الحب في زمن الكوليرا

هيثم بن محمد شطورو
2018 / 12 / 28

يقولون في الثـقافة الشعبية عندنا، أن لكل امرئ قرين من الجن. و مما هو مؤكد أن كل فرد مزدوج له شخصية هي ذات دلالة القـناع على الوجه في الأصل اليوناني للكلمة يخـفي به الفرد أناه. إن الأنا المتخـفي العائـش كظل أو كوهم يصاحب الإنسان ربما هو ما تعبر عنه الثـقافة الشعبية بالجن..
و أغلبنا يعيش بقرين آخر خلافا لأناه. القرين متعدد و من بينه هو الحب الخالد الأبدي. هو وجه امرأة معينة تـتـقاطع فيه سبل الرؤية الجمالية العميقة التي تأخذ بشغاف القـلب مع الأبدية، و كأنـنا هنا أمام النظرة الأفلاطونية القائلة بعالم المثل القابع في عالم الحقيقة الماوراء عالمنا المادي أو الطبيعي الذي هو مجرد ضلال منعكسة للمثل تلك،عالم الحقيقة الأبدي الذي إنبثـق منه الوجود و عالم الظلال الزائل..
إنها "الربة المتوجة" بتعبـير الروائي العالمي "غابرييل غارسيا ماركيز" على لسان بطله في رواية "الحب في زمن الكوليرا" "فلورنتينو اريزا".
"الربة المتوجة" هي ذاك الحب الكبير الثـقيل على النفس. ذاك الحب الروحي العميق الذي كأنه هابط من علياء السماء على القلب يجعله يرفرف لواعجا و نارا، كما انه يسحبه من الواقع و الغريزة و الملموسية و اللعب الحر و الوجود العادي المقدور عليه. انه ذاك الذي يتاخمك بالمستحيل تـقريـبا. المستحيل في حضرة روح ربانية لا تُحتمل في أغلب الأحيان.
أغلب الناس يهربون و يمضون في رحلة دفنه في أعماق النفس و إن كان وجه "الربة المتوجة" يخايله بين حين و آخر. بعضهم دنيوي في الأقصى فكأنه يموت روحيا و يدفن ذاك الوجه في مجاهيل النفس العميقة، و آخرون دنيويتهم تـقـل بدرجات فـتـلفح قـلوبهم النار المقـدسة أحيانا و بصورة فجائية، و صنف ثالث يحتـفظ بالذكرى كمجرد ذكرى و لكنه يعيش حياته الواقعية مع امرأة أخرى حسب النظام الاجتماعي و يغرق في العمل و الحياة الروتينية بكل بلاهة وجودية، و لكن المرأة المعاشة في الواقع لها حضورها الطاغي برائحة بشرتها و دبـيـبها في مجمل حياته و هي حب دنيوي..
و هناك قـلة قـليلة من يتـزوج بالربة المتوجة مثل أب بطل الرواية الحالية، ليؤسس الكاتب المنطق الداخلي المؤسس للبطل القديس..
" لقد احتـفظ فلورنتينو بدفـتر مزين برسوم مدماة، كان أبوه يكتب فيه قصائده في الحب، و كانت تلك القصائد ملهمتها ترانسيتوا اريزا ( أم البطل). لقد فوجئ بأمرين: أحدهما هو خط أبـيه المطابق لخطه تماما، رغم أنه اختار هذا الأسلوب من أحد مناهج تعليم الخط لأنه أعجبه أكثر من سواه، و الأمر الآخر، عثوره على عبارة كان يعتـقـد أنها عبارته دونها أبوه قبل ولادتـه بكثير: " إنني أتألم ليس من الموت و إنما أن لا أموت حبا"..
فكأن الاختيار هنا مجرد وهم إرادة حرة فهو اختار في النهاية خطه العميق في النفس الذي هو نفسه خط أبيه، و كذلك فإن ما يعيشه البطل أو كل إنسان هو امتداد للسلف أو طريقة أخرى لعيش نـفس العقيدة و إن كان بشكل آخر و ظرف آخر و بعمق أكثر أو أخف ربما، إضافة إلى كون المستور وراء هذا القول هو الـقـدر العام الذي يعيش ضمنه الفرد و إن كان متصورا في كونه إرادته الحرة مع أن الإرادة الحرة في نفس الوقت هي الباعث للفعل كإيمان ذاتي بحريته و كحرية تظهر كبعث متجدد و دائم شبيه باندفاع موج البحر. كأنها هي ابتداء جديد متجدد و عائد أبدي أنهى به روايته قائلا:
" سأل:
ـ و إلى متى تظن بأننا سنستطيع الاستمرار في هذا الذهاب و الإياب الملعون؟
كان الجواب جاهزا لدى فلورنتينو اريزا منذ ثلاث و خمسين سنة و ستة شهور و احد عشر يوما بلياليها. فقال:
ـ مدى الحياة."
"مدى الحياة" هو ذاك الحب المسجل في اللوح المحفور في قـلب كل إنسان و الذي يصله بالأبدية. و لكن من يقـف في مستوى الأبدية؟ من يصر على الوقوف عندها و لا يتحرك على الأرض بما تجذبه به الأرض؟ انه من يتملك الروح القدس بمثل ما وصف "ماركيز " بطله. لكن كيف يتأتى للإنسان أن يرتـقي إلى ذاك الحزن ذو السعادة الدفينة و من يدركها؟ انه بمثل ما وصفه بـ " المطالعة رذيلة لا يرتوي منها". الكلمات و اللغة هي خلافا لما تـتمخض منها المعرفة فإنها تغذي الروح و تصعد بها إلى الملأ الأعلى. و دعنا من وصف "ماركيز" المسهب و هو يتجول بك في تفاصيل المسألة بين الشوارع للمدينة الكولمبية في القرن التاسع عشر و هو يتحدث عن المكاتب الشعبية، بمثل ما يتحدث عن حديقة شجرة اللوز التي كان يجلس فيها صحبة كتاب و هو ينـتـظر مرور حبـيـبته " فرمينا دازا" ذات الجمال الرهيب و الأنفة و الكبرياء. هذه الأوصاف لشخصية المرأة كأنها هي وحدها من يبعث القديسين في الأرض..
" لم يتوقف فلورنتينو اريزا عن التـفكير بفيرمينا دازا للحظة واحدة، بعد أن رفضته على اثر غراميات طويلة حزينة، و منذ ذلك الحين، انـقـضت إحدى و خمسون سنة و تسعة شهور و أربعة أيام. لم يكن ليجري حساب النسيان واضعا خطا صغيرا يوميا على جدران زنزانة، لأنه لم يكن يمر يوم إلا و يحدث شيء يذكره بها. في فترة القطيعة كان له من العمر اثـنـتان و عشرون سنة و كان يعيش وحيدا مع أمه..."
القديس بمثل ما قالت ابنة خال حبـيـبته حين إلتـقـته في البريد و هو موظف. كان قبـيحا في شكله و لا يثير أي جاذبـية بل العكس تماما فان منظره يثير النـفور، و لكنه دون أن يعرفها إهتم بها و قـدم لها الخدمات إضافة إلى تـفانيه في إعادة كتابة الرسالة التي كانت بصدد إرسالها بأسلوبه الأدبي الجميل عدة مرات حتى انتهى في المحاولة الثالثة إلى كتابة رسالة رائعة و عميقة. انجذبت إليه. انجذبت إلى تـفانيه و الحب المشع من كل حركاته و نظراته. مضت دون أن تعلمه بقرابتها من ربته المتوجة..
و لكن وصف ماركيز للبطل بشبه القديس لا ينسجم مع الرؤية المسيحية للقداسة التي تعني الرهبنة أو قـتـل الجسد و رغباته. وصف ماركيز للقديس ينسجم تماما مع الرؤية الإسلامية التي تـزاوج بين الروح و الجسد. بين الروح و الطبيعة. فالنبي محمد مزواج و عاشق للنساء و هو القائل أن أحب الأشياء إلى قلبه هو الطيب و النساء. كما أن الأمر واضح بالقول أن لا رهبنة في الإسلام، أما المسيحية فعـيسى ابن مريم نـفس زكية و كلمة الله و لم يلمس أنثى و القديس هو الراهب الذي يقهر جسده و لا يمارس الجنس.
إلا أن "فلورنتينو" كان حبه هو محور حياته حتى في هذه المسألة، و ليس هو مجرد غرائزي منقاد برغباته. انه الغريزة المروحنة..
" علم أن فرمينا دازا ذهبت لقضاء شهر العسل في أوربا، فهيأ له قلبه المنكسر بأنها ستبقى هناك.. و أخـذت رائحة فيرمينا دازا تصبح شيئا فشيئا أقـل حضورا و أقـل زخما..
حين لجأت، في إحدى ليالي الحرب، أرملة نازاريت إلى بيتهم مرعوبة، إذ دُمر بيتها بقـذيـفة مدفع أثـناء حصار الجنرال المتمرد ريكاردو غايتان اوبيسو، و كانت ترانزيتو اريزا ( الأم) قد إلـتـقطت الفرصة بسرعة، فبعثت الأرملة لتـنام في غرفة الإبن تحت ذريعة انه لا يوجد مكان في غرفة نومها، لكنها، حقيقة، كانت تأمل بأن يشفيه حب آخر من الحب الذي منعه من العيش..
كان لها من العمر ثمان و عشرين سنة، و أنجبت ثلاث مرات، لكن مازال عريها يحتـفظ بإغراء عازبة، و لم يكن ليستطيع فلورنتينو اريزا أن يفهم أبدا كيف أمكن لملابس التوبة أن تواري اندفاع تلك المهرة الجامحة التي عرته و هي مختـنـقـة بحماها، و هو ما لم تستطع عمله مع زوجها حتى لا يظن بها الظنون.."
فالحب الجنسي من شأنه أن يخفـف من وطأة الحب الروحي الثـقيل، و الجـنس هنا يـبتعد عن كونه رذيلة أخلاقية مثل ما هو شائع و إنما مثل ما فكرت فيه أم البطل كعلاج نفسي لأجل إخراج ابنها من حب الموت، أو الروح، أو المتصل بعالم ما بعد الموت وفق النظرة الأفلاطونية التي ترى بأن النفس كانت واحدة ثم انـقسمت حين نزولها إلى الأرض في جسدين لذكر و أنـثى، حيث يبحث كل منهما عن الآخر، و لكن إذا إلتـقيا في الدنيا فلأجل الإرتـفاع بالروح فـقط دون الاتصال الجسدي و ذلك للتذكير بأصلهما الروحي الماورائي، و القدر أن يفصل بينهما حتى يتوحدان في عالم الحقيقة ما بعد الموت..
و شاء "ماركيز" أن لا يبتعد عن خارطة الجسد في التعبير عن ذلك بقوله: " حب الروح من الخصر فما فوق و حب الجسد من الخصر فما تحت"، و ربما بحكم التـفكير وفق الثـنائية الأرسطية هو الذي قاد إلى هذا التعبير الذي لا يخلو من سخرية، و الذي يفنده هو بدوره في مختلف وصفه لعلاقات "فلورنتينو" النسائية.. و الحقيقة انه لا يمكن الارتياح للتـقسيمات الثـنائية التجريدية الخطية المتعسفة على الديالكتيك الحي و التمازج و الحركة المستمرة وفق خلائط متعددة بين الطبيعة و الروح..
تلك الطبيعة التي فرضت نفسها على الحب الروحي حسب الوصف الماركيزي، كما أن قوته الروحية طوعت الطبيعة..
"الربة المتوجة" التي انـتـظرها لنصف قرن دون أن يتـزوج برغم انه أصبح ثريا بفعل شركة سفن النهر التي أصبح مالكا لها. الثراء الذي حقـقه بإرادته و لكن ليس لأنه يحب المال، فمحور جميع قراراته و إرادته و حياته هو الحب. حب "الربة المتوجة".
" في اليوم الذي رأى فيه فلورنتينو اريزا و عند مدخل الكاتدرائية، فيرمينا دازا و هي حبلى بشهرها السادس و متمكنة تماما من شق اتجاهها الجديد كامرأة دنيا، اتخذ القرار الصارم بان يحـصل على لقب و ثروة ليكون جديرا بها."
ما أن علم بوفاة زوجها الطبيب الثري حتى انـتـفض و ذهب إليها معربا عن إتيان لحظة اللقاء بينهما بعد نصف قرن، فبعثت له رسالة غاضبة تعرب عن كبريائها، و لكنها بعثت له برسالة. " إنها الرسالة التي انـتـظرها، دون لحظة راحة واحدة، خلال أكثر من نصف قرن".
و هكذا ابتدأ التحـدي الأكبر لمغامرة كبرى على مشارف الموت يتـقدم في معركتها بكل ما فيه لأن وقائعها هي آخر ما يمكنه فعله في هذه الحياة. و بدا كأن الحياة برمتها دائرة سرمدية مغلقـة. دائرة روحية مفعمة بالحزن و الألم و الحب الثـقيل الروحي الكبـير الذي تخفـف على مشارف الموت و هما عجوزين. في تلك المرحلة من العمر حيث تخـفت الطبيعة و تـثـقـل بتـثاقـل الجسد لتـتحرر الروح أكثر..
" ضغط فلورنتينو اريزا على يدها، و مال نحوها، محاولا تـقبـيل وجنـتيها. لكنها أعرضت عنه قائلة بصوت أبح رقيق:
ـ لا، ما عاد هذا ممكنا.. إن لي رائحة عجوز."