كماشة التطرف تطبق على المجتمع المغربي.

سعيد الكحل
2018 / 12 / 26

نشر عدد من أصحاب المخابز على واجهة محلاتهم إعلانات يخبرون فيها المواطنين بقرار امتناعهم عن توفير الحلوى للاحتفال برأس السنة الميلادية . وهذا الموقف له أبعاد خطيرة على الدولة والمجتمع والمواطنين . فهو لا يدخل في حرية التعبير أو حرية المبادرة حتى يمكن التساهل معه أو التغاضي عنه ، بل هو تحريض خطير على الكراهية .ويمكن التنبيه إلى الأبعاد الخطيرة التالية على سبيل التذكير:
1ــ البعد الأول يعكس مدى تغلغل عقائد التحريم والتكفير واختراقها لبنيات المجتمع الدينية والثقافية وذهنيات المواطنين . وهذا نتيجة مباشرة لإستراتيجية أسلمة المجتمع التي تعتمدها التنظيمات الإسلامية منذ نشأتها . نعلم جميعا أن هذه التنظيمات على اختلاف أطيافها ، تعتبر المجتمع "جاهليا" منحرفا عن الدين وخارجا عن تعاليمه وتشريعاته . من هنا ركزت وتركز على تغيير أفكار المواطنين وتصوراتهم ومفهومهم للدين وللآخر وللدولة وللاحتفال بالمناسبات ، خاصة العالمية .ومن مظاهر هذا الاختراق تحريم الاحتفال برأس السنة الميلادية . لكن أن ينتقل التحريم إلى الامتناع عن صناعة حلوى رأس السنة وتقديمها للمواطنين ، فهذا تطور خطير على مستوى السلوك وخرق القوانين . إذ لم يعد التحريم قناعة شخصية تلزم صاحبها ، بل صار اعتداء على القانون وعلى حقوق وحريات الآخرين وحرمانهم من الخدمات التي تسمح لهم بالحصول على عناصر الاحتفال وشروطه .
أكيد أن التنظيمات الإسلامية تتغلغل وسط الحرفيين والتجار أساسا لما توفره هذه الفئات من عناصر تكوين قوة سياسية ضاربة (خزان انتخابي مهم ، جيش احتياطي تستعرض به قوتها في المظاهرات والمسيرات ..) ومصدر مالي مهم ( التجار يوفرون موارد مالية قارة لدعم وتمويل التنظيمات الإسلامية ) ؛ وقد يتحول التجار ، في مرحلة ما إلى أداة اقتصادية لابتزاز الدولة سياسيا عبر شن سلسلة من الإضرابات خدمة لأجندات سياسية محدد .
2 ــ البعد الثاني يمس خطره هيبة الدولة وسلطة القانون . ذلك أن الامتناع عن تقديم الحلوى للمواطنين بدافع عقدي هو إخلال بالتزامات صاحب المخبزة وبمسئوليته تجاه المواطنين والدولة معا . فالرخصة التي سلمتها له السلطات المحلية لم تسلمها له على أساس عقدي بل طبقا للقانون الجاري به العمل وهو قانون مدني لا يسمح بخرقه . وإذا تسامحت الدولة مع هذه الخروقات القائم على أساس عقدي فإنها تشجع أطرافا أخرى على اعتماد نفس النهج . هكذا سنجد مثلا أصحاب مقاهي يعلنون للعموم أنهم لا يقدمون خدمات للنساء غير المحجبات مثلا ، كما سنجد صيدليات تمتنع عن بيع أنواع من الأدوية المصنوعة من حيوانات محرمة . وستتسع الموجة لتشمل وسائل النقل العمومي بحيث يمتنع سائق التاكسي من تقديم الخدمة لفئة من المواطنات ، وكذلك الشأن بالنسبة لأصحاب المهن والأنشطة المختلفة الأخرى إلى أن تستفحل في المجتمع ظاهرة التمييز في الزبناء والمواطنين على أساس إيديولوجي .
إن الدولة مسئولة عن تطبيق القانون وفرض الالتزام به . ومن أخل بالقانون تتم معاقبته ، وليس أقلها في حالة أصحاب المخابز إياها ، سحب الرخصة .
إننا في مجتمع متشبع بثقافة التسامح عبر تاريخه . ويشهد تجاور المساجد والكنائس في المدن عن قيم التعايش والتسامح بين المغاربة من مختلف الديانات وبينهم وبين الأجانب . وكل تساهل مع هذه الانحرافات القائمة على الكراهية والتطرف سيفتح أبواب الفتن الطائفية والمذهبية على المجتمع المغربي مما سيؤدي إلى تفتيت وحدته وتمزيق نسيجه ، وتلك هي غاية التنظيمات الإسلامية .
3 ــ البعد الثالث لهذا الخطر يتمثل في تحريم مظاهر الاحتفال وإدخال الفرحة إلى البيوت وتأثيرها على نفسية الأفراد ،خاصة الأطفال ، الذين سيتربون في جو أسري يغشوه النكد والكراهية وتهجره الفرحة ومشاعر الابتهاج . فالمواطن الذي يربي أبناءه على الكراهية سيزرع فيهم ميولات العنف سرعان ما تتحول إلى سلوكات عدوانية ضد المجتمع والدولة ، وأقصاها الانخراط في الأنشطة الإرهابية . فكلما اتسعت دائرة التحريم ( تحريم الفنون ، الاحتفالات ، الترفيه ..) كلما أطبق الانغلاق والتعصب على الأفراد والأسر .
لا شك أن إعلان عدد من أصحاب المخابز امتناعهم عن توفير حلوى رأس السنة ليس أمرا عاديا وبسيطا يمكن التغاضي عنه ، بل هو الشجرة التي تخفي مخاطر التطرف التي تنخر المجتمع . فهو مقدمة لمخاطر شتى إن لم تتصد لها الدولة في مهدها ستكون لها تبعات تهدد وجود الدولة نفسها . ولتستحضر الدولة أن المخطط يبدأ من الامتناع عن بيع حلوى رأس السنة إلى تهديد من سيبيعها . وكم سيكفي الدولة من رجال الأمن لتوفير الحراسة للمخابز والحماية لأصحابها . فالذي تسهل عليه التضحية بالأرباح المهمة التي يجنيها من صنع وبيع حلويات رأس السنة يسهل عليه التضحية بأمور أخرى . فحتى القرآن الكريم جعل التضحية/الجهاد بالمال سابق عن الجهاد/التضحية بالنفس . وأصحاب المخابز هؤلاء يعتبرون أنفسهم "مجاهدين" .