ابحثوا عن مسئولية الدولة في الجرائم الإرهابية.

سعيد الكحل
2018 / 12 / 21

بداية ينبغي التنويه بجهود الأجهزة الأمنية في الكشف عن منفذي "عملية شمهروش" الوحشية التي قلت فيها سائحتان شر قتلة . كما ينبغي التذكير بأن هذه الجهود مهما تكثفت وتضافرت فهي تتصدى للنتائج وليس للأسباب التي تنتج الإرهاب والبيئة التي تفرخ الإرهابيين . وهذا الذي يفسر انفلات إرهابيي مراكش من كل مراقبة أمنية .من هنا نجد أنفسنا أمام سؤال مركزي: ما هي عوامل صناعة الإرهابيين ؟ أي كيف يتم إنتاجهم وتحويلهم إلى إرهابيين ؟ فالإرهابيون لم يولدوا إرهابيين بل صاروا كذلك . لذا وجب التصدي للعوامل التي حولتهم إلى إرهابيين ، أي تجفيف منابع التطرف والإرهاب . فقتلة السائحتين ليسوا أجانب تسللوا إلينا ، بل هم أبناء جلدتنا يعيشون بيننا لكن حولتهم عقائد التكفير وفتاوى القتل والكراهية إلى قتلة همجيين . فما مصدر هذه العقائد والفتاوى ؟
لقد وفرت الدولة ، منذ الثورة الخمينية ثم "الجهاد الأفغاني" كل الظروف المادية والسياسية والقانونية لإيجاد بيئة فكرية وثقافية مناسبة لاحتضان فقه التكفير وعقائد القتل باسم الجهاد . كانت حسابات الدولة ، من جهة ، مواجهة الثورة الخمينية بتشجيع التيارات الدينية التكفيرية ، ومن أخرى الانخراط في الإستراتيجية الأمريكية لمواجهة الاتحاد السوفييتي على أرض أفغانستان .وكان من نتائج الحسابات الخاطئة للدولة تفجيرات 16 ماي 2003 الإرهابية بإشراف وتخطيط العائدين من "الجهاد الأفغاني" . خلال تلك الفترة الممتدة من 1978 إلى 2003 ، رخصت الدولة لعشرات دور القرآن التي يشرف عليها التيار التكفيري ، ومكّنت دعاة التطرف من منابر المساجد وفتحت الأبواب للغزو العقدي والإيديولوجي التكفيري لملايين الكتب والأشرطة والأقراص المدمجة التي تحرض على الكراهية والتكفير والقتل . كما سمحت الدولة بالدعم الخارجي لتفريخ الجمعيات المرتبطة بالتيار التكفيري على امتداد التراب الوطني .
أحداث 16 ماي الإرهابية كان من المفروض أن تقنع الدولة ، أولا بخطأ الرهان على التيار التكفيري في مواجهة التيارين الشيعي والاشتراكي .ثانيا ، بالتصدي الحازم لمنابع الإرهاب الفكرية والعقدية . إلا أن الدولة ظلت مترددة في تجفيف هذه المنابع مكتفية بالمقاربة الأمنية التي تركز على تفكيك الخلايا الإرهابية عبر الضربات الاستباقية . وهذه المقاربة تعالج النتائج دون الأسباب . وأية مقاربة أمنية ، مهما كانت فعاليتها ، لا يمكنها منع تنفيذ العمليات الإرهابية منعا تاما . فالإرهاب ليس كمثل الجريمة المنظمة ، يكفي تفكيك الشبكات لمحاصرة الأنشطة أو القضاء عليها . ذلك أن الإرهاب هو ثمر عقائد دينية تنتجها وتروجها تنظيمات وأطراف ودعاة وشيوخ ، من داخل مؤسسات الدولة ومن خارجها . ومادامت جهات معينة تنتج وتروج عقائد التكفير فحتما سيكون لها أتباع يحملون تلك العقائد ويعملون على تطبيقها.
إذن مسئولية الدولة لا تنحصر في المقاربة الأمنية وتفكيك الخلايا الإرهابية رغم أهمتها ، بل أساسا في التصدي لمصادر ومروجي العقائد التكفيرية . وهذا يستوجب على الدولة :
1 ــ إصدار قانون يجرّم بشكل صريح التكفير ويشدد عقوبته .
2 ــ القطع مع الموروث الفقهي الذي يكفّر غير المسلمين ومصادرة المراجع والكتب الفقهية التي تضم هذا الموروث التكفيري أو تروج له .
3 ــ إلزام المجلس العلمي الأعلى بالتراجع عن فتوى قتل المرتد والانخراط في اجتهادات فقهية منفتحة على القيم الإنسانية والمواطنة وحقوق الإنسان . أي أنسنة الفقه الإسلامي .
4 ــ مراجعة المقررات والبرامج الدينية في التعليم والإعلام والمعاهد الدينية والمدارس القرآنية بما يقطع مع فقه التكفير والقتل وعقائد الولاء والبراء ويكف عن تفضيل الإسلام عن باقي الأديان الأخرى .
5 ــ إغلاق كل المدارس القرآنية التي لا تشرف عليها مباشرة وزارة الأوقاف لأنها بؤرة خطيرة من بؤر التطرف والكراهية .
6 ــ إحداث هيئة عليا مختلطة مهمتها إنتاج خطاب ديني عصري يساير حركية المجتمع ويرقى بالوعي العام للمواطنين يجعلهم يشعرون أنهم جزء من الإنسانية يقاسمونها نفس القيم النبيلة .
7 ــ محاكمة كل الأفراد والهيئات التي تروج لخطاب الكراهية وفقه التكفير .
8 ــ منع خطباء الجمعة من الدعاء على اليهود والنصارى والكفار والإشادة بالجهاد ونصر المجاهدين في مشارق الأرض ومغاربها.
9 ــ حل أي حزب أو هيئة تتحدث باسم الدين أو تزعم احتكاره أو الدفاع عنه .
إن استمرار الدولة في التغاضي عن الفتاوى التكفيرية التي ينشرها دعاة التطرف ، أو التغاضي عن أنشطة جمعيات دعوية متطرفة ، أو التساهل مع أصحاب التدوينات التكفيرية أكانوا مسئولين في الدولة أو أعضاء في أحزاب سياسية أو مواطنين عاديين ، هو تشجيع للمتطرفين على استقطاب الضحايا وتجنيدهم لتنفيذ العمليات الإرهابية . إذن فالدولة مسئولة عن الأمن الروحي والفكري للمواطنين ، وأي تقصير يجعلها مسئولة عن الأنشطة والعمليات الإرهابية .