أين اليسار عن حشود المهاجرين إلى أوروبا ؟

ملهم الملائكة
2018 / 12 / 30

كي لا أبدو مُبعِداً أو مفعماً بالتشاؤم، أقول بوضوح إنّ التواصل اليساري عبر العالم ضعيف لا يغطي هموم الناس، وأغلب اليساريين يجهلون منصات التواصل الاجتماعي وغائبون عنها، فيما يبقى اليساريون المخضرمون حبيسي منصاتهم التقليدية.

تبدو صحيفة الحوار المتمدن كأنّها آخر قلاع اليسار في العالم العربي، وهي منصته التقليدية الأكبر وهذا يعرفه المرء من حجم القراءة والنشر عبر صفحاتها. فهي متقدمة في أكبر مكائن البحث (غوغل) بفارق شاسع عن المواقع الأخرى.
ولعل هذا لا يكمن فقط في أنّها منبر يساري، بل هي منبر للجميع، والغريب أنّه يوجد ضمن كتّاب الحوار المتمدن شخصيات دينية سنية، وأخرى شيعية، ويهودية ومسيحية معروفة عبر العالم، وشخصيات ناصرية، وأقلام ذات ميول قومية كردية أو قومية عربية أو أقلام من المكونات الصغرى في العالم العربي، وكلها اتخذت من المنبر اليساري قاعدة تنطلق منها بلا رقابة.
في المقابل يلفت النظر أنّ صفحة مثل "إيلاف" تستقطب اقلاماً يسارية وأخرى من اتجاهات تخالف توجهات ناشر إيلاف، وكل هذا من حسنات المواقع الرقمية الإلكترونية.
لكنّ إعلام اليسار عموماً، واليسار العراقي خصوصاً، لازال متخلفاً عن التواصل الاجتماعي ومنصاته. كتّابُ اليسار العراقيون نراهم في موقع مثل جيل الطيبين، أبناء الناصرية، رابطة مبدعي مدينة الثورة، قاسميون، أبناء اللوة، وغيرها، لكنهم لا يحضرون على صفحة فيسبوك الحوار المتمدن. وأعتقد أنّ جزءاً كبيراً من أسباب عزوف كتاب اليسار عن صفحة فيسبوك للحوار المتمدن هو قلة أو غياب الكادر الذي يشغلها، فهو كما يبدو نفس كادر صفحة الحوار دون مراعاة أنّ العمل على منصات التواصل الاجتماعي هو غير العمل في المواقع الإلكترونية.
فيسبوك عالم آخر بقياسات أخرى. وعلى سبيل المثال لا الحصر، فإنّ صفحة فيسبوك الحوار المتمدن تخلو بوستاتها من أي صورة، وهذا خطأ فاضح. جمهور فيسبوك يوزع اهتمامه بين صورة البوست وبين مضمونه، وهنا لابد من التذكير أنّ كادر صفحة الحوار المتمدن يعمل دون أجر، أي انّه عمل تطوعي، وسيكون من غير الإنصاف مطالبتهم بما يحملهم أعباء أخرى، والبديل سيكون بالتوجه إلى كادر من جيل ما زال تحت سن العشرين سيغير المعادلات بلا هوادة، باعتبار انّ العمل على منصات التواصل يشكل جزءاً من هواياته اليومية، ويبدو كثيرُ من أبناء هذا الجيل في أوروبا على استعداد لبذله دون أجر.
إدارة صفحة فيسبوك لموقع مثل الحوار المتمدن تتطلب مشاركة في الغروبات، وتبادل منصات مع مواقع هامة، وتوزيع الجهد على الصور والفيديوهات والمقالات. رواد فيسبوك يقرأون عنوان ومقدمة وصورة غالباً، وهكذا يجب العناية بهذه الثلاثية بشكل كبير. ادارة فيسبوك للحوار المتمدن مثلاً تحتاج كادراً من جيل الألفية الثالثة، فهم من يعرفون التعامل مع منابرها ومنصاتها.
وفي مجال الخطاب الإعلامي، فإنّ منصات التواصل الاجتماعي بحجم انتشارها البليوني الخارق، باتت منابراً للفقراء، ومنابراً لتعدد الهويات، ومنابرا للمكونات الصغرى عبر العالم. وهذا يعني أنّ قاعدة اليسار وجمهوره المحتمل في عصر غياب الشيوعية، حاضرٌ غالباً على منصات التواصل الاجتماعي وليس على منابر اونلاين التي باتت تقليدية.
كانت صفحة الحوار حين انطلاقها رائدة في العالم الرقمي، أما اليوم فمن الناحية التقنية تراجعت الصفحة وباتت مقصورة على مئات ألاف اليساريين المخضرمين ممن عايشوا التجارب الشيوعية عبر العالم.
لو أراد اليساريون والمحتشدون مع اليسار والواقفون تحت راياته المتعددة الملونة المتباينة أن يوسعوا قاعدتهم، ويصلوا بكلمتهم إلى ملايين الفقراء والكادحين ومتعددي الهويات وجزئيات المكونات الصغرى عبر العالم فعليهم أن يستفيدوا من منابر التواصل الاجتماعي، وفي العالم العربي بات فيسبوك وتويتر وانستغرام محطات مليونية الحضور، وبالتالي فإنّ نفوذ اليسار إلى هذه المنصات، سيغنيه عن مشكلة حشد وتعبئة الجماهير في مقرات منظمات وأندية مهنية باتت نادرة.
الإسلاميون عبر العالم اثبتوا مهارتهم في العمل على منصات التواصل الاجتماعي، وما يعرف ب"الربيع العربي" الذي يفسره كثيرون بنظريات مختلفة، قام في الأصل عبر منصات التواصل الاجتماعي، إضافة إلى أنّ أحزاب الاسلام السياسي تملك المساجد كمنابر حزبية واسعة الانتشار تحميها قوانين الدول العربية والإسلامية، وهو أمر تفتقده قوى اليسار .
منصات التواصل الاجتماعي الكبرى الخاضعة لوسائل إعلام تقليدية تمثل ما يعرف ب"مين ستريم ميديا"، تُحرّك الجماهير عبر بوستات بسيطة، وعلى قوى اليسار الحقيقية الراغبة في حشد قاعدة شعبية كبرى أن تخرج من صوامعها الشيوعية إلى منصات تواصل الفقراء الحرة، وتبدأ من هناك.
في أوروبا والخليج يدير كادر إعلامي مدرب منصات التواصل الإسلامية الكبرى، والعاملون عليها رغم "زبيبة" الصلاة التي تسم جباههم، خبراء ماهرون في صياغة خطاب اعلامي إسلامي يستقطب الجماهير العربية التائهة، ونجحوا إلى حدٍ منقط النظير في حشدهم وتعبئتهم لحركات إسلامية تنخر أوروبا وتكاد تقضي على حضارتها، والسؤال الكبير هنا أين اليسار العربي الناشط بقوة في أوروبا من حشود المهاجرين واللاجئين؟ لماذا لم يتحرك لتعبئتهم لصالح وعي علماني يساري يمكن أن ينقذ أوروبا، وهي اليوم رمز للتحضر ولم تعد تكويناً رأسمالياً يسحق الشغيلة كما كانت؟
الجواب في شقين، لكنه بسيط جداً:
*اليسار غائب عن الشباب لأنّ قادته من المخضرمين فحسب.
*اليسار غائب عن مخاطبة الشباب لأنه لا يملك منصات تواصل اجتماعي تحشد الشباب المهاجر بعيداً عن باحات المساجد والتكايا التي غزت أوروبا.
قد يعترض البعض على قراءتي هذه، لكنّي ومن خلال عملي الصحفي والاعلامي المستمر، مطّلع تماماً على قوة الإعلام الإسلامي المسجدي وعبر منصات التواصل الاجتماعي في أوساط المهاجرين، وأكاد أجزم من مراقبتي لحجم المرور على مواقع التواصل الاجتماعي، أن الاسلاميين حشدوا 90 بالمائة من المهاجرين الجدد لفكرهم، وهذا ينبغي أن يقرع ناقوس خطر بين أوساط العلمانيين والليبراليين واليساريين عموماً.
إنّ احتشاد الشباب في منابر المساجد، يؤذن بنهاية مرحلة الوعي العلماني، وبانتقالٍ خطير بوعي الغرب إلى كهوف القرون الوسطى، وسيعقبها إلغاء حتمي لكل منجزات الشيوعية والرأسمالية معاً، بالانتقال إلى ظاهرة يمكن أن نتنبأ بوصفها: "الأسلمة الرقمية" في عصر يسميه المنبريون والمسجديون عصر "الصحوة الإسلامية".