عام أيتماتوف: من هو الشيوعي الحقيقي!؟

طلال الربيعي
2018 / 12 / 23

مع ان عام 2018 قارب على نهايته, ولكننا, تقويميا على الاقل, لا زلنا في العام الذي خصص عالميا للاحتفاء بالكاتب السوفيتي-قرغيزي العظيم شينغيز ايتماتوف.
-----------
دار نقاش حيميم, بمحض الصدقة, بين صديق عزيز وبيني. الصديق يعمل كطبيب بروفسور في امراض القلب والفسيولوجيا في احدى جامعات لندن وذو شهرة عالمية في مجال اختصاصه. وكان في زياراته المتكررة الى قرغيزستان (قرغيزستان كانت جمهوربة سوفيتية الى حين اعلانها دولة منفصلة بانهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991) ينتهي دوما بزيارة مكتبتها العامة لولعه بالكتب والمكتبات عموما, وكذلك لانه منهمك حاليا في مشروع تأليف كتاب فريد من نوعه حول اهم مكتبات العالم بالتوثيق والصور والمعاينة المباشرة. ولذلك فهو في ترحال دائم للبحث والكتابة وتصوير مكتبات العالم والتعريف بها كمضمون ثقافي, كمعمار, وكجمالية معرفية وذوقية, والالتقاء بمسؤوليها للتعرف عن كثب عن تاريخ هذه المكتبات ومعالم اصالتها. وقد اسعدني الحظ برؤيته في فينا في العام الماضي بعد فراق سنوات طوال, وبرفقته اصدقاء اعزاء آخرين. وقد اتاحت له زيارته للنمسا الاطلاع على اهم مكتباتها الاثرية والحديثة لادراجها في كتابه الموثق لمكتبات العالم. واني متأكد ان الكتاب سيسد فراغا معرفيا كبيرا وسيطور تذوقنا الجمالي للمكتبة والكتاب في آن واحد, ولربما لاجل تحقيق حلم الكاتبة الامريكية (1917-2000) Gwendolyn Brooks في ان تكون الكتب
“Books are meat and medicine
and flame and flight and flower
steel, stitch, cloud and clout,
and drumbeats on the air.”
"الكتب هي اللحوم والادوية
واللهب والرحلة والزهرة,
الصلب والغرز والسحابة والنفوذ
وقرع الطبول على الهواء "
---------
الحوار بيننا بدء على مواقع التواصل الاجتماعي وكان بالانكليزية ولكني ساترجمه الى العربية بقدر المستطاع, ومع بعض الاضافات التي ارتأيتها ضرورية لتعزيز تساؤلي بخصوص محورالمقال: من هو الشيوعي الحقيقي؟ وان لم يكن هذا التساؤل محور النقاش وقتها!

فقد نشر الصديق خبرا عن الكاتب القرغيزي الشهير أيتماتوف وبجانبه صورته واقفا بجنب نصب تذكاري للكاتب. وقد كتب الصديق مقطوعة جميلة وذات نفس راق حول أيتماتوف باعتبار ان العام الحالي هو عام أيتماتوف.

بقول الصديق في منشوره:
"يقوم الكثيرون في العالم الثقافي، ولا سيما في آسيا الوسطى، باحتفال خاص بمناسبة الذكرى التسعين لميلاد الكاتب البارز شينغيز أيتماتوف (من مواليد 12 ديسمبر 1928). أعلنت المنظمة الدولية للثقافة التركية عام 2018 عام أيتماتوف.

كان أيتماتوف مؤلف قيرغيزستاني و كتب باللغتين الروسية والقيرغيزية. حققت أعماله اعترافا دوليا. وقد نالت اعماله اتتشارا واسعا في الاتحاد السوفياتي السابق كمؤلف يستطيع وصف المواقف النفسية للأشخاص بمهارة. تشتمل أعمال أيتماتوف على مكونات فريدة من نوعها في سيرته الإبداعية, وتعتمد على التراث الشعبي والتقاليد والأساطير القديمة في آسيا الوسطى. تمت ترجمة رواياته إلى 176 لغة وتم نشر أكثر من 100 مليون نسخة من كتبه في 128 دولة. بدأت أعرف هذا الكاتب من خلال زياراتي العديدة إلى آسيا الوسطى، وبالتحديد في حديثي مع مساعده، الدكتور جيلديز باكاشيفا، وهو الآن مدير المكتبة الوطنية في قيرغيزستان. أراني العديد من أعماله ومؤلفاته.

إن كتابه الشهير "جميلة" معروف جيدا، لكنني أفضل على وجه الخصوص روايته "يوم يدوم أكثر من مائة عام" التي نشرت في الثمانينات. على الرغم من أنني لست قارئ لكتب الخيال العلمي، استحوذ هذا الكتاب على خيالي واهتماماتي. اني على صلة بالعديد من مشاهد جبال وسط آسيا وسهولها وفلكلورها وثقافتها، وأنا على دراية الآن بالموضوع غير المعتاد في هذا الكتاب وهو كيف بدأ السكان الأصليون في نسيان وتغيير ثقافة البدو والفلكلور عندما كانوا مشغولين بثقافة أخرى (في هذه الحالة الروسية التي احتلت هذا الجزء من العالم لأكثر من 200 سنة). العبارة التي تكرر تكرارها في الكتاب "القطارات في هذه الأجزاء انتقلت من الشرق إلى الغرب، ومن الغرب إلى الشرق" تلمح إلى أن شعبه فقد اتجاهه لحياته وثقافته. إنه كتاب مسلي وساحر، مما يجعله أكثر جاذبية من روايته الشهيرة "جميلة". في الوظيفة المستقبلية، سأشير إلى شيء من هذا الكتاب الذي يعكس الموضوع الضمني لهذا الكتاب.

هذا الموضوع سائد من خلال تاريخ البشرية. لقد أدركنا ذلك في التاريخ الروماني والشرق أوسطي، وغزو أمريكا الشمالية والقضاء على حضارة أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية، والاستعمار الأوروبي لآسيا وأفريقيا ، إلخ. على الرغم من أن الاستعمار ساهم في بعض المنافع للحضارة العالمية وطريقة الحياة, من خلال إذابة العديد من الأفكار والسمات الثقافية، فإنه يؤدي بنفس القدر إلى بعض الخسائر في تراثنا الإنساني، وهو موضوع نحتاج إلى التدقيق فيه وفحصه."
---------
وقد اعجبني المنشور كل الاعجاب, فسارعت الى التعليق بقولي
"ربما تجدر الإشارة إلى أن شينغيز أيتماتوف كان كاتبا شيوعيا. منحت رواياته ومسرحياته قبل انهيار الاتحاد السوفياتي صوتا لأهالي جمهورية قرغيزستان السوفيتية النائية، وأصبح بعد ذلك دبلوماسيا وصديقا ومستشارا للزعيم السوفيتي ميخائيل غورباتشوف, كما انه نفسه كان كاتب سيناريو لافلام سينمائية سوفيتية "

فاجاب صديقي الذي هو على علم بتحيزي للفكر الشيوعي بملاحظة ذكية بقوله:
"شكرا عزيزي طلال، لربما كان (أيتماتوف شيوعيا)! لكن هل هذا الأمر مهم؟ أنا لا أبحث أو أقيّم العمالقة الأدبيين بميلهم السياسي أو الديني أو العرقي أو القومي أو الفلسفي. القضية المهمة هي مساهمتهم في التراث البشري".

فكانت اجابتي طويلة بعض الشيئ ومقسمة ولذا الخص جوهرها مع بعض الاضافات.
------
شكراً صديقي العزيز على طرح سؤال مهم جداً حول ما إذا كانت الحياة الشخصية أو الالتزام الأيديولوجي للكتاب اوالفنانين او عموم المبدعين ذات صلة بتقييم المكونات الفنية أو الجمالية لأعمالهم. قد لا تكون الإجابة على هذا السؤال سهلة ويجب أن تكون متعددة الطبقات، وملتوية ومتشعبة إلى حد ما، ولا تنفصل عن التفضيلات الشخصية، أو الأجندات، أو التحيزات. يجب أن أحاول تبسيط الإجابة، لكن هناك حدود عملية. بالإضافة إلى ذلك، أتفق مع أولئك الذين يعتقدون أن اللغة لا تعكس الواقع أبداً: إنها مجرد تقريب.

الآن، كما ذكرتُ في التعليق السابق, أن أيتماتوف أصبح مستشارًا لغورباتشوف. قد تبدو هذه الملاحظة زائدة عن الحاجة أو إدراجًا لا داعي له، كما يوحي بذلك تعليقك، وإشارتي إلى الشيوعية يمكن ان تبدو كما لو انها ملاحظة مبتذلة تهدف إلى الدعاية لها في غير مكانها, أو انها كمجرد تمرين في تضخيم الأنا أو تعظيم الذات من قبلي. من المسلم به أن الإغواء بالاستسلام كان كبيرا، لكن مقدارا من التأمل الذاتي سيكون بمثابة ترياق مضاد.

انك تتحدث عن الارث الثقافي او الحضاري البشري human heritage, قد يبدو هذا، مع كل الاحترام، وكأنه تعميم غامض يبطل سعينا بعدم أخذ الأشياء كأمر مسلم به. حسناً، بافتراض أننا نعرف بالضبط معنى التراث الثقافي او الارث الحضاري، ولكننا ما زلنا نريد، كما آمل, أن نعرف لماذا هو ارث حضاري؟ هل أصبح أيتماتوف تراثًا ثقافيًا بفضل النصب الذي أقامته حكومته له, دولة قرغيزستان, بعد انهيار الاتحاد السوفييتي, من منطلق الفخر القومي، أم أن أيتماتوف كان بالفعل يمثل تراثًا ثقافيًا بسبب مهاراته الأدبية بدلاً من انتمائه الوطني ومن هنا تم نصب تمثال لإحياء ذكراه وتمجيد اعماله؟ ويخطر فى بالي هنا ما يسمى -التنافر المعرفي- بقدر ما يتعلق الأمر بموضوعة النصب التذكاري: يقول الشخص لنفسه "لقد استثمرت الوقت والجهد في المجيء إلى هنا لمشاهدة النصب، وعلي ان أعتقد لأجلي أنني لم أهدر وقتي وجهدي بالمجئ هنا، ولذا علي ان اسبح مع التيار واتفق مع الرأي القائل بانتماء ايتماتوف او كتاباته الى التراث الانساني او الحضاري لعموم البشرية (واني لا اقترح حتى للحظة ان اعماله لا تفعل هذا), وذلك بدل السباحة ضد التيار." قد تكون السباحة ضد التيار قاتلة للبهجة ومتعبة بل ومضنية وخطرة بل ومهلكة, على الرغم من أنها قد يكون أكثر واقعية أو اصالة! ونفس الكلام ينطبق على من ساهم في اقامة النصب.

من وجهة نظري الشخصية, فإن غالبية الشيوعيين لديهم وجهات نظر سلبية للغاية حول غورباتشوف ويرى البعض أنه "خائن" للشيوعية! وكان هو بطل الرواية الرئيسي في العملية التي أدت إلى انهيار الاتحاد السوفيتي. كان أيتماتوف مستشاره. واني أشعر أن أيتماتوف كان مذنباً أيضاً بسبب ارتباطه بغرباتشوف المسبب بانهيار الاتحاد السوفييتي. بالتأكيد ان دور أيتماتوف لم يكن كبيرا ولا مؤثرا كدور الساسة من قادة الحزب والدولة. ولكننا لا ننسى ايضا ان أيتماتوف كان عضوا في الحزب الشيوعي السوفيتي لسنوات طوال. علما ان والده كان شيوعيا ايضا وقد صفاه ستالين في عام 1938 برغم كونه من اوائل الشيوعيين في قرغيزستان وذلك بسبب مزاعم بكونه ذو ميول برجوازية شوفينية! ووالدته كانت ايضا شيوعية (متوقدة) وهي التي قامت بتعليمه اللغة الروسية. المفارقة, التي هي مفارقة عامة, ان أيتماتوف اصبح متحمسا للنظام السوفيتي الذي قتل والده- لا ادري ان كانت عقدة اوديب تلعب دورها هنا ايضا, حيث تقوم الدولة نيابة عن الابن بقتل الاب! وقد بدء أيتماتوف الكتابة في الصحيفة السوفيتية الرسمية -برافدا- منذ عام 1959 في امور سياسية وثقافية مما يدلل على تقبل المؤسسة الرسمية والحزب له وتحمسهما لما يكتب. وقد حاز لاحقا على جائزة لينين وعلى جائزة الدولة بسبب اعماله الادبية وسمي ايضا بطل العمل الاجتماعي.

اني أشعر أن انتماء أيتماتوف لسلطة الدولة وعمله معها, وخصوصا كمستشار لغورباشوف, أتي بنتائج عكسية: فهو لم يكن علامة على نزاهة أو مبدئية مطلقة كما يمكن للمرء أن يتوقعها منه. أني لا أشارك الاعتقاد بالمانترا بأن العمل الفني أو الأدبي ينبغي تقييمه بمعزل عن صانعه- موت المؤلف! واني أعترف أن رأيي هذا ليس صحيحًا بالكامل من الناحية السياسية او التقنية الثقافية-جمالية، وربما يفتقر ايضا إلى الأدلة التجريبية ان وجدت. لكننا هنا. واني أود أن أرى نفسي ساعياً إلى أن أكون صادقاً ومنسجما مع نفسي، بدلاً من تقديم توضيحات أو تعزيز أجندة راسخة. لا أعتبر, تقريبًا، انهيار الاتحاد السوفييتي مسألة يمكن ادراجها ضمن موضوعة التراث ثقافي-حضاري, و التي كان أيتماتوف احد ابطالها وان لم يكن فاعلا رئيسيا على المستوى السياسي او الميداني, ولكنه كان, لا شك, ,عنصرا بارزا ومؤثرا على المستوى الثقافي. واعتقد انه ليس اجحافا القول, برغم تحيزه, ان كل الذين ساهموا في هذا الانهيار، مهمآ كان دورهم أو موقعهم، سيتبينون في نظري أنهم كانوا مروجًين, لربما بسكوتهم او من خلال اعمالهم, لجدول أعمال مناقض لتعريف الثقافة على أنها نشر القيم العالمية للمساواة واحترام الحياة البشرية كنقيض لتمجيد رأس المال والثروة.

ومع ذلك ، فإن الأمور ليست سوداء وبيضاء أبدًا. ومن ثم أدعو إلى تعزيز عملية التقييم ورؤية كل ألوان قوس قزح.
على الرغم من ما سبق ذكره ، فإنني معجب بـ أيتماتوف, فهو نجح في رفع الذائقة الجمالية للفن والثقافة السوفييتين، اللتان عانتا كثيراً خلال عهد ستالين, وحتى لاحقا, باسم الواقعية الاشتراكية, واعتبارها الفن صورة مرآتية تعكس الواقع ميكانيكيا, وهذا امر منسجم مع احالة الديالكتيك ستالينيا الى ميكانيك و "نمذجته" للماركسية اللينينية على نمط العلوم الطبيعية الحتمية كحتمية فيزياء نيوتن وميكانيكيتها.

ولقد كان للواقعية الاشتراكية صدى كبيرا في بلدان اخرى وبالاخص ايطاليا, حيث كان حزبها الشيوعي يتمتع بشعبية كبيرة او هائلة بعد الحرب العالمية الثانية لسنوات. وسميت واقعية ايطاليا "الواقعية الجديدة " التي تميزت بمعالجة امور الفقر والبطالة والظلم وعواقب الحرب على المستوى الشخصي, و من اعمالها التي شدتني و اثارت اعجابي منذ الصغر فيلمها المسمى -سارق الدراجة- الذي شاهدته مرارا وتكرارا في طفولتي ولا زلت اتذكره بنوستالجيا مألوفة, وهو عمل كلاسيكي جمالي من الصعوبة للغاية تكراره. والفيلم كان من اخراج المخرج الايطالي الشهير Vittorio De Sica الذي ادى ايضا دور بطل الفيلم, وكان هذا الفيلم وافلامه الاخرى السبب في حصوله على جائزة الاوسكار لاربع مرات.

ولكن, كما يبدو لي, لا الثقافة السوفيتية, ممثلة على سبيل المثال في أيتماتوف, ولا المدرسة الإيطالية الواقعية الجديدة كان لهما تأثيرا على تحسين رفاهية الناس في الاتحاد السوفييتي أو إيطاليا او رفع وعيهم الطبقي في المدى الطويل او في الحيلولة دون انتصار قيم الرأسمالية العالمية التي طغت في دول الاتحاد السوفيتي بعد انهياره, او حتى لربما قبل الانهيار, او في ايطاليا ايضا طوال العقود القليلة الماضية- بالرغم من ان رئيسها السابق الشيوعي المخضرم Giorgio Napolitano, الذي كانت فترة رئاسته اطول فترة رئاسة في ايطاليا منذ تأسيس الجمهورية الحديثة, قد كتب, بالاشتراك مع المؤرخ الماركسي الكبير Eric Hobsbawm, كتاب "طريق ايطاليا الى الاشتراكية". غني عن القول ان ايطاليا لم تخطو خطوة واحدة نحو الاشتراكية بوجود نابوليتانو في اعلى منصب في الدولة, وهذا لا يعود بتاتا الى عدم كفاءة نابوليتانو او قلة اخلاصه لمبادئه باي حال.

وهذا يذكرنا بخواء زعم الحزب الشيوعي العراقي برغبته في تغيير موازين القوى عن طريق البرلمان او بتحالفات مشبوهة مع فاشية الاسلام السياسي, وقد سبق لي ان عالجت بعض جوانب الموضوع هذا في مكان آخر ولا انوي معالجته هنا من جديد.
-تخبط الحركة الشيوعية العالمية والانتخابات البرلمانية-
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=500892

ولكننا لربما لا يمكننا إلقاء اللوم على الفن أو الثقافة بسبب الحوادث المؤسفة او حتى الكارثية, سابقا او حاليا. وربما لم يكن ذلك فشلًا ثقافيًا على الإطلاق, حيث ساهمت الثقافة, أو حتى في نسختها الأولية، في جعل الحياة أكثر احتمالا و متعة وجمالية، وهذا إنجاز كبير في حد ذاته.

ولكني مع ذلك اتفق مع التساؤل
Even today, years after Aitmatov s sudden death on June 10, 2008, we don t exactly know whether he was a true communist believer´-or-a Kyrgyz nationalist at heart. What we know is the beauty and eloquence of his writing
Chingiz Aitmatov: Farewell, Gulsary!
https://www.dailysabah.com/portrait/2018/12/14/chingiz-aitmatov-farewell-gulsary
"اليوم ، بعد سنوات من وفاته المفاجئة في 10 يونيو / حزيران 2008 ، لا نعرف بالضبط ما إذا كان أيتماتوف مؤمناً شيوعياً حقيقياً أم قومياً قيرغيزياً في القلب. ما نعرفه هو جمال وبلاغة كتاباته"

والسؤال نفسه بخصوص حقيقة شيوعية ايتماتوف يجعلنا نتسائل: من هو الشيوعي الحقيقي؟ هل يكفي انتماء الشخص الى حزب او تنظيم شيوعي ليصبح اوتوماتيكيا شيوعيا, ولكن اذا كان هذا هو الحال فكيف نفسر انهيار الاتحاد السوفيتي بوجود حزب شيوعي تجاوز عدد عضويته الملايين؟ ونفس الكلام تقريبا ينطبق على الدول الدائرة في فلك الاتحاد السوفيتي السابق. الجواب ليس سهلا بالمرة وان كان من الضرورة بمكان الاجابة عليه. انها ضرورة وهي ضرورة ملحة. والاجابة ينبغي ان تكون ديناميكية وحصيلة جهود الحركة الشيوعية باكملها. والتضامن الاممي ينبغي ان يكون على اساس مواقف وسياسات كل حزب على حدة وليس بسبب رفعه شعار الشيوعية من اجل تقويضها في الواقع. وهذا هو احد اهم التحديات الرئيسية التي على الحركة التصدي لها, وكذلك ايضا للحيلولة دون خلق تضامن شكلي منخور وعلى حساب جوهر الشيوعية ومبادئها.

و هنالك من يعتبر أيتماتوف شيوعيا مخلصا. فهو لم ينتقد النظام ولم يشكك فيه وعزى اخطاءه ليس الى هيكلية او بنية النظام وانما الى نواقص شخصية للحكام او الساسة. وموقفه هذا يذكرني بموقف بعض الشيوعيين العراقيين الذين لا يشككون في جوهر او بنية العملية السياسية ككل بقدراعتقادهم ان المشكلة تكمن في بعض الساسة الفاسدين بدلا من اعتبار ان الفساد جزء متأصل في النظام ولا يمكن ازالة الفساد او على الاقل تخفيفه الى حدود معقولة عالميا بدون الغاء النظام النيوليبرالي في العراق الذي يتمثل بالعملية السياسية التي اقفلت اغلبية المصانع العراقية لتفسح المجال لمصنعها فقط, مصنع انتاج الفساد. فالفساد والغش متأصل في النظام النيوليبرالي العالمي
How neoliberalism’s moral order feeds fraud and corruption
http://theconversation.com/how-neoliberalisms-moral-order-feeds-fraud-and-corruption-60946

يقول دي سيكا: "لقد كنا جميعًا مذنبين"، مشيرًا إلى أيام موسوليني. "كانت تلك الفترة أقسى صفحة في تاريخ البشرية. ومع ذلك ، يوجد اليوم في إيطاليا العديد من الفاشيين - الشباب الذين لا يصدقون ما كان عليه الحال في ذلك الوقت. ولسوء الحظ، هناك العديد من المسنين الذين نسيوا. لهذا شعرت أنه يجب عليّ أن أجعل "حديقة فينزي ‐------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------ كونتينيز" ، كعمل كفارة وكتحذير." وحديقة "حديقة فينزي ‐------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------ كونتينيزهو عمله الذي يعالج حقبة موسوليني الفاشية ووحشيتها.
The Victory Of Vittorio De Sica
https://www.nytimes.com/1972/01/16/archives/the-victory-of-vittorio-de-sica-the-victory-of-de-sica.html

الحزب الشيوعي العراقي عظْم صدام واعتبره "كاسترو العراق"! اما الايطاليون, حسب تعبير دي سيكا, فهم لم يحملوا موسوليني على محمل الجد واعتبروه مهرجا. ونحن نعلم اين انتهت "كاستروية" صدام المزعومة او الاعتقاد ببهلوانية موسوليني وعدم اخذه على محمل الجد: فاشية سافرة في كلا الحالتين.

وشعور ب ال Déjà-vu ينتابني! ف -السيد القائد- صدام حل محله, لدى هؤلاء الشيوعيين, قائد آخر يعتمر العمامة وبذلك هو سيد مزدوج (دينيا ودنيويا! على عكس صدام السيد الدنيوي فقط). واضيفت القداسة الى مفهوم السيد, ولكن فقط بعد ان اصبحت القداسة والدناسة سيان. وبدل ان يكون الحزب الشيوعي حزبا طليعيا, بعرف لينين, اصبح, بعد تخليه عن اللينينية, من الاتباع الذين يسيرون مع السائرون-السائرين خلف قائدهم الذي الغى الحدود بين القداسة والدناسة. و لو كان دي سيكا لا زال على قيد الحياة , لربما قال شيئا من هذا القبيل: "المهرجون يتغيرون ولكن التهريج هو التهريج ". فهل سيختلف عندها معه احد!؟

وقد يكون احدى سمات الشيوعية الحقة انها نقيض التهريج!