الحركة الاشتراكية والعمالية العالمية ...!!! الجزء الثالث

زياد عبد الفتاح الاسدي
2018 / 12 / 21

تطرق الجزء الثاني من المقال بشيئ من التفصيل الى التجربة الاشتراكية السوفياتية وأهم الاسباب التي أدت الى انهيار الاتحاد السوفييتي ومجمل المنظومة الاشتراكية لحلف وارسو . هذا بالاضافة الى بعض التفاصيل الهامة للتجربة الثورية والاشتراكية في الصين .. وانتهاءاً بلمحة سريعة ومُقتضبة للوضع السياسي العالمي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة والثنائية القطبية التي حكمت النظام العالمي .
الجزء الثالث :
لقد تميزت عموماً مرحلة ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وحلف وارسو بتراجع الحركة الاشتراكية العالمية ليس فقط على صعيد النفوذ في المسرح السياسي العالمي ودعم استقلالية وتحرر العديد من دول العالم الثالث والمساهمة في تنمية اقتصاد ياتها ومشاريعها الانمائية , بل أيضاً على صعيد الانتشار التنظيمي والتعبوي للاحزاب اليسارية والتطور الفكري والآيديولوجي للماركسية ولحركة اليسار العالمي عموماً .... وقد سادت الاحادية القطبية لمنظومة الغرب خلال هذه المرحلة التي دامت لما يقرب من عقدين من الزمن .. الى أن انتهت مع بروز روسيا ومن خلفها الصين ومنظمة البريكس بقوة على المسرح السياسي العالمي لوضع حدٍ للتفرد والعربدة الغربية في مجلس الامن وفي التعامل مع الملفات الدولية الساخنة .. وبالتالي وضع حدٍ لسيطرة منظومة الغرب الامبريالي بقيادة الولايات المُتحدة وبريطانيا وفرنساعلى النظام السياسي العالمي .. حيث سخرت الامبريالية العالمية في تلك المرحلة هيئة الامم المُتحدة ومجلس الامن وأهم الجهات القضائية والمحاكم الدولية والمنظمات الحقوقية والانسانية لخدمة أجندتها ومصالحها السياسية وتبرير عدوانها العسكري على بعض دول وشعوب العالم التي لا تدور في فلكها أو تُعارض سياستها وعمدت الى سياسية التفرد والعربدة واللجوء الى القوة العسكرية ليس فقط لفرض الهيمنة , بل أيضاً لحل الصراعات والخلافات الدولية في ظل الغياب الكامل للثنائية القطبية والسلوك المُحايد للمُؤسسات الدولية وغياب الدور الفاعل لقوى الاشتراكية العالمية .
وقد شهدت جمهورية الصين الشعبية باعتبارها القطب الاشتراكي الرئيسي بعد الاتحاد السوفييتي بعض التحولات الاقتصادية منذ عام 1978 والتي تم إقرارها خلال المؤتمر الحادي عشر للحزب الشيوعي الصيني .. ولكن تم تجميدها لمدة عامين بعد اندلاع الاضرابات الشعبية بسبب الارتفاع الكبير في الاسعار ومعدلات التضخم عام 1989 ... ومع حلول عام 1992 بعد سقوط الاتحاد السوفياتي تم تعديل التحولات الاقتصادية على أساس التمسك بالثوابت الاشتراكية للاقتصاد الصيني مع دمجه قدر الامكان بتحولات تتناسب مع الاقتصاد الرأسمالي وتوجهات السوق العالمية التي تأثرت الى حدٍ كبير بموجة العولمة التي سيطرت على التجارة والاقتصاد العالمي .
وهنا من المهم جداً أن نلاحظ أن من أهم ما أنتجته مرحلة نهاية الثمانينات وتحديداً عشية انهيار الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية, كان ظهور النيوليبرالية كآيديولوجية اقتصادية واجتماعية في منظومة الغرب الرأسمالي, والتي تُؤمن حسب مُنظري النيوليبرالية أو اللبرالية الجديدة أفضل الوسائل لتحقيق السعادة والرخاء وإطلاق الحريات والمهارات والطموحات لافراد المجتمع في المجتمع الرأسمالي لتحقيق أهدافهم الاقتصادية في أطارمُؤسساتي يضمن الحقوق المُطلقة للافراد بالملكية الخاصة, في إطار من اقتصاد السوق المُحرر من أية قيود قد تفرضها مُؤسسات الدولة .. والتي يقتصر دورها في هذه الحالة (اي الدولة) فقط في حماية الاطار الهيكلي للاقتصاد النيوليبرالي والحفاظ عليه .. بما في ذلك تأمين وحماية قيمة العملات المُتداولة وعمل الاسواق بالشكل المُلائم وأنشاء مُؤسسات قضائية وقانونية مدعومة بنظام أمني من المُؤسسات العسكرية والامنية لتأمين حقوق الملكية الخاصة لاصحاب الثروات ومالكي المُؤسسات الانتاجية والاستثمارية والتجارية .. وفي حال عدم وجود خدمات أو أسواق خاصة لتقديم الخدمات في حقول التعليم والصحة والضمان الاجتماعي وتأمين المياه والكهرباء وتنظيم الاراضي ...الخ فيُمكن لمُؤسسات الدولة في هذه الحالة أن تقوم بتأمين هذه الخدمات دون أن تتدخل فيما عدا ذلك في أيٍ من قضايا السوق والانتاج والاستثمارات .
وكانت هذه المرحلة قد شهدت أيضاً تقدماً هائلاً في تكنولوجا المعلومات والاتصالات وسرعة انتقالها وتداولها , لتُصبح بذلك من أهم وأضخم الصناعات الحديثة التي تجازو راسمالها ما يزيد عن ثلاث تريليونات دولار ... كما سيطر على الاقتصاد العالمي ما عُرف بظاهرة العولمة في التجارة الحرة وحركة الاعتمادات الدولية المُتبادلة وظهور المؤسسات الاقتصادية والانتاجية والشركات العملاقة مُتعددة الجنسيات الفاعلة بقوة على الصعيد العالمي ... وهنا ترافق عالم الاحادية القطبية والنيوليبرالية بظاهرة العولمة التي تتجاوز تأثيراتها السلبية الحدود الجغرافية الى مختلف القارات ودول العالم التي تُعاني منها المجتمعات البشرية ولا سيما في العالم الثالث مع انتشار الفقروالتخلف والامراض وتلوث البيئة والتضخم في النمو السكاني .... الخ .. وهنا من المهم أن نلاحظ أن النظام السياسي العالمي في ظل غياب المنظومة الاشتراكية وامتلاك الدول الراسمالية والصناعية الكبرى لمقومات التقدم الصناعي ومختلف القدرات العلمية والتكنولوجية أصبح يتمايز على نحوٍ صارخ بين مختلف مكوناته .. وهنا لم يقتصر الامر على التباين الشديد في القدرات الاقتصادية والامكانيات الصناعية والتكنولوجية بين الدول الصناعية المتقدمة والدول المُتخلفة في العالم الثالث , بل أيضاً في التبعية والنهب والاستغلال في كافة المجالات بين الشمال الصناعي المتطور والجنوب الفقير المُتخلف .
إذأً مع سقوط الاتحاد السوفييتي على نحوٍ سريع بعد التحول أو بالاحرى الانقلاب اليميني المُدمر الذي قاده غورباتشوف بغباء في نهاية الثمانينات مستفيداً من الاخطاء المُتراكمة للتجربة الاشتراكية التي ساهمت في حدوثها وتفاقمها بالتأكيد النخب السياسية والبيروقراطية في النظام السوفياتي ودول أوروبا الشرقية .. أخذت (مع هذا السقوط المُدوي للمنظومة الاشتراكية) وعود اللبرالية الاقتصادية الصاعدة في الغرب الرأسمالي تُسيطر على المناخ السياسي والاقتصادي في العالم مع ترسيخ واضح لنظام الاحادية القطبية .... ولكن ذلك لم يدم طويلاً مع اندلاع الازمة المالية والاقتصادية العالمية المُدمرة عام 2008 والتي شكلت في واقع الامر خللاً هيكلياً وانهياراً خطيراً في توازن وبنية الاقتصاد الرأسمالي الغربي وفشلاً واضحاً لما أطلق عليه بوعود الليبرالية الاقتصادية التي تبنتها النخب السياسية والطبقية العليا في الغرب ... وهذه الازمة الخطيرة في بنية الاقتصاد الرأسمالي تحت راية اللبرالية الجديدة شكلت في واقع الامر بداية النهاية للاحادية القطبية والهيمنة الامبريالية المُطلقة على النظام العالمي .... حيث شهدت السنوات التي أعقبت هذه الازمة ليس فقط صعوداً سياسياً قوياً للقطبين الروسي والصيني , بل أيضاً تحالفاً وتنسيقاً سياسياً واقتصادياً وعسكريا بينهما في إطار منظمة البريكس التي تشكلت من أربع دول صاحبة النمو الاقتصادي الاكبر في العالم بقيادة روسيا والصين ... حيث تم الاعلان عن تأسيس نظام عالمي ثنائي القطبية مع انعقاد مؤتمر القمة بين رؤساء الدول المُؤسسة لمُنظمة البريكس في حزيران 2009 .