وطن من هو العراق ؟!

جعفر المظفر
2018 / 12 / 25


في بداية السبعينات تقدر لي ان أكون طالب دراسات عليا في جامعة ولاية نيويورك في مدينة بَفَلو مرسلا من قبل كلية طب الأسنان في جامعة بغداد حيث كنت أعمل معيدا فيها. وقتها لم يكن يسكن في هذه المدينة الثلجية التي تضم شلالات نياغرا على الحدود مع كندا سوى سبع عائلات عراقية بينما كانت هناك جالية عراقية كبيرة نسبيا يتمركز معظمها في ولايتي مشيغن وكاليفورنيا وجلّهم من المسيحيين الذين تعود أصولهم في الغالب إلى مدينة (تلكيف) التابعة لمحافظة نينوى في الشمال العراقي.
وسأذكر هنا أن بعض المسلمين العراقيين كانوا يتعجبون من مدى المحبة التي تجمع التلكيفيين المسيحين مع وطنهم العراق. هذا التعجب لا شك كان قائما على سوء فهم العلاقة بين هذا (المسيحي) وبين وطنه الأول أو السابق قبل أن يتحول إلى مواطن (أمريكي). ولعدة مرات كنت أستمع أو حتى أتبادل الحديث مع مسلم عراقي مثلي حول حقيقة كأننا نكتشفها لأول مرة وهو عمق الصلة بين هذا المسيحي الأمريكي وبين العراق بلده السابق.
وفي ايامنا الحالية بتنا نتبادل بعض الأفلام القصيرة التي ترينا كيف يحتفل اليهود العراقيون في العمق من إسرائيل بذاكرتهم العراقية فيعيشونها غناء وطربا ودبكات, فنُعجب ونتعجب ! ثم نجعل ذلك المشهد مثارا لحديثنا وكأننا نكتشف شيئا غريبا أو حتى كأننا ننظر إلى أولئك المحتفلين كمخلوقات فضائية. وفي حالات عديدة سوف يخبرك البعض ان المشهد هو جزء من مسرحية يلعبها أولئك اليهود للضحك علينا أو لهدف صناعة المزيد من الدوخة والتدويخ وكأن الذي فينا لا يكفينا. ويوم يقدر لك أن تحضر حفل زواج مسيحي في ميشغن أو سان ديغو فسوف ترى أن الرقصة عراقية والأغنية عراقية وفي النهاية سوف تكون الدبكة العراقية خاتمة لحفل كل ما فيه ينبئك بعراقيته الأصيلة غير المتصنعة.
الحقيقة, إن هذا المسلم وذاك وأنا فيما بينهما, لم نكن نقترب إلى عراقيتنا من خلال عراقيتنا, وإنما من خلال هويتنا الدينية الإسلامية متصورين في العمق من وعينا الكامن أن العراق هو بلد المسلمين, وإن المسيحيين واليهود من قبلهم لم يكونوا في أحسن الأحول غير ضيوف علينا, وهم قد يكونا ضيوفا أعزاء لكنهم في نهاية المطاف كانوا ضيوفا تعتمد حقوقهم على ما نعطيه لهم أو ما نتكرم به عليهم أو نجود, ولذلك فإنناحينما بتنا نرى مسيحيا كلدانيا يتمسك بحبه للعراق نتعجب ويقول أحدنا للآخر, ترى ما السر في هذا الإعتزاز الكبير والصادق الذي يظهره هذا الكلداني العراقي المسيحي الأمريكي للعراق, ونحن لا ندرك أن السؤال الذي يرهقه الشعوربالتعجب قد صيغ بطريقة خاطئة لأنه يعتمد على تصور خاطئ يعبر عن الشعور بان هذا المسيحي كان ضيفا على العراق في حين انه كان عراقيا بالأصل وربما (قبل) المسلم ذاته.
لكن مفردة (قبل المسلم) تعبر بدورها أيضا عن ثقافة وطنية مرتبكة, لأن كلمة ال (قبل) هذه عادة ما تسبق الجملة التي تقول, إن المسلم قد جاء فيما بعد لكي يستولي على البلد من أهله الأصليين والذين هم المسيحييون على الأغلب ويسبقهم كما هو معروف الصابئة واليهود.
وسيوصلنا حوار من هذا النوع إلى الدخول في المساحة التي تؤكد على أن هناك نقصأ حادأ أو مواجهة أو ثقافة مشوشة ذات بنية خاطئة بشأن التمييز ما بين الهويتين, الوطنية من ناحية والدينية من ناحية أخرى, وسيكون لازما علينا حينها حسم هذا المشهد الثقافي المرتبك والمشوش.
في العراق أغلبية المسيحيين ظلوا يشعرون بأنهم كانوا ضيوفا على المسلمين وظل المسلم متفضلا عليهم بمواطنيتهم العراقية, أي أنهم كانوا مواطنيين عراقيين بمقدار ما يرضى المسلم عن عراقيتهم. وإذ ليس في نيتي الحديث عن هذه الإشكالية بمنطق جلد الذات, اي بتحميل جانب, وهنا المسلم عينه, كل جذور المشكلة وتبعاتها وتداعياتها وتمشهدها الحالي, لذلك فإن المسألة التي أنا بصدد الحديث عنها لا تستهدف بناء القضية جنائيا وإنما بناءها ثقافيا وفكريا, ولذلك أيضا فإن الحوار بشأنها والجدال حولها لا ينطلق مِن ولا يستهدف تحديد من يتحمل الخطأ لعرض معاقبته وإنما لغرض إعادة بنائه.
في الجدل الجنائي يكون الهدف الأساسي وربما النهائي هو العثور على الجاني لمعاقبته أما في الجدل الفكري والثقافي فالعقوبة الوحيدة التي يجب ان تكون في أذهاننا هي إعادة بناء المذنب والضحية من جديد حتى لا يظلا كما هما أو حتى لا يتبادلا الأدوار, لأن المذنب والضحية هنا كلاهما يمثلان مجتمعا يساهمان معا ببنائه من جديد أو تهديمه بالمقابل. إن المهمة لم تكن سهلة على الإطلاق ولهذا فإن الفشل الذي نعيشه هو مرتبط في البداية بمدى فهمنا وإستيعابنا للمهمة الحقيقية التي كان يجب علينا التصدي لها.
اليوم أسمع حديثا لمسيحين يقول أن العراق كان مسيحيا قبل ان يطأ أرضه بدو الصحراء المسلمين, وربما يجيبه مسلم على الطرف النقيض: لكنه بالحتم كان وثنيا قبل ان يطأه المسيحيون, وربما ينبههم يهودي عراقي بات يعيش في القلب من تل أبيب أن يهودية العراق تسبق مسيحيته وإسلاميته.
في الواقع أن كل ذلك صحيح, وكل ذلك خطأ في الوقت نفسه, فالعراق كان أكديا واشوريا وسومريا قبل أن يصبح يهوديا ومسيحيا ومسلما, وكان وثنيا قبل ان يتدين أهله. إن العراق كان عراقيا قبل أن يصبح من هذا الدين أو ذاك.
وإن هذا ما يجب أن ينص عليه دستوره .. الدين لله والوطن للجميع