صديقي الفلسطيني

هيثم بن محمد شطورو
2018 / 12 / 20

ـ أنت البعثي الوحيد الذي أحترمه.
الحقيقة أني كنت أعتبر الفلسطينيـين تونسيـين في الضفة الاخرى من البحرالابيض المتوسط. الفلسطيني خلافا لبقية العرب دمه خفيف و مشاكس ومغامر عاطفيا.
كان نـقاشا حادا بـينـنا في سيارة الأجرة حيث أصر هو على كون "صدام حسين" مجرد دكتاتور دموي، بينما بينت له المشروع السياسي الكبير الذي يحمله و المتضمن لمشروع تـثويري عربي كبير. توقـفت سيارة الأجرة في قـلب شارع السعدون الشهير في بغداد. لم تكن لنا وجهة محددة حتى مررنا بجانب سينما "سميراميس"، و حينها جذبنا فيلم يجمع بين "مايكل دوغلاس" و "شارون ستون" الى داخل القاعة ليتم كل منا تحوله المؤقت عن الواقع.
ـ يا زلمة اكـتـشفت انه "مايكل" هذا من المستحيل انه يكون ابن زنا مثل بقية الامريكان...
لم اكن لأرد على أسامة بالقول انه الشيوعي الوحيد الذي أحترمه لأننا لسنا في موسكو في عهد "ستالين" أولا، و ثانيا أن صورة "لينين" محفورة في قلبي بإحساس ربيعي دائم و وجه "غيفارا" يضيء في قلبي دوما بنور الانبياء و هو ذاك الاحساس بالحب المتطابق مع الذات روحا و عقلا و وجدانا. فالاشتراكية دين و ليست مجرد رؤية اقتصادية. انها المساواة و الحب و الحقيقة و الفكر و الثـقافة التـقدمية التضامنية. أعني في كونها المشروع او الطريق لتحقيق مجمل هذه القيم المتضمنة فيها كروح خالدة، و لذلك أكثر ما يغيظني في "ماركس" هو إفـقاره لها من هذا الجانب الروحي الكبير بإصراره على كلمة "المادية" الجوفاء بدون نار و بدون أعمدة تربطها بالسماء..
و الحقيقة ان "اسامة" يقصد البعثي المدرسي الفكري الأصلي الذي يحترمه، مقابل البعثي الصدامي الذي يعتبره انحرافا عن البعث و تحويل له الى الصنمية..
كان تحديد تلك المفاهيم او الهوية ذات مساء في بلكونة شقـته المطلة على شارع الامام علي بمدينة "الحلة" التابعة لمحافظة "بابل". كانت جلسة شحنها تيار "الويسكي" و النقاش المطول بيني و بينه، ثم التحق بنا "شكري بالعيد".
حدثـنا أسامة عن تجربته في اليمن. حدثـنا عن جمال صنعاء و جمال تلك البنايات ذات اللون الأحمر التي لازالت تردد صدى مملكة سبأ، بل تطوف فيها أحيانا الملكة بلقيس بشعرها الغزير المنساب بين السماء و الارض. حدثـنا عن بعض الاحداث مع اشقائنا اليمنيـين الطيـبـين جدا برغم جمود حياتهم الاجتماعية المثـقـلة بتـقاليد صخرية جاثمة على صدورهم الهزيلة.
كان "شكري" قد زار اليمن كذلك و تحديدا اليمن الجنوبي حين كان شيوعيا. حدثـنا عن الاحداث السياسية العاصفة و عن دقائق المؤامرة الرجعية التي ساهم فيها "صدام حسين" و التي استهدفت في النهاية التـقدم لليمنيـين.
و كنا نلتحق بالجامعة صباحا و نحن مثمولين أحيانا و لكن بلا ريب فقد كانت سويعات المحاضرات عبارة عن انتكاسة الى سنوات الثانوية الاولى في تونس، فالدراسة في اقسام و ليس في قاعات محاضرات كبيرة، كما ان الحضور إلزامي، اضافة الى تحديد دور الطالب في حفظ ما يسمى "المقرر" و هو الكتاب الذي تعده الوزارة، و الامتحانات على شاكلة اسئلة متعددة تجيب عليها وفـقا لما ورد في المقرر. دراسة جامعية تخلو من البحث الحر و هي تـقوم على التـلقين و الحفظ.
كانت الفتيات تجلسن في الصفوف الأمامية و الفتيان ورائهن. يُخيل لك انه تميـيز ايجابي لصالح الانثى المحاطة بالرعاية و الأسبقية. ربما الأمر كذلك فعلا و لكنه في اطار عـقـلية ذكورية حمائية. منذ البداية جلست الى جانب فتاة فكنت كأني قد قمت بعمل ثوري حيث تحولت الى نجم دون قصد. واصلت الجلوس الى جانبها برغم لفت الانـتباه من البعض ان ذاك التصرف غير محمود. عرفت ان الاختلاط بين الجنسين لا يوجد إلا في الجامعة و ليس مثلنا في تونس، و لذلك فان الجلوس الى جانب فتاة يُعتبر أمرا غير عادي.
اسمها "نجلاء" من النجف، و كانت مغطاة بحجاب و روب فضفاض يمسح كامل جغرافية جسمها، و لكنها كانت جميلة و خجولة جدا. ذاك الخجل الذي فهمته في كونه خوفا كبيرا من مجتمع ذكوري. في الحقيقة نشأت علاقة حميمية بيننا و لكنها شبيهة بعلاقة أخوة. أتـناول أحيانا كراسها لأسجل ما فاتـني، كما أعطيها احيانا بعض ما أكتب و كانت تـناقـشني بجمال عقلي. فعلا هناك جمال عقلي يتساوق مع نظراتها الهادئة و روحها الطاهرة الزكية. فعلا ، "نجلاء" النجفية تبدو كأنها من سلالة مريم العذراء و لازلت الى اليوم برغم مرور ما يقارب العشرين سنة أحتـفظ بنـفس ذاك الاحساس الدافئ العذب نحوها.. كان ديالكتيكا روحيا معها لم يكن ليتجاوز المسألة الى أبعد من ذلك..
فالأبعد من ذلك كان من الممكن ان يكون في بغداد. في سكرتارية الطلبة العرب بحيث نلتـقي مع اللبنانيات و العراقيات و التونسيات و الفلسطينيات، أو في مقهى الحوار المجانب للسكرتارية. ذاك المقهى ذو الاقواس المتجاورة التي تضم في جوفها ممرا ذو عطفه. الممر يحتوي على فوهات الغرف الصغيرة ذات المقاعد الاسمنتية المفروشة و الطاولات الدائرية صغيرة الحجم. مقهى الشعراء و الكتاب و الممثلين و المسرحيـين و المخرجين و المثـقـفين و الطلبة. انه فعلا مقهى للحوار و انه فوهة برمته تخترق جدار الصمت.
كان لي فيه ذات لقاء مع صديقة اسامة العراقية المسيحية الشبيهة بالأوربيين في لباسها و رشاقتها و نبل محياها. أصر صديقي أسامة على لقائها بي و ما ان جلسنا حتى قال لها بابتسامته الشيطانية الرائعة التي لونت وجهه الاسمر الجميل بضياء مرح :
ـ الآن أنت في حضرة أعظم شرشحة للدين لن تـنسينها في حياتك..