مناهضون للامبرالية الثقافية يطالبون الأمم المتحدة بحت الحكومة المغربية على تحرير الاعلام من هيمنة لغة الاستعمار

نبيل بكاني
2018 / 12 / 25

معالي وزير الثقافة والاتصال المحترم

لقد أكدتم معلي الوزير المحترم، في المادة 32 من دفتر تحملات صورياد القناة الثانية، على تخصيص 20 بالمئة من البرامج باللغات الأجنبية. وباستعمالكم لصيغة الجمع في الحديث عن اللغات الأجنبية ولم تستعملوا تعبير "اللغة الأجنبية" بصيغة المفرد وهو التعبير الذي يفهم منه ويشار به إلى اللغة الفرنسية الأجنبية التي ظلت منذ بداية الاستقلال المهيمن اللغوي الوحيد على المجال اللغوي الأجنبي في الإعلام الحكومي المغربي.
لقد استعمل هذا التعبير بصيغة الجمع في دفاتر تحملات سابقة في إطار ما يطلق عليه الانفتاح الإعلامي على العالم، وهو تعبير حمل الكثير من التضليل بل والمغالطات الخطيرة التي توجه للمغاربة، بما تشكله من خرق للدستور الذي أكد على الانفتاح في إطار اللغات الأكثر تداولا في العالم، ولم يحدد لغة بعينها وإنما فتح المجال الأكثر تداولا في العالم. فاستعمال تعبير بصيغة الجمع لتمرير لغة بعينها لم تعد لها أي قيمة فعلية، هو استعمال مخالف للمطالب المتزايدة بشأن الانفتاح على الانكليزية باعتبارها لغة العصر والتواصل والانفتاح الحقيقي والشامل على العالم، كما ضمنه الدستور كحق للمغاربة، وليس مجرد انفتاح جزئي على المجال الفرنكفوني الضيق.
من الناحية الدستورية والقضائية، فان مشروعية اللغة الفرنسية مسألة مفروغ منها وقد حسم القضاء المغربي هذا الجدل عندما وصفها بأنها "لغة غير قانونية في الإدارة" وبالتالي فان تمويل هذه اللغة غير القانونية من المالية العامة يضع الوزارة الوصية أمام إمكانية المساءلة القضائية، بما أن الأمر يتعلق بتخصيص اعتمادات مالية عامة لتمويل برامج بلغة غير قانونية لا تستند إلى أي مشروعية وطنية.
إن من أبرز مظاهر دولة الحق و القانون الاحتكام إلى الدستور والقانون والمؤسسات، وأنه إذا أصدرت مؤسسة القضاء الحكم، تعين الامتثال لمضمونه من قبل الأفراد والمؤسسات. فلا وجود لهيئة أو فرد يعلو القانون وكل ملزم بالخضوع لأحكام القضاء.
معالي الوزير، إنكم تعلمون علم اليقين، أن دولة القانون تقاس بمدى تنفيذ و احترام القرارات القضائية، وبمدى التزامها باحترام التشريعات الوطنية والإنصات إلى رغبة القسم الأوسع من المواطنين ومطالب الهيئات الممثلة للمجتمع المدني؛ وعليه، فإننا ندعوكم إلى عدم التسرع في تكرار نفس التجربة التي أثبتت فشلها على امتداد سنوات متتالية، في ما يخص الدعم غير المفهوم وغير المبرر للغة الفرنسية الأجنبية التي تشهد انحدارا دوليا أوصلها حسب العديد من الدراسات المتطابقة أو المتقاربة، إلى الرتبة التاسعة بين اللغات الأكثر حضورا على المستوى الدولي.
إن تصريحكم باعتماد نسبة 20 بالمئة من البرامج على القناة الثانية بالفرنسية، يأتي عقب إفادة سابقة أقررتم فيها وجود أزمة مالية خانقة تهدد القناة، وهو ما يفتح الباب لطرح السؤال حول جدوى برامج لا تحظى بأي معدل مشاهدة مشرف بسبب اعتمادها لغة أجنبية لم يعد حضورها يتعدى سوى الشكل داخل المجتمع المغربي؟ كما يجعلنا نطرح سؤالا الخلفيات الفعلية لمواصلة إنهاك مالية الإنتاج في القناة بتمويل برامج لا تجذب لا مشُاهدين ولا معلنين؟ كما يجعلكم مجبرين بحكم مسؤوليتكم على إجابتنا كممثلين ضمن النسيج المدني بشأن: لمن تبث هذه البرامج بلغة أجنبية؟ ومن يُشاهدها؟ ونرجوا أن يتم الجواب بنتائج دراسة تبين الأرقام المضبوطة لعدد مشاهدي هذه البرامج؟ وما إن كانت نسبة المتابعين تستحق بالفعل حرمان القسم الأكبر من المغاربة في حقهم الدستوري من الاستفادة من محتوى ومضمون ممول من مالهم العام؟ وذلك بسبب موانع لغوية، في وقت كشفتم فيه الوضع المالي المتردي للقناة.
ندعوكم السيد الوزير المحترم إلى الاطلاع على تجربة الجزائر وتونس في هذا الصدد، حيث أنه ورغم تفوق هذين البلدين من حيث عدد وسائل الإعلام الحكومي، غير أن المهتم لا يكاد يجد برنامجا واحدا على أي قناة أو وسيلة إعلام حكومية باللغة الأجنبية في هذين البلدين، وبالتالي هل قدرنا نحن المغاربة أن تفرض علينا لغة أجنبية غير قانونية في مشهدنا الإعلامي العام؟ وهل ثمة معايير علمية أو مهنية تعتمد في تحديد جزء من مساحة البث للغة لم تكن يوما وسيلة تواصل فعلي بين المغاربة؟ وإذا كانت غير ذلك، فالمرجو مدنا بدراسات مهنية تثبت ذلك. أما اذا كان المبرر هو ذاته المبرر الذي سيق لعقود كون اللغة الفرنسية موجهة للجالية المغربية في فرنسا، فان هذا الطرح بات من الماضي، بعدما توسعت جغرافيا تواجد الجالية على مستوى أوروبا وباقي العالم، وبالتالي لم يعد مغاربة العالم ناطقين بالفرنسية فقط، وإنما صارت لغة مغاربة العالم بعد العربية طبعا هي الانكليزية لاعتبارات يعرفها الجميع .
انه بإقرار السيد رئيس الحكومة في مراسلته السابقة بعدم قانونية الفرنسية وذلك بإشارته إلى الأحكام الصادرة ضد هذه اللغة الأجنبية، نجد أنفسنا مندهشين أمام حالة التنافي التي يخلقها تخصيص اعتمادات مالية عمومية لدعم لغة غير وطنية حسم القضاء في شأن عدم قانونيتها، كما أنها لا تستمد أي مشروعية بحكم الفصل الخامس من الدستور الذي حدد اللغات الرسمية، وكذلك وفقا لمراسلة رئيس الحكومة التي حث فيها الوزراء والمسؤولين على استعمال اللغات المذكورة في الدستور دون سواها.
إن استمرار استخدام مصطلح "اللغات الأجنبية" لتمرير لغة أجنبية واحدة بعينها دون سواها من اللغات الأجنبية الأكثر تداولا في العالم، نعتبره في هذا المركز، تعبيرا تضليليا، ما لم يتم تقاسم نسبة 20 بالمئة سالفة الذكر بين اللغات الأجنبية الأكثر تداولا، وعلى رأسها الانكليزية باعتبارها لغة العصر واللغة الوحيدة القادرة على جعلنا منفتحين على كامل العالم وليس فقط المجال الفرنكفوني الضيق، تليها اللغة الاسبانية لاعتبارات جغرافية وتاريخية ولتواجد نسبة هامة من المواطنين المغاربة على أرض مغربية تديرها السلطات الاسبانية (سبتة ومليلية).
إننا ندعوكم معالي الوزير إلى التراجع عن استعمال صيغة الجمع في وصف ال20 بالمئة سالفة الذكر ما عدا إذا كانت هنالك نية اعتماد لغات أجنبية أخرى من اللغات الأكثر انفتاحا على العالم، كما ندعوكم وفي إطار الحق في الاطلاع على المعطيات ومن منطلق مبدأ الشفافية، إلى كشف الأرقام الحقيقية لنسب المشاهدة الخاصة بالبرامج باللغة الفرنسية في القناة الثانية، وذلك من أجل تقييم حجم المنفعة التي تقدمها هذه اللغة الأجنبية أو حجم الضرر الذي تخلفه بما تتسبب فيه من حرمان المواطنين المغاربة من حقهم في متابعة ما يُعرض على وسائل الإعلام هي في الأصل مملوكة لجميع المغاربة، ولا يحق لفئة صغيرة أن تحتكرها لصالحها على حساب الأكثرية، خاصة أنها برامج ممولة إن بطريقة مباشرة عبر الموازنة العمومية أو بشكل غير مباشر من خلال ما يدفعه المغاربة اقتطاعات في فواتير الكهرباء والماء أو من خلال ما تتحصله القناة من عائدات الإعلانات التجارية التي مصدرها الرئيسي هو جيوب المغاربة.
إن الدستور المغربي أكد على العدالة الاجتماعية، ومن هذا المنطلق التشريعي والحقوقي، نجدد رفضنا للسياسة الطبقية التي تعتمدها القناة الثانية في التعامل مع اللغتين العربية الوطنية والفرنسية الأجنبية وغير القانونية، وذلك باعتمادها تمييزا طبقيا على أساس اللغة، ما يتنافى مع الميثاق الدولي لحقوق الإنسان ومع التشريعات الوطنية في هذا الخصوص، حيث تقوم القناة متعمدة، على تقسيم طبقي وفئوي لاستعمال اللغتين، إذ في الوقت الذي تخصص فيه البرامج ذات الطبيعة الشعبية والبرامج ذات المستوى المتردي بالإضافة إلى البرامج المعنية بالرياضات الشعبية باللغة العربية، تستفرد اللغة الفرنسية بالبرامج الاقتصادية والثقافية العالية المستوى إضافة إلى الرياضات النخبوية كالتنس ورالي السيارات وبرامج التحقيقات الكبرى (...) ما يؤدي إلى بناء تمييز طبقي يتشكل من خلال تمييز لغوي مفتعل يتبنى نضرة بأثر رجعي متجاوز، لا يأخذ بعين الاعتبار التحولات الاجتماعية العميقة التي طرأت على مجتمعنا، فما كان قبل أربعين عاما نخبويا صار اليوم من ضمن اهتمامات نسبة عالية من المواطنين.
إننا نرفض هذا التنميط للغتنا العربية، وهذا التعامل المهين، ليس للغة فحسب، وإنما للمواطن المغربي ككل، وهذا الإصرار على الربط بين كل ما هو راق ونخبوي، باللغة الأجنبية، وتشكيل صورة مزيفة وكارثية على كل ما يرتبط باللغة العربية، علما أن العكس هو الصواب.
وحيث أن اللغة الفرنسية لا تستند إلى أي مشروعية دستورية؛ وحيث أن القضاء الإداري قضى وحسم بذلك الصراع اللغوي بأن انتصر إلى قضية اللغة الوطنية واعتبر الفرنسية لغة غير قانونية؛ وحيث أن رئيس الحكومة أقر صراحة بمعرفته واطلاعه على مضمون الأحكام، فإنكم معالي الوزير المحترم مُلزمون قانونيا وقضائيا وإداريا بعدم التأشير على أي دفاتر تحملات تُشرعن لدعم برامج، لتُمول من المال العام المملوك لجميع المغاربة، هي برامج وفق الأحكام القضائية غير قانونية مادامت تعتمد لغة غير قانونية، خاصة أن 20 بالمئة المخصصة لهذه اللغة في الجدولة الإعلامية للقناة، تظل نسبة جد عالية، بل إنها جد مبالغ فيها، وهو وضع يثير الدهشة، وذلك بالنظر إلى العدد جد المحدود، بل غير المذكور للمواطنين المغاربة اللذين فعليا وواقعيا لا يستطيعون فهم اللغة العربية أو لهجاتها.
إن المتابع يلاحظ غياب أي نسبة معقولة من المتابعة لبرامج تمول من المال العام، وعليه، وحيث أننا في بلد يعتمد المؤسسات التي لا تخضع إلا للقانون والنصوص الدستورية وأحكام القضاء ومراسلات الجهات العليا المعنية، فإننا نساءلكم معالي الوزير، عن الكيفية القانونية التي تبررون من خلالها تخصيص دعم مالي هائل من المال العام لدعم لغة أجنبية غير قانونية محسومة المشروعية قضائيا، ولم يعد لها أي حضور فعلي على المستوى الوطني، إذا ما استثنينا حيين في الدار البيضاء وحي واحد بالرباط، باستثناء الحضور الشكلي والسطحي المفروض على الحياة العامة في الغالب في خرق واضح لدستور البلاد.
وإننا نعلن صراحة أنه في حال تقرر اعتماد نسبة 20 بالمئة للغة الأجنبية الفرنسية دون أن يكون هنالك اعتماد فعلي اللغتين الأجنبيتين، الانكليزية والاسبانية، تلبية للمطالب المتزايدة للاهتمام باللغات الأجنبية التي بمقدورها تمكين من انفتاح فعلي وحقيقي على كافة شعوب العالم، وذلك بالشكل الذي يحد من تكريس المزيد من هيمنة لغة بعينها بما يتنافى مع الفصل (5) من الدستور الذي فرض "تعلم وإتقان اللغات الأجنبية الأكثر تداولا في العالم ؛ باعتبارها وسائل للتواصل، والانخراط والتفاعل مع مجتمع المعرفة، والانفتاح على مختلف الثقافات، وعلى حضارة العصر" . وكذا خطاب جلالة الملك بمناسبة عيد المسيرة الخضراء الذي أعاد التأكيد على نفس المشمون الدستوري السالف ذكره داخل المزدوجتين.
فإننا في حال تم اعتماد الـ20 بالمئة للغة أجنبية واحدة بعينها بما في ذلك من إجبار للمغاربة على تمويل لغة أجنبية وحرمان الغالبية العظمى من حقها في الوصول إلى محتوى تلفزيوني في مؤسسة إعلامية في ملكه، إضافة إلى تهميش لغات أجنبية أخرى ذات أهمية أكبر، فإننا في هذه الحالة سنلجأ إلى رفع دعوى لدى القضاء الإداري للطعن في هذه الدفاتر من أجل إبطال تنفيذها. كما يعتزم هذا المركز إطلاق حملة لدعوة جميع الهيئات والنخب الوطنية والأحزاب والكتل النيابية لمساءلة وزارتكم بهذا الشأن من خلال أسئلة كتابية أو شفهية، إضافة إلى باقي هيئات المُجتمع المدني المعنية بالمال العام وبقضايا اللغة.
ونود أن نلفت انتباهكم في هذا الصدد أننا في هذا المركز وبمناسبة اليوم العالمي للغة العربية، نشتغل على كتابة تقرير سنوجهه إلى مجلس حقوق الإنسان الدولي والى الأمين العالم للأمم المتحدة بشأن قضية اللغة العربية باعتبارها حق انساني ووطني ودستوري وشعبي منتهك على مختلف الأصعدة ، تدعو فيه الأمين العام للمنظمة الأممية على حث الحكومة على إخراج قانون تمكين اللغة العربية الموضوع لدى مكتب مجلس النواب، وأيضا من أجل جعل اللغة الفرنسية ضمن قضايا تصفية الاستعمار العالقة، وما يتعرض له المغاربة من إقصاء وتهميش بسبب هذه اللغة التي لم تتغير طبيعة وجودها خلال الاستقلال وبقيت تتخذ نفس الشكل الذي كانت عليه إبان الفترة التي كان المغرب والشعب المغربي خاضعين فيها للاستعمار، ومن ميز على أساس لغوي في وسائل الإعلام العامة والخاصة المرئية والمسموعة، ووسائل التواصل الرقمية والعديد من المواقع الحكومية.
إننا نرفض مبدأ تكريس هيمنة لغة بلد آخر على مشهدنا الإعلامي بشكل يتنافى مع الدستور ومع المواثيق الدولية المتعلقة بالحقوق الثقافية واللغوية والتي تمنع أيضا أي تمييز على أساس العرق أو اللغة... وعليه، فإننا نطالب بإقرار دفاتر تحملات عادلة تحترم الدستور وتكون منصفة ولا تشرعن للغة قال القضاء كلمة الحسم فيها، وأن تتلاءم مع الحركية التي يشهدها المغرب منذ مطلع 2011 في مجال حقوق الإنسان والوعي الجماعي بالحقوق الثقافية واللغوية. دفاتر تحملات تسد أي ثغرة للميز الطبقي على أساس اللغة، وهو ما نجده حاضرا ومكرسا في القناة الثانية، حيث أنها تنهج سياسة تمييزية طبقية في تحديد هوية برامجها، تكرس نظرة طبقية ونخبوية مغلوطة ومستفزة تجاه اللغة العربية ومستعمليها.
احترام الانتاجات الدرامية للهوية اللغوية المغربية، وفرض الترجمة العربية (لغة أو لهجة) إذا تعلق الأمر بنص درامي يحتوي جملا أجنبية، وليس العكس، حيث عودتنا القناة الثانية على مفهوم غريب لمغزى الترجمة، يتمثل في حرصها على ترجمة كل جملة عربية في انتاجاتها الدرامية إلى اللغة الفرنسية الأجنبية، فيما تتساهل مع مرور جمل أجنبية دون أن تلزم نفسها بترجمتها إلى اللغة الوطنية.
نُسخة مرسلة إلى:
رئيسة الهيئة العليا للسمعي المرئي
رئيس مؤسسة الوسيط

نبيل بكاني
المدير التنفيذي