سيناءُ البهيةُ ... التي عادت عروسًا

فاطمة ناعوت
2019 / 1 / 1


لو شاهدَ أجدادُنا المصريون القَدامى أرضَ سيناءَ اليومَ، لغيّروا الاسمَ الذي أطلقوه عليها قبل آلاف السنين، ولأطلقوا اليومَ عليها اسم “مفتاحُ مصرَ الذهبيّ”. على جدارياتنا الفرعونية الجميلة، سجّلَ الجدُّ الخالدُ بالهيروغليفية اسمَ "توشريت"، للدلالة على "شبه جزيرة سيناء". و "توشريت" تعني "أرضُ الجدبِ والعراء". وذلك لكثرة جبالها وأرضها الوعرة غير المفروشة بالأخضر والماء والثمر والحياة. ولكنها اليومَ تتحوّل إلى أرض من الرغَد والسِّحر والخضرة والسُّكنى والصناعة والنماء، بفضل سواعد المصريين الباسلة وجهاز المشروعات بقواتنا المسلحة، والقرار السياديّ الحكيم، والإرادة الوطنية وحُسن الإدارة والتخطيط المنظّم الذكيّ. منذ شهور طوال بدأ تنظيم البنية التحتية في سيناء وإنشاء مآخذ مائية من البحر ومحطات رفع عملاقة ومحطات تحلية من أجل توفير الموارد المائية اللازمة لاستصلاح آلاف الأفدنة والزراعة، وهنا الخطُّ الأول لمكافحة الإرهاب، إضافةً إلى حفر أنفاق ربط تحت قناة السويس للسيارات، وتشييد قرى توطين السكّان والخدمات الحيوية وإقامة صناعات تعتمد على الإنتاجية الزراعية كمصانع السكر والزيتون وغير ذلك من نتاج تلك الأرض الطيبة الغنيّة بآيات من الجمال الطبيعي الآخّاذ من جبال وشواطئ وثروات وكنوز تختبئ في قاع بحارها وتحت ثراها، إضافة إلى أكبر مصنع للرخام في الشرق الأوسط ينتجُ أفخرَ أنواع الرخام في العالم، ذاك المدفون في جوف جبال سيناء.
لهذا كان قرار الرئيسُ عبد الفتاح السيسي حكيمًا بأن تكون تنميةُ سيناء وإعمارُها زراعيًّا وصناعيًّا وخدميًّا وسياحيًّا، أولى الأولويات في خطّته التنموية الشاملة لمصر، بعد تطهير سيناء من دنس الإرهاب، وهذا بالضبط ما كان. ولا ننسى الكلمة الخالدة التي قالها شيخُ قبائل الخرافيين بسيناء، الحاج عيسى: "رجالُ القوات المسلحة في سيناء يصنعون مجدًا للعالم بأسره، لأن مصرَ تحارب الإرهاب وحيدةً بالنيابة عن العالم.”
وأتذّكر الآن مقالا حزينًا كتبتُه منذ ثلاثة أعوام في جريدة "24 إمارات" حول ذكرى تحرير سيناء. عنوان المقال: "غدًا تتحرر سيناء" بتاريخ 26 أبريل 2015، في فورة إثخان قلبِ سيناءَ بنصال الدواعش، وكان يحملُ من الرجاء والأمل، قدرَ ما يحملُ من الأسى والحَزَن. والمقال كان بمثابة بانوراما تاريخية ونضالية عن سيناء، أقدّمها إلى قرّائي في الإمارات والخليج. قلتُ في صدره: "منذ ثلاثة وثلاثين عامًَا نجحت مصرُ في استرداد بقية أرضها التي قدّسها الأنبياءُ والرُّسل، من قبضة صهيون الآثمة بعدما سرقها منّا ذات غدر. وما بين لحظة سقوطها في 5 يونيو 1967، ولحظة استردادها يوم 25 أبريل 1982، أنهارٌ من الدم المصريّ في حرب استنزاف ومعارك تحرير... وانتصار مصريّ عربي، وملحمة عبور مشهودة، وهدم لأسطورة خط بارليف المنيع، وانهيار للكيان الصهيوني، ومحاولات أمريكية شرسة لإنقاذ إسرائيل... وتدخُّل من مجلس الأمن الدولي لإنهاء المعارك ... ومباحثاتٌ عسكرية سياسية دولية… ثم مرحلة المفاوضات وتحرير جزئي … ثم معاهدة سلام، لم تُرضِنا كشعوب، انتهت بانسحاب إسرائيل الكامل من خط العريش ورأس محمد وما يكافئ ثلثي مساحة سيناء، إلى أن تمَّ تحرير سيناء الكامل، ثم رُفع علمُ مصر العزيز فوق سيناء الحبيبة.” وبعد ذلك العرض البانورامي النضالي الموجز، أكملتُ المقال برجائي أن تتحرّر سيناء من يد الإرهاب الأسود، مثلما تحررت من يد صهيون الآثمة. وختمتُ مقالي الحزين بشيء من الرجاء قائلة: “أمس، 25 أبريل 2015، احتفلنا نحن المصريين بعيد تحرير سيناء واسترداد آخر شبر فيها من قبضة صهيون ورفع علم مصر الشريف فوق ثراها، لكنَّ عيدَنا الحقَّ قادمٌ لا شكَّ فيه، يوم نستردها من قبضة الإرهاب الإخواني التكفيري الآثم. وطوبى لجيش مصر العظيم حين يأتي لنا بذلك اليوم، يوم تحرير سيناء الكامل.”
ولم أكن أتصوّر أن ذلك اليومَ جدُّ قريب من يوم كتابة مقالي القانط الآمِل في آن. ذاك أننا تجاوزنا حُلم التخلُّص من الإرهابيين في سيناء، إلى حلمٍ أبعد وأرقى، وهو إعمار سيناء وتنميتها وربطها بسائر الجسد المصري وتعميرها بالمصانع التي تفتح بيوت المهندسين والعمال، وهو ما يكسرُ شوكةَ التكفيريين ويُثير جنونَهم، لأنهم لن يجدوا "البطالة" التي هي وقودهم لاستقطاب العاطلين وتجنيدهم في عمليات الإرهاب والضلال.
في الغد القريب سنُعلن سيناءَ الطاهرةَ، أجملَ مناطق مصر وأثراها وأغلاها، وأكثرها سحرًا. انظروا بعين الرجاء إلى الغد، فالغدُ المشرقُ قريبٌ قريب.
“والوطنُ لمن يُحبُّ الوطن.”

***