التقوقع الفكري لدى العرب

محمد حسن البشاري
2018 / 12 / 21

هذه الظاهرة الغريبة العجيبة على الانسان العادي والتي لم يستطع العرب الفكاك منها الى الان على الرغم مما وقع من نكبات ومآسي على هذه الشعوب على مر التاريخ ومن محاولات التحديث الفردية سواء على مستوى النخب الحاكمة ومن أهمها محاولة محمد علي في مصر أو على مستوى النخب الثقافية والديبلوماسية ومن أهمها محاولة حسونة الدغيس ( 1778-1836) في ليبيا التي لم يسمع عنها الكثير من العرب بل وحتى من الليبيين عنها ثم في مصر على يدي أحمد لطفي السيد وطه حسين ومجايليهم.
فهذه القناعة الغريبة الموجودة لدى الشعوب وغالبية النخب السياسية والثقافية العربية والتي يكررونها كلما المت بنا مصيبة أو كلما تذكرناها مثلما نفعل في هذه الايام ازاء الذكرى المئوية لوعد بلفور فقد ظهرت علينا الكثير من الكتابات والتسجيلات المرئية يكررون علينا بأننا كنا الأفضل وأن ما نحن فيه من تخلف كان نتيجة لتآمر الغرب علينا الذي لم ولن يتركنا في حالنا الا بعد القضاء علينا قضاء مبرما وأكبر دليل على ذلك (على سبيل المثال لا الحصر) الحروب الصليبية وما نتج عنها من احتلال القدس لمدة طويلة من الزمن ثم تحريرها على يدي صلاح الدين ثم الاستعمار الغربي لمعظم الدول العربية والاسلامية واتفاقية سايكس بيكو ووعد بلفور والنكبة الفلسطينية وغزو افغانستان والعراق والربيع العربي الذي تحول الى شتاء قارص البرودة في ليبيا وسوريا واليمن تحديدا ونجت منه بأعجوبة بالغة مصر وتونس.
ويغيب عنهم أن الحروب الصليبية وقعت في القرون الوسطى وجرت وفقا لعقلية تلك القرون والتي كانت تحكمها باسم الدين ملكيات وأمبراطوريات تتوارثها أسر جيل بعد جيل ولكن الغرب تعافى من هذه الحروب الصليبية و الحروب الدينية فيما بينهم بصلح وستفاليا عام 1648 واقراره لمبداء الوطنية عوضا عن مبداء الدين في الحكم وتعزيز ذلك بالثورة الامريكية عام 1765 واستقلالها عن التاج البريطاني واقرارها للنظام الديمقراطي والذي يعتبر بحق أهم انجاز انساني على مر التاريخ ومن أهم مظاهره التداول السلمي للسلطة وفصل الدين عن الدولة ثم الثورة الفرنسية عام 1789 وما أحدثته من زلزال في أوروبا وفي العالم حتى أنها أمتدت الى مصر فاحتلتها وفتح المسلمون والعرب عيونهم على الحضارة الغربية واكتشفوا المدى السحيق الذي بلغوه من التخلف وعلى الرغم من ذلك لم يتعافى العالم الاسلامي منه حتى مع انهاء الخلافة العثمانية والتي بدأت في الأنهيار مع مطلع القرن العشرين وتأجيج بريطانيا للنزعة العروبية وزعيمها الشريف حسين الذي خذلته بأتفاقية سايكس بيكو ثم بدعمها لجماعة الاخوان ثم حدثت النكبة الفلسطينية وما أدت اليه من أنهيار للملكيات العربية بدأت أولا مع مصر التي تزعمت هذه الشعوب البائسة باسم القومية العربية وأنتهت بهزيمة 1967 المشينة وأنتشى التيار الاسلامي ليحل بديلا عن القومية لينتج القاعدة وداعش واخواتها.
وكانت الحكومات الوطنية في هذه المنطقة وبالا عليها وعلى شعوبها أكثر بكثير من الاستعمار الغربي الذي لم يخرب هذه البلدان وضمائر شعوبها كما خربتها هذه الحكومات فامتد الفساد ليشمل كل شئ بداء من التعليم والقضاء وحتى الدين وليتجذر في النفوس والعقول وتتربى اجيال بعد اجيال عليه لينعدم الشعور الانساني وليس الوطني فقط من الافراد والجماعات ويسعى كل فرد مهما علا وارتقى في الوظيفة او المنصب لتحقيق مصلحته الشخصية الآنية الضيقة باي ثمن ولو كان على حساب الوطن برمته.
أما عن اتفاقية سايكس بيكو فما الذي توجب على المستر/ مارك سايكس و مسيو/ فرانسوا جورج بيكو الموظفين في الحكومة البريطانية والفرنسية ازاء أملاك الخلافة العثمانية المهزومة في الحرب العالمية الاولي ؟ اليس القاعدة الازلية في الحروب سواء في الشرق او في الغرب هى ان يقتسم المنتصرون الغنائم ؟ فواجب هذه الحكومات وكل من يتولي مسئولية في الدولة هو تحقيق المصلحة الوطنية العليا حتى ولو كانت على حساب الدول الاخرى سواء في الغرب او في الشرق وهذا المبداء هو الذي كان وراء هذه الاتفاقية ولم تكن وراءه اي بواعث اخرى من مثل محاربة العرب ونهضتهم او محاربة الاسلام لانهم مسيحيون فالغربيون في عمومهم لا دينيون او ملحدون ولا يعتبرون الدين المسيحي الا مظهرا فلكلوريا ضمن الارث الثقافي لشعوبهم يجب عليهم ان يحترموه وبنفس الطريقة ينظرون الى الاسلام ويعجبون من سلوك وطريقة تفكير العرب سواء كانوا مسيحيين او مسلمين.
أما وعد بلفور فهو لا يعدو عن كونه رسالة من وزير الخارجية البريطاني الى أحد مواطنيه تحتوى على 14 سطرا في صفحة واحدة وليس لها اي الزام قانوني فلماذا تحولت هذه الرسالة الى حدث جلل نتذكرها عاما بعد عام ونعلق عليها كل هزائمنا في فلسطين؟ فالهزائم التي منى بها العرب كانت ولا تزال هزائم ثقافية حضارية قبل أن تلحقها الهزيمة العسكرية.
فالعدوان الثلاثي الحقيقي على العرب هو تحالف النخب السياسية والثقافية والدينية مع ثالوث الجهل والفقر والمرض ضد شعوبهم وأوطانهم.
لقد استغل هؤلاء النخب ومن وصل الى السلطة عبر إنقلاب أبيض او أحمر نظرية مؤامرة الاستعمار ليحكموا قبضتهم على هذه الشعوب البائسة وليشيعوا بانهم هم المنقذون لهم من هذا الوحش الذي يتربص بهم من عبدالناصر الى صدام الى القذافي وغيرهم ومن العجيب الغريب في ان يؤيد الكثير من النخب العربية الثقافية والتي تعيش في الغرب تحديدا هذا التوجه ولا يلقون بالا للتغيرات التي حصلت في العالم وتحديدا في الغرب منذ نابليون وسايكس بيكو الى الان فالغرب يتغير يوميا في كل شئ بداء من السلوك اليومي وطريقة وموضة اللباس والاكل ووسائل التواصل للأفراد العاديين الى القناعات الفكرية والفلسفية الى العقائد والايديولوجيات للنخب الثقافية والسياسية والدينية وهذا التغير هو مربط الفرس وأساس تقدمهم وتخلفنا والشئ الوحيد الثابت لديهم هو التمسك بالديمقراطية وسعادة المواطن الانسان لا سعادة الحاكم.
وبأختصار فكل ما وقع على العرب من نكبات هو من فعل ايديهم اولا وقبل كل شئ وثانيا فان كل انجاز في الغرب او في الشرق هو انجاز للبشرية جمعاء سواء كان في الطب او الهندسة او في الفلك او السياسة والفلسفة أوفي غيرها من العلوم والفنون ويجب على العرب الاخذ بها والبدء من نهاية ما وصل اليه التفكير والابداع البشري في كل المجالات وأهمها على الاطلاق الديمقراطية الغربية بكل ما تشمله من تداول سلمي للسلطة وفصل الدين عن الدولة وحقوق الانسان وغيرها من مبادئ العدالة والحقوق والواجبات.

بنغازي 20/ديسمبر/2018