بَيْن عِراقَيْن

جعفر المظفر
2018 / 12 / 21

بَيــْن عِــراقَيْن
جعفر المظفر
لنقف أمام فلسفة (الماننطيها, اي الماأنطيها) التي حكم المالكي العراق من خلالها لفترة ثمانية سنوات وكان يتطلع من خلالها أن يكون العراق مالكيا تماما مثلما حاول صدام أن يجعله صداميا. الفرق بينه وبين صدام حسين أن هذا الأخير لم يكن بحاجة إلى أن يكذب ويلف ويدور فيما يخص فلسفة السلطة, فبعد ان حسم موقعه في الحزب وتمكن من السيطرة على أدوات القوة فهو لم يتردد عن إعلان العراق دولة خاصة به (عراق صدام حسين). وكان الذي خَدَمَهُ, على طريق جعل ذلك مستساغا, الخطاب البعثي الذي يعطي للفرد مكانة متميزة على حساب مفهوم الديمقراطية الليبرالية (عصر البطولة).
إن هذا الخطاب لم يكن خاصا بالبعثيين وحدهم بل كان من صلب ما سمي بالخطاب الثوري الذي تقاسمته الحركات السياسية في العالم في مراحل سابقة, وهي حركات كانت تؤمن بالدكتاتوريات الثورية وترى أن الديمقراطية اللبرالية هي فلسفة إستعمارية مخادعة.
إن عودة سريعة إلى مرحلة الخمسينات ستنبئنا أن ثورتين أو إنقلابين على الأقل كانا قد تأسستا إلى حد ما على رفض واضح لقضية الديمقراطية اللبرالية لإعتبارها تجربة كواليس تعتمد الخديعة والكذب والمراوغة والخداع. الإنقلابان حدثا, الأول في مصر عام 1952 بقيادة جمال عبدالناصر والثاني في العراق عام 1958 بقيادة عبدالكريم قاسم.
ولم يكن ذلك قد جرى بمعزل عن تقسيم عالم ما بعد الحرب الكونية الثانية إلى معسكرين رئيسين هما المعسكر الغربي (الإستعماري) والمعسكر الشرقي (الإشتراكي الثوري - الشيوعي) ثم اضيف إليهما معسكر ثالث هو معسكر عدم الإنحياز (الحياد الإيجابي), والذي تأسس في مؤتمر باندونغ (1955) وكان
أبرز المشاركين فيه أحمد سوكارنو (أندونيسيا) وشوان لاي (الصين الشعبية) وجمال عبد الناصر (مصر) وجواهر لال نهرو (الهند).
معظم هذه الدول, ما عدا الصين الشعبية, كانت تبحث عن طريق إجتماعي ثالث وليس عن طريق سياسي فحسب,. وما عدا الهند (الديمقراطية) بشكل أساسي والصين (الشيوعية) فإن أغلب الدول المشاركة وفي المقدمة منها يوغسلافيا ومصر كان تتبع طريق (الدكتاتوريات الثورية), وبعد ذلك وجد العراق نفسه بعد ثورة 1958 ضمن المنظومة الدولية للحياد الإيجابي والمنظومة (الثورفردية) على صعيد نظرية الحكم, أي تلك التي تعطي دورا تاريخيا متميزا للبطل الفرد على حساب حكم المؤسسات.
لقد ظل العراق يتنقل ضمن مساحة الدكتاتوريات الثورية منذ عام 58 وحتى عام 1979. بعدها دخل على يد صدام حسين مرحلة يمكن تسميتها بمرحلة (الإقطاعية الثورية) وهو عنوان أردت منه أن يستوعب ملامح تجربة حكم كانت على درجة شديدة من الخصوصية, تجربة راعت المزاوجة ما بين الحزب والقبيلة.
إن المتفحص لتلك التجربة سيتعرف على أنها كانت مزيجا من حكم الحزب وحكم القبيلة, أما صدام فقد كان يبدو مثل شخص برأسين, الأولى لرئيس حزب والثانية لشيخ قبيلة لم تكن حققت نقلتها النهائية من البداوة إلى الريف فجاء صدام نفسه لكي يجسد حالتها غير المحسومة ما بين قيم الريف وقيم الصحراء. وفي بعض حالاته, الإجتماعية وحتى السياسية, بدا صدام وكأنه يعيش حالة صراع ما بين المدينة والبداوة, وكان هذا الصراع غالبا ما ينتهي لصالح الأخيرة.
ومع وجود المخلوق ذا الرأسين المتخاصمين كان من الطبيعي أن تقع الدولة في مأزق الإزدواجية الخانقة.
وكان من المستحيل التوفيق بين الرأسين المتنافرين دون مشاكل حقيقية أهمها تراجع مكانة الحزب وحتى تآكلها لصالح مكانة القبيلة وسيادة عقلية الغزو التي ظهرت واضحة حتى على صعيد إجتماعي داخلي من خلال ممارسات ابناء العشيرة الذين كانوا يتصرفون بمنطق المنتصر على المجتمع لا بمنطق قيادته.
أما صدام فكان يتدخل أحيانا حينما يرى دولته وهي تترنح أمام ضربات أبناء عشيرته لكي يعيد لمعادلة الدولة القبيلة توازنها وتوافقها. يقال أن عراقيا إشتكى لصدام عدوان أحد أبناء القبيلة عليه فما كان منه إلا وحكم على إبن قبيلته بسنتين سجن لأنه إعتدى على المواطن ثم حكم على هذا المواطن بستة سنوات لأنه تجرأ وإشتكى على إبن القبيلة, أما محاولة إظهاره وكأنه كان عادلا مثل عمر بن الخطاب في ما خص وقتها جريمة قتل مرافقه كامل حنا من قبل إبنه عدي فقد جاء تضخيمها آنذاك لكي يلبي حاجته بعد توقف الحرب العراقية الإيرانية إلى موضوعة مركزية تملأ الفراغ الذي تركته نهاية تلك الحرب.
لكن وسط كل ذلك وما رافقها من تداعيات مهينة فإن صدام لم يكن مضطرا للكذب بشان توصيفه لمشهده القيادي بل لعله كان فخورا بقدرته على تمثل الحالتين في نفس اللحظة وكأنه يقدم طبعة جديدة لنظرية الحكم, فهو لم يكن بحاجة إلى التخفي كزعيم قبيلة في ثياب القائد الحزبي بل نراه وقد حاول أن يقدمهما معا في شخصية واحدة. وبسبب ذلك كان من الطبيعي ان يعاني ثوبه من تشققات واضحة لأنه غير مصمم لكي يلبسه شخصان في وقت واحد.
مع نوري المالكي الأمر إختلف كثيرا. في عام 2003 وجد حزب الدعوة نفسه في مأزق تاريخي مهين. وما كان بإمكان خطابات الجعفري التائهة المعاني والمفردات أن تغطي على حقيقة توصيف الدعوة كحزب متعاون مع الإحتلال فعاد هذا الحزب إلى العراق على ظهر حصان هزيل.
لقد جعله ذلك يعيش أزمة ثقافية واخلاقية وسياسية خانقة لم يكن بإمكانه منع تداعياتها على سلوك أعضائه أولا وعلى عموم ممارسته بعد ذلك حينما قدر له أن يتبوأ مركز قيادة السلطة والدولة الجديدة.
إن الفساد الذي إنتشر مثل الوباء في مؤسسات الدولة لم يكن غير حالة إنفلات لا أخلاقية سرعان ما حولت الملالي إلى مجرد لصوص.