السريان، من القامشلي إلى السويد

منير المجيد
2018 / 12 / 24

كان المطر الصيفي الدافئ يرسم فقاعاته الكبيرة على الطريق الإسفلتي الأسمر، بينما لاح في الأفق القريب فم الباخرة الهائلة كوحش خرافي، وهي تستقبل طلائع الحافلات التي انتظرت اللحظة.
كنت على وشك البدء في رحلة من ميناء «غرينو» الدانماركي إلى ميناء «ڤارباري» السويدي، أمسحُ فيها البلاد جنوباً وحتى سوديرتاليا شمالاً، بحثاً عن قصص هجرة أعداد غفيرة من سريان القامشلي إلى السويد.
ولم نكد نبحر حتى توقف المطر الصيفي وأشرقت شمس الظهيرة الحادّة الفضيّة منعكسة على الأجزاء المعدنية من الباخرة، فسارع معظم المسافرين، إلى الأسطح العديدة ذات المستويات المختلفة، للتمتّع بحمّام شمسي، بينما فضّلتُ مكاناً ظليلاً.
كنت قد اختزنت ما يكفي من شمس القامشلي لتُبقي عظامي دافئة لسنوات عديدة في برد ورطوبة اسكندينافيا.
بعد أربعة ساعات لاحت ظلال اليابسة وهدّأت الباخرة من سرعتها المحسوبة بالعُقَد. لملم المسافرون أشيائهم ونزلو إلى الطوابق المُرقمّة بالأحرف.
أكثر من ثلاثمائة حافلة هدرت بغنغنة المُحرّكات وهي تطبع صوتاً على مفصل الجسر الحديدي الذي ربط الباخرة بالطريق.
وقف رجلا بوليس يُشيران للسيارات بالمرور، وكنت الوحيد الذي أشارا له بالوقوف.
«جواز السفر من فضلك»، قال لي أحدهم بالسويدية، بينما تابع الآخر آذناً للسيارات بالمرور. «هل هو لون شعري؟». سألته بهزء فلم يردّ علي. وحينما أعاد جواز سفري، قال شكراً وأشار علي أن أتابع.

السويد أكبر دولة أوروبية مساحةً (٤٥٠ ألف كيلومتراً مربعاً)، وعدد سكانها ثمانية ملايين ونصف. نصف مساحتها مُغطّاة بالغابات (صنوبرية ونفطية بمعظمها). المناخ متفاوت بسبب طولها الأفقي، بين شبه معتدل ومُثلج شتاءً ولطيف ماطر صيفاً في الثلث الجنوبي، حيث تتركّز الكثافة السكانية ومعظم المدن، وبارد وقطبي في الثلثين الشماليين. أقصى الشمال يرتاده المصورون الفوتوغرافيون، الفنانون والشعراء طمعاً بالوحي والإلهام.
استطاع السويديون، إسوة بأشقائهم الدانماركيين والنرويجيين، التي تتقارب أيضاً لغاتهم، تأسيس ديمقراطيات شعبية يُضرب بها المثل في كل أنحاء العالم. وتميّزت إثر دخولها السوق العالمية كقوّة صناعية علاوة على حيادها السياسي، مما جعل من رئيس وزارئها المُغتال واحداً من ألمع الشخصيات الديبلوماسية في العالم، تماماً كما كان الكونت برنادوت إبّان الحرب العالمية الثانية.
حينها استقبلت لاجئين من دول البلطيق، من الدانمارك والنرويج واليونان وظلّت بعيدة عن عبث قوّات ألمانيا الهتلرية.
وعلى طريقة «رُبّ ضارّة نافعة» انتعشت الصناعة في البلاد بعد الحرب، مستفيدة من أوروبا التي كانت منهمكة بلعق جراح الحرب البليغة، مما دفع بالسلطات إلى إرسال وفود إلى إيطاليا وهنغاريا واليونان لتشجيع الشبّان إلى الهجرة إليها، وذلك بسبب نقص كبير في الأيدي العاملة.
وفي الستينات، في غمرة الطفرة الإقتصادية الأوروبية، احتاجت البلاد إلى مزيد من الأيدي العاملة.

حينذاك، كتبت بعثة علماء وخبراء آثار سويديين، كانت تُنقّبُ في العراق، عدة دراسات عن الحضارة الآشورية في عصور ما قبل الميلاد، معتبرة إياها من أعظم الحضارات في تاريخ البشرية، بينما أحفاد هذه الحضارة المُوّزعون في بلدان الشرق الأوسط يتعرّضون للإنقراض نتيجة تشتتّهم ومحاولات صهرهم وطمس حضارتهم في المنطقة.
هذه الدراسات لفتت أنظار السلطات السويدية، إضافة لمجلس الكنائس العالمي، فكلّفت السفارة في لبنان بافتتاح مكتب هجرة لمن يرغب من هؤلاء الى السويد.
في الحقيقة، كانت ضربة معلّم من أولاف بالمه، فهو من جهة أرضى الكنيسة التي كانت تهاجمه وتتهمه بالشيوعية والإلحاد، ومن جهة اخرى كانت البلاد في حاجة مزمنة إلى الأيدي العاملة.
كان ذلك في عام ١٩٦٧، والفكرة تلخّصت في أن «السويد تريد أن تحافظ على بقايا الحضارة الآشورية». هنا حدث تداخل لغوي لاتيني في الأسماء والمُسميّات، فكلمة Assyirian تعني أشوري، بينما كلمة Syrian تعني سرياني أو سوري.
صحيح أن بضع عائلات آشورية تقدّمت بطلبات الهجرة، إلا أن عشرات عائلات السريان الأرثوذكس طلبت الهجرة إلى السويد أيضاً.

وهنا أيضاً تجيء القامشلي كبداية للحكاية.
عدد كبير من رجال القامشلي كانوا يعملون في لبنان بأعمال مياومة، نظراً لتراجع القامشلي إقتصادياً بعد عصرها الذهبي الذي انتهى بوحدة سوريا ومصر، وثم كثرة الإنقلابات والحكومات العسكرية والتركيز على محاربة إسرائيل تاركين المحافظات النائية (هكذا كانوا يسمّونها) في فوضى وإهمال كبيرين، فأراد بعضهم الذهاب إلى السويد للعمل، خاصة وأن إعلانات مكتب الهجرة كانت تُصّور السويد كجنّة حقيقية.

كنت أقترب من مدينة «ڤيكشو». المطر كان قد غسل أوراق أشجار الغابات المحيطة بالطريق وأسقف المنازل القرميدية وأعطاها إنعكاس الشمس المائلة ظلالاً زرقاء ورونقاً إضافياً.
ڤيكشو (ثلاثين ألف نسمة) تقع في منتصف الثلث الجنوبي، في منطقة كثيرة البحيرات والغابات والبعوض (في السويد أكبر تجمّع للبعوض في العالم) والنازيين الجدد. والنازيّون هؤلاء تظاهروا قبل سنتين قرب محطة المدينة المركزية فأشبعهم المارّون ضرباً.
على مقربة من المدينة، في منطقة (سمولاند) اجتمعت أول دفعة من المهاجرين الآتين من لبنان في «مُخيّم» تهيئة لتوزيعهم على مختلف المدن السويدية.

«أبو سعيد» لم يبتعد عن مخيم سمولاند، واستقر به المقام في مدينة ڤيكشو القريبة. كان في لبنان، تلك السنة المشهورة، ليس بحرب الأيام الستة فحسب، بل بسيل من إعلانات في الصحف اللبنانية تُشجّع على الهجرة إلى السويد.
التحقت عائلة أبو سعيد به، ثم جاء صهره (زوج شقيقته)، وعائلة صهره، وهكذا.
«أنا متقاعد الآن، وأموري على أحسن ما يكون. صحيح أنا أفتقد الأصدقاء والقامشلي، لكن دعني أقولها بصراحة، ماذا يفعل رجل في سني (٦٧ سنة) الآن في القامشلي؟ يذهب إلى المقهى للعبة ورق أو طاولة زهر، ويعيش عالة على بقية أفراد أسرته. هنا أحصل على راتبي التقاعدي ولست بحاجة إلى أحد، ولا لأولادي وأحفادي الذين يعيشون على مقربة مني». يقول أبو سعيد وينفث دخّان سيكارته.

«هناك طريقتان للمجئ إلى السويد، الزواج أو اللجوء. الزواج يتمّ بين طرفين الأول في القامشلي والثاني مُقيم بشكل قانوني في السويد. أمّا عذر اللجوء فيكون، على الأغلب، كما يلي: أنا لبناني دون هوية هارب من الحرب. دعني أسوق مثالاً». قال إيليا القادم من مدينة «يتيبوري» وتابع «جاءت السيدة نهاد عن طريق كوبنهاغن إلى الحدود السويدية، حاملة الرضيع داني على كتفها، وبجواز سفر عليه فيزا سياحية إلى السويد. لا أحد يعرف كيف حصلت عليها، لأن السياحة مغلقة في هذه البلاد في وجه الشرقيين. البعض يقول أنها تُكّلف مبالغ طائلة. للسيدة نهاد أخ أو أخت أو لست أدري من لتزور. بعد شهرين أو أكثر تخبئ جواز سفرها وتذهب إلى البوليس الذي يطلب لها مترجماً، وهي تطلب اللجوء. من أين أتيتِ؟ يسألونها. من لبنان، تجيبهم. أين جواز سفرك؟ فتقول منذ متى كان لنا جوازات سفر. يسألونها عن كيفية دخول البلاد، فتقول عن طريق التهريب، أعرف أنه غير اشرعي لكنني كنت مضطرة.
على الفور تحصل على شقة مفروشة ومصاريف، ثم يعدونها ببحث طلبها. هذا البحث قد يمتدّ إلى سنة أو أكثر، وينتهي عادة بالموافقة. هنا تطالب السيدة نهاد ببقية أعضاء عائلتها (ما يُعرف بقانون لمّ الشمل)، فيأتي الزوج وبقية الأطفال سميرة، مريم، عايدة وفاتنة، ونبيل، لحدو وبشير. الجميع يحصل على إقامة ثابتة وتُؤمّن لهم السلطات بيتاً أكبر. السلطات ستتحمل نفقات الجميع وتخصص لهم مرتبات تتفاوت حسب أعمارهم، وتسعى إلى وضعهم في المدارس ودورات تعلم اللغة.
الصبيّة سميرة مخطوبة للشاب هاني من القامشلي. تسافر وتتزوج ثم تذهب إلى السفارة السويدية في دمشق لإتمام أوراق هاني، ليعودا إلى البلاد عن طريق مطار كوبنهاغن، الأقرب جغرافياً لڤيكشو. وهنا ستنتظرهم شقة مفروشة تكون قريبة من بقية العائلة، لتُعاد الكّرة مع الآخرين. لنعود إلى العريس هاني، أخوه خليل يتحّرق أيضاً للسفر. هنا تبدأ سلسلة طويلة من المباحثات العائلية والإتصالات الهاتفية المُكلفة. في الواقع، يكفي أن تطلب من عاملة السنترال الإتصال بـ Qamishli، لا حاجة أن تذكر سوريا، فالكل يعرف القامشلي. يأتي خليل بعد أشهر. أيضاً بفيزا سياحية، بعدها يتمّم نفس الإجراءات فيحصل على الإقامة، ويُحضر، من ثمّة، بقية أفراد عائلته الفتية، ويقوم لتوّه ببحث إجراءات إستقدام أخ أو أخت أو حتى صديق». هكذا ختم إيليا.

بعد ثلاثة أيام ممتعة لدى الجالية السريانية في مدينة «ڤيكشو» تخلّلها قليل من العمل والمقابلات، والكثير من جلسات الأنس والكباب وعرق الريّان وصوت أم كلثوم، كان لا بد من متابعة جولتي.
الهدف هو «سوديرتاليا» شمالاً على بعد نحو خمسمائة كيلو متراً.
في الطريق يتكرر المشهد ذاته. بحيرات كريستالية تعكس السماء وغيومها كمرآة، ومدن صغيرة، وصخور بركانية سوداء على جانب الطريق المُسّور منعاً لدخول الوعول البريّة المجال الحيوي للحافلات.
السويديون يسمون سوديرتاليا Liten Qamishli (القامشلي الصغيرة). الجالية السريانية موجودة في كل، أو معظم المدن السويدية، لكن لسوديرتاليا نكهتها الخاصة.
لا نعرف كيف توصل السويديون إلى إطلاق إسم القامشلي الصغيرة، إلا أنه تشبيه بليغ وذكي، وأيضاً صحيح. لم يتغيّر شيء عند المُهاجرين، توزيع المفروشات في الغرف، تعليق صور المسيح وتلامذته على الجدران بقرب الصلبان الخشبية، وفي الجهة الاخرى السيدة العذراء والهالة التي تحيط برأسها، رائحة الأطعمة اللذيدة الإيروتيكية. التلفزيون هنا أكبر حجماً من السيرونيك، وألوانه أجمل. تحت طاولة التلفزيون جهاز الفيديو بساعته الرقمية الخضراء، وفي الأدراج أشرطة كاسيت وفيديوهات لصباح، وديع الصافي، فيروز، مسرحيات عادل إمام ودريد لحام، وسيل من موسيقى لمغنين وموسيقيين مجهولين (بالنسبة لي) من القامشلي.
حي «هوفشو» في سوديرتاليا، بأبنيته الطابقية المتشابهة يُذكّر بأحياء أطراف مدن أوروبا الشرقية، كئيبة وصفراء. هو مُجمّع لجنسيات مختلفة، سورية، عراقية، تركية وأحياناً تشيلية. من الإعتيادي أن تسمع الأمهات ينادون على أطفالهن بلغات مختلفة لتزداد وتيرة صخب الحيّ.
لاحظت السلطات البلدية أن سكان الحيّ يفتقرون إلى التواصل باللغة السويدية، فوضعوا خطّة بزرع عائلات سويدية حالما تفرغ إحدى الشقق. لم يتحمّس أحد للفكرة، إلا بضع عائلات أولياؤها عاطلون عن العمل.
بعد سنة لوحظ أن رجالهم تعلّموا لعب الكونكان والطرنيب في المقهى المحلي، نساؤهم كنّ يشربن القهوة في فناجين صغيرة ويُكسّرن البزر بحرفية الببغاوات على الشرفات، بينما أطفالهن يتحدثون السريانية، لغة اللعب واللهو المشتركة لأطفال الحيّ.
الجيد في الأمر، أن الجالية، وبجهود كبيرة من بعض أفرادها، أنشأت جمعيات ونوادٍ بلغت نحو ألف، تجتمع في إتحادات مركزية (٢٠ إتحاد) أهمّها:
الإتحاد الآشوري (٢١ جمعية، وما يُقارب ٥٠٠٠ عضو). نشرته تحمل إسم «حويودو»،
الإتحاد السرياني (٢٦ جمعية، ونحو ٦٠٠٠ عضو). نشرته «باهرو سوريو يو»، وهؤلاء يتبعون الكنيسة الأرثوذوكسية السريانية والكنيسة الآشورية ذات المذهب النسطوري، المختلفة عن الكنائس الشرقية.
في سوديرتاليا خمس مقاهٍ يجتمع فيها الرجال لتبادل الحديث ولعب الورق، في الوقت الذي مُنع فيه لعب الورق في مقاهي ستوكهولم. الصراخ والـ «دقّ» على الطاولة، والنادل، هم هم كما أيام القامشلي.
في الطرق كنّا نكتفي برفع اليد لإلقاء التحية، تماماً كما كنّا نفعل في شارع القوتلي، في أمسيات الصيف الرطبة.

رواية أبو سليم، مُتقاعد:
سجلت إسمي وأفراد عائلتي في مكتب الهجرة السويدي عام ١٩٦٧، بعد أن سمعنا أخباراً عن بلاد مفتوحة للهجرة. بعد فترة دُعينا إلى مقابلة وفد سويدي استفسر عن بعض الأمور غير المُهمّة، وكان هناك طبيب قام بفحصنا جميعاً بدقّة.
مرّت فترة اخرى قبل أن يخبرونا عن موعد السفر. سألنا عن الوضع والمعيشة، فكان كل شيء مرضياً. جئنا على دفعتين، كل دفعة حوالي ١٠ عائلات إلى «سمولاند»، حيث تمّ إستقبالنا بشكل جيد. لكن فوجئنا أولاً بالطقس السيء، وثانياً إقامتنا في مخيّم مُكوّن من مكاتب موظفين ومطعم وغرف نوم. عصفت بنا مشاعر الغربة، ممّا دفعنا لنلتصق ببعضنا البعض. الطعام كان سيئاً. ليس للسويديين على ما أعتقد. تصوّر فاصولياء مطبوخة مع اللحم والسكّر. السويدي يتلذّذ بوجبة كهذه.
سألنا متى نبدأ العمل فقالوا انتظروا فترة اخرى حتى تتعلموا اللغة. كان يُصرف لكل فرد كرونتين يومياً، سعر علبة السكائر كان أكثر من أربعة كرونات، ممّا سبب مشكلة كبيرة للمدخّنين، الذين طالبوا برفع المبلغ، فرُفض طلبهم وقالوا لهم لا ضرورة لتدخين كل هذه السكائر. عائلتي كانت تحصل على ثمانية كرونات يومياً ولا أحد منّا يُدخّن، فكنت أمدّ الأصدقاء بالسكائر.
تململ الناس وضجروا، فلم يعجب الأمر شخصاً أسمه «سيمون بدر»، كان يقوم أيضاً بدور مترجم لأنه كان يتكلم الإنكليزية. المهم أنه تزعّم حركة تمرّد صغيرة طالبت بتحسين أوضاعنا، أو صرفنا إلى أماكن العمل كي نمارس حياتنا بشكل إعتيادي. إنضم إليه بعض الأشخاص، وبدا أنه يُشكلّ خطراً، فأقنعوه بالعودة إلى لبنان بعد أن أعطوه مبلغاً جيداً من المال.
لم تتحسّن الأمور بعد سفر سيمون، ورضخت البقية للأمر الواقع. بقينا في ذلك المخيّم سبع أشهر مريرة. فكّر العديد بالعودة، لكن كان دائماً يُطرح السؤال ذاته: وماذا نفعل إذا عدنا؟ لا بيت، لا مال. ثم ماذا سيقول الأهل والأصدقاء هناك؟
صبرنا على أمل أن تتحسّن أحوالنا. بعد سبعة أشهر جاءوا ببرنامج طويل عريض لتوزيعنا على مختلف المدن السويدية. خلال هذه المدة، كانت قد ترسّخت علاقات صداقات عائلية شديدة المتانة، فرفضنا بقّوة مبدأ تفريقنا وتشتيتنا في هذه المدن. طلبت كل مجموعة أن نكون في نفس المدينة ونفس الحيّ، فلُبّي طلبنا.
لا أعرف بالضبط لماذا هاجر الناس إلى السويد حينذاك، لكن أنا وعائلتي هاجرنا، ليس بسبب الفاقة والوضع السيء، جئنا لنتفرج على أوروبا التي كانت على كل لسان وشفة. اتفقنا أن نهاجر بضع سنوات، نسوح ونتفرج، نعمل، ثم نعود ربما بقرشين إلى بلادنا. أعتقد أن مسألة العودة كانت تدور بأذهان الآخرين أيضاً. هكذا كنّا نتحدث مع بضنا البعض.
علمنا بوجود مجموعة من الأصحاب في «سوديرتاليا». حاولنا الإنتقال إلى هناك، لكن كان علينا أولاً إيجاد عمل ومسكن أو عنوان. وهذا ما صار. سبب وجودهم في سوديرتاليا كان عملهم في معامل «سكانيا» الواقعة في قلب المدينة.
مجموعتنا في سوديرتاليا كانت متفاهمة وملتصقة. كنّا نجتمع في كافيتيريا في وسط البلد ساعات طويلة لنتحدث، وكلّما نظر صاحب المحل إلينا، قمنا بطلب فنجان قهوة. فيما بعد باعها. صاحبها الجديد وضع قواطع فصلت بين الطاولات، فصرنا نتحدث بصوت عالٍ. السويديون كانوا يجيئون لتناول طعام الغداء والعودة بسرعة إلى أعمالهم، وبعضهم كان يصعب عليه إيجاد طاولة لكثرة عددنا. حدّد صاحب المحل الزيارة بساعة واحدة. كنّا نجلس ساعة، ثم نخرج ونلف لفّة صغيرة في المنطقة ونعود مرّة اخرى، فباعها لرجل يوغسلافي. اليوغسلافي تفهّم وضعنا أكثر.
واحد من جماعتنا أعلن عن عزمه شراء محل وتحويله إلى مقهى، فلاقت فكرته استحساناً هائلاً من طرفنا، واقتنعت السلطات بفكرته، فأعطته ترخيصاً وخلصنا من حالة التسكّع.
صار لنا كنيسة نؤدّي فيها صلواتنا ونتحدث مع رهباننا. بعضنا تحسنت الأحوال عندهم فاشتروا سيارات ڤولڤو من أحدث الموديلات وذهبوا برّاً لزيارة الأهل والأصدقاء في القامشلي. هناك استغرب الناس سرعة التقدّم هذه وبدت السويد كجنّة الله على الأرض. وقد ساهم أيضاً الأصدقاء من هنا في إشهار الموضوع، حينما كتبوا رسائل وتحدثواً هاتفياً مع أهلهم يشجعونهم على الهجرة مبالغين بمحاسن هذه البلاد. كانت هذه أنانية برأيي، فنحن في بلاد الغربة كنّا بحاجة إلى صحبة الأهل والأصدقاء، وليس لأن الحياة في السويد كانت تشدّنا وتعجبنا بهذا القدر. كنّا نتنافس على إستقبال الوافدين الجدد واستضافتهم لأننا كنا بالفعل نريد سماع الأخبار من هناك. أنا لم أشجع يوماً أحداً على الهجرة لأن السويد ليست بلادنا، وعادات الناس ليست عاداتنا ولا لغة البلاد لغتنا. كانوا لطفاء معنا كثيراً حينذاك، وليس كما هو الحال الآن. الأجنبي كان محترماً. كل مرّة كنّا نسير مع أطفالنا يجيء سويديون ويطلبون بكل تهذيب إذا كان بإمكانهم معانقة الأطفال ولمس شعرهم الأسود الفاحم. الأن يتجنبوننا ولا يريدون الإختلاط بنا. قد نكون نحن أيضاً السبب، لأننا حافظنا، ومازلنا، على عاداتنا وتقاليدنا ولغتنا التي نفخر بها.

ملحوظة: هذه شهادات ونقل صورة الواقع الذي صاحب هجرة الجيل الأول وعائلاتهم، للتوثيق والأرشفة. لا معلومات لديّ عن أرشفة مماثلة لدى الجالية القامشلاوية في السويد، لكنني أعرف أن هناك سجلات عن الأجيال التالية المُنسجمة تماماً في بلادهم الجديدة.
مثال على هذا: عام ١٩٨٨ (بينما كنت أكتب بحثي) هاجر جان يوسف إلى السويد وقال أنه من مواليد لبنان عام ١٩٤٨ مستبعداً حقيقة أنه من القامشلي، ومعه عائلته، زوجته مريم، وبناته الخمس، أصغرهن كارولين، وولديه فارس ويوسف.
يوسف فارس، وفي وقت مذهل يصلح أن يحتذى به، أخرج عام ٢٠٠٠ فيلم «يللا يللا»، الذي أصبح أشهر فيلم ذاك العام، وعُرض في أكثر من ٥٠ دولة. شارك في الفيلم فارس فارس (الذي هو الآن نجم سينمائي عالمي، شارك في أفلام في هوليود، الدانمارك، حتى في مصر حيث لعب دور ضابط شرطة فاسد وتحدّث طيلة الوقت بلهجة مصرية لا يشوبها أي عيب)، خاتون فارس، عبد الأحد فارس، كارولين فارس، إضافة إلى جان في دور الأب، العصبي الذي كان يصرخ ويشتم باللهجة القامشلاوية المردلية. أذكر أنني كنت الوحيد الذي يضحك، حين كان جان يوّزع شتائمه، وأنا أتابع الفيلم في صالة سينمائية مكتظة في كوبنهاغن.