالحي
2019 / 1 / 3

أنت طالق بالثلاث رماها اسعد في لحظة غضب شديدة بلغت مسامع سهاد فكانت نقطة التحول في حياة الاسرة وبداية مرحلة حياة جديدة يغلب عليها الطابع السلبي المثقل بالهموم والاحزان والإحساس بالضياع وفتح الباب امام تحديات كبيرة تعتري حياتهما وحياة طفليهما بعد ان عصف الطلاق بعش الزوجية المبني من عشرة سنين ، كان صديقي اسعد دوماً ما يحدثني عن بيته الأنيق وزوجته الأنيقة وكيف كانت زوجته تغرد في ذلك العش متفانية في العطاء قائمة على الوجه الأكمل برعاية الاسرة ومشاركته متطلبات الحياة ولا يمضي يومها دون تصريحها انها تحبه وتشعره انه افضل الرجال وان الثقة والتفاهم والحب والمودة والامان العاطفي كلها عناوين سعادتهما الزوجية . وبتلك العناوين كانا يقضيان يومهما قبل ان يقرران العروج في الفضاء العنكبوتي ( الإنترنيت ) وادخال هذه التقنية الساحرة الى المنزل ، ومنذ ذلك اليوم بات الزوجان يستهلكان أوقاتا طويلة في التصفح والتجول في مواقع التواصل الاجتماعي والمنتديات داخل الشبكة العنكبوتية فكان نتاجاً طبيعيا ان ينصرف الزوجان عن مسؤولياتهم العائلية بعد التعلق المفرط بالوافد الجديد . ولم يعد اسعد يسمع كلمات الحب والمودة والاشتياق التي اعتاد سماعها ولم تعد سهاد تستشعر اشتياقه وحاجته اليها ولم يعد الاطفال ينالون من العناية نصيباً مفروضا فينفق الزوجان ساعات طويلة في متابعة حساباتهم وردود الاصدقاء وتفاعلهم مع منشوراتهم . لقد نجح العدو الخفي للسعادة الزوجية ( الصمت ) في اختراق وتغلغل عِش الزوجية ففي كل مساء يطبق الصمت ويسود السكون ليصبح عِش الزوجية كئيباً صامتا صمت القبور تجمدت فيه العواطف فلا يقيم احدهم وزناً لمشاعر الآخر حتى وقع الطلاق العاطفي وأصبح لكل منهما عالمه الخاص يتفاعل معه فأتبعه الطلاق النفسي مع ازدياد درجة العصبية في التعامل مع أتفه الأمور وكثرة الخلافات ولم تجد ما يذيبها من عناوين (الحب والمودة ،والثقة والتفاهم ، والامان العاطفي ) حتى أنهى صديقي اسعد حياته الزوجية بأبغض الحلال ( الطلاق ) .
ان ظاهرة الصمت الزوجي بسبب الولوج في مواقع التواصل الاجتماعي من اخطر الظواهر التي تفشت في الأسرة وتعتبر مسمار في نعش الحياة الزوجية . و " الصمت الزوجي " هو احد أوجه الجمود في العلاقة الزوجية وهو عدم تبادل الأحاديث والمشاعر الودية مع الطرف الاخر لقناعته بعدم جدوى الحوار معه وهذا يؤدي الى زيادة الهوة بين الزوجين مما يهدد العلاقة الزوجية بالتمزق والانفصال كما ورد في كتاب ( دليل العائلة النفسي ) للدكتورة أمل المخزومي المختصة في علم النفس .
ولم تكن حالة طلاق اسعد وسهاد الا واحدة من الآلاف من حالات الطلاق بسبب الانترنيت وشبكات التواصل الاجتماعي فقد تتراءى في ذاكرتي وذاكرة القارئ حالات طلاق عديدة حزينة وقاسية منها ( الخيانة الزوجية ،و المعارك الضارية من الغيرة والشك ، وقضايا أسرية تقفز خارج أسوار المنزل ، ونشر صور ولحظات لا يمكن مشاركتها حتى مع الأقرباء ...... الخ).
ان ظاهرة الطلاق بسبب الإفراط في استخدام شبكات التواصل الاجتماعي تشكل ظاهرة عالمية ففي دراسة حديثة نُشرت في مجلة Computers in Human Behavior اشتركت فيها جامعة بوسطن الأمريكية مع إحدى جامعات تشيلي، وجدت ان علاقة أكيدة بين الإفراط في استخدام شبكات التواصل الاجتماعي يوميا، وارتفاع معدلات الطلاق داخل الولايات المتحدة الأمريكية ، وذكرت صحيفة (الإندبندنت) البريطانية أن رسائل "واتس آب" تسببت في 40% من حالات الطلاق في إيطاليا، وفقا لتقديرات جمعية محاميي الزواج الإيطاليين . وعربياً تتسابق الدول العربية في تسجيل المعدلات القياسية في حالات الطلاق ففي التقرير السنوي لعام 2015 الصادر عن وزارة العدل الكويتية كشف عن 7201 حالة طلاق موثقة رسمياً، وبيّنت دراسات رسمية في الكويت أن 33% من حالات الطلاق بين الأزواج تعود لأسباب متعلقة بشبكات التواصل الاجتماعي الحديثة . وفي دولة الإمارات أشارت إحصائيات صادرة عن المحاكم إلى ارتفاع في ظاهرة الطلاق نتيجة خلافات تتعلق باستخدام مواقع التواصل الاجتماعي ، وطبقا لتقديرات قسم التوجيه الأسري الحكومي كان الإدمان على استخدام تلك المواقع سبباً في 50% من حالات الطلاق على الأقل . وفي العراق بلغت 5926 حالة طلاق في شهر اب من العام المنصرم بحسب السلطات الاتحادية القضائية ولم يختلف الباحثون على ان لشبكات التواصل الاجتماعية الدور المؤثر والمهم لارتفاع هذه الحالات . ان هذا الارتفاع الرهيب في معدلات الطلاق يشكل هاجساً مقلقاً ومزعجاً يلقي بظلاله على المجتمع وينذر بمشكلات اجتماعية خطيرة وخلل مخيف بالبنية الاجتماعية يتطلب إنتي فايروس يكافح هذه الظاهرة عن طريق تضافر جهود المجتمع بأفراده ومؤسساته لمعالجة هذه الظاهرة والبحث عن حلول عاجلة ترمم تصدع العلاقة الزوجية وتحفظ نسل بني آدم الذي لم يعد يلههم التكاثر فزيارة مواقع التواصل الاجتماعي بات شغلهم الشاغل . فعلى وزارة التربية اعادة النظر في إلغاء مادة التربية الاسرية والنظر اليها بمقدار لا يقل أهمية من الدروس العلمية كالفيزياء والرياضيات وإعدادها بمنهجية جديدة تتضمن آداب وفنون الحياة وفن الاتكيت وفن التعامل مع الاخر ( فن إدارة الاسرة) ، وإيجابيات وسلبيات مواقع التواصل الاجتماعي .وان تكثف المؤسسات الدينية والمدنية الندوات التوعوية والتثقيفية التي تعني بصحة الأسرة النفسية والاجتماعية يحضرها باحثون واكاديميين مختصين وذو كفاءة عالية في مجال علم النفس والاجتماع تشرح مخاطر الظاهرة وتقدم العلاجات اللازمة للحد منها . وان تبذل المؤسسة القانونية قصارى جهدها في تنشيط مكاتب البحث الاجتماعي وتعزيزها بباحثين لديهم الإلمام الكافي بعلوم الاجتماع والأسرة ولديهم من الخبرة والممارسة تمكنانهم من اداء دور افضل في إصلاح ذات البين وان لايكون عملهم مجرد حلقة الوصل بين الاسرة والقاضي ، ودعمهم بحوافز مادية ومعنوية مقابل الأداء المتميز في حل وانهاء النزاعات الزوجية لتوقظ الحماسة والدافعية والرغبة في تعقب الحلول . ويتوجب على الاعلام ان يولي الظاهرة اهتماماً بالغاً ومكثفاً في إنتاج وإعداد برامج توعية من مخاطر الطلاق وتأثيراته السلبية على المجتمع وبرامج تثقيفية من شأنها تنمية المهارات الزوجية للجنسين في التفاعل والتواصل وحل المشكلات وتأهيلهم لإنشاء أسرة آمنة مستقرة . ولابد لرب الاسرة الاستخدام الرشيد لشبكات التواصل الاجتماعي وان لا تكون يده مبسوطة كل البسط للعلاقات الافتراضية ومغلولة الى عنقه في العلاقات الواقعية الحية لاسيما الاسرية . ان ظاهرة الطلاق بسبب مواقع التواصل الاجتماعي تسترعي الانتباه وتستلفت النظر ويجب على الحكومات الأخذ بنظر الاعتبار بمجمل الحلول الناجعة التي تبرئ من هذا السرطان الاجتماعي وان لا تكتفي بتعداد خسائر العوالم الافتراضية الى ما لانهاية لها في حياتنا الواقعية