حبة زيتونة

جوزفين كوركيس البوتاني
2018 / 12 / 19

غاصت زيتونة خضراء في قاع الكأس.وغصت أنا في قاعي.باحثة عن أجوبة. لأسئلة طرحها هذا الرجل الغريب.لماذا لم تصمدوا في مكانكم؟ .لماذا لم تتحدوا وتقفوا في وجه سارقيكم.؟
لماذا الشيء الوحيد الذي إتقنتموهُ هي الهجرة. وصبرأيوب في محطات الأنتظار في المدن التي تدعي أنها مضيفة ولومؤقتا.تنفقون تحويشة العمر في طابور الانتظار. بعد أن تستهلككم المنظمات التي تحطم أمل العودة في صدوركم. وبأسم حقوق الأنسان تقوم بقلع الأنسان من جذوره.لتزرعه في مكان هيئ مسبقا له. برأيك هل هذا حقوق الأنسان وهل حلم الأنسان أن يرسل إلى بلد أخر بدل أن تقدم له الحماية وهو في بلده معززا ومكرما.؟
أسئلة محيرة. كمن يسأل (الشيطان منو بزرو.والبحر منو حفروا) وأنا غارقة كحبتي الخضراءالغارقة في كأس شراب مارتيني المطعم بالليمون والملح.لا أعرف إن كنت ثملة أم الخجل عقد لساني. أمام هذا الجالس قبالتي.هو لم يمدح نفسه كباقي الرجال.ولم يشبه نفسه بالديك الملون.كان طيلة الوقت يمتدح زوجته التي فقدها أثر مرض العضال.تاركة له خمسة أبناء.ومضى على وفاتها أكثر من خمسة أربعين سنة .ولا يزال وفيا لها لقد أقسم على نفسه لن تدخل أمرأة بعدها بيته. رغم ان بيته يسع لعشرات النساء.كما فقتدك أنا في حرب خاسرة.حرب من أجل مصالح الأخرين.لا من أجل مصلحتناطبعاً. وهذه المرأة التي لاحقته لسنين طويلة وافقت أن تعيش معه بدون زواج المهم تكون معه.قال لي ساخرا.أحتفظت بها لأنها لصقت بي كما يلتصق السيكوتين بملابسك.أما أن تنام على وسادة زوجتي فهذا محال.ثم عرفني على نبتة زوجته المفضلة التي يعود تاريخها أكثر من خمسة وأربعين سنة. دهشت أول مرة في حياتي أرى نبتة عمرها خمسة وأربعين سنة دون أن تتحرك من مكانها.أضاف قائلا لقد أخبرت أبنائي.يمكنكم أخذ كل شيء من البيت إلا ما يخص والدتكم.فهو ملك لي وحدي. . والمرأة البديلة المغرمة به ساكتة طيلة الوقت وعلى وجهها أبتسامة لا هي ساخرة ولا ساحرة أو بالأحرى هي بقايا أمرأةحفنةعظام تطقطق في فستان أسود شفاف. وجه تعب ملامحها تقول في يوم ما كانت جميلة الجملات .ثم تفحصت صور العائلةهو يعرفني على أبناءه من خلال الصور الكثيرة الموزعة في كل أرجاء البيت واحدا واحدا من باب المجاملةفقط وبعدها قادني إلى
مكتبه الفخم والذي يطغي عليه اللون الأخضر. ثم قال لي بأسى هذه مكتبتها وهي من علمتني القراءة.ومن يومها وأنا مدمن على القراءة ولعبة الشطريج نادرا ما كنت أفوز عليها. وأنسى نفسي في لعبة الشطرنج.
قلت ومن خصمك اليوم في اللعبة.أشار إلى المرأة الجالسة بجواره بكل خشوع.قلت في سري لعلها دائما تجعله يفوز عليها وربما من أول خطوة يقتل الملك. لتمنحه شعور بالفوز المؤقت. لم تفوزبحبه على الأقل يفوز هو في اللعب. بعدها عدنا وجلسنا حيث كنا جالسين.على الأريكة وجرع بقايا مارتيني من كأسه.بعد أن تأمل صورة زوجته الموضوعة على طاولته.كأنه يقول لها قريبا سألحق بك.وحبة زيتونة عالقة في قاع كأسه.عالقة مثلي.شعرت بالدوار .قلت له جاهدة لأبدو طبيعية .لماذا تعيش مع أمرأة تصفها بالسيكوتين. وأنت رجل يمكنه إختيار أي أمرأة تريده نفسه.
ـ رد قائلاً في كل الأحوال أنا لم أفكر أن أبحث عن أمرأة لأحبها كما أحببت زوجتي. وهذه قبلت بي كما أنا.وأنا لم أرغمها على البقاء معي بأمكانها تغادر متى ما ملت مني ومتى ما تشاء.ثم سكت فجأة. وسكت أنا أيضا.ونسيت الرجل والمرأة الصامتة.وغصت في قاعي .باحثة عن الحقيقة التي أوهمتني أن القادم أجمل ولن أعثر سوى على أوهام.وبدأت أقارن بين عمر النبتة وعمري.الذي مضى بين الخيم والتنقل من مدينة إلى مدينة.مخاطبة نفسي الثملة المثقلةبالأوهام.ودون أن أسمعهُ ما أريد قوله لأن الذي أريد قوله لا يهمه.ولا يهم أمرأته الصامتة.أنا القادمة من قلب الحروب.من سوق الصفافير.من بلد يعج بتجار الخردة
إن نبتته الغالية عليه.لن تنتقل من بيت إلى بيت ولن تمر جيوش جرارة من أمام باب بيته لتزعزعهامن مكانها.ولم تقلق يوما عليها ولا على نفسك.كما أنك لم تهجر يوما مثلنا.لذا نبتتك عاشت بأمان.وأنا التي هجرت من قرية إلى المدينة ومن مدينةإلى مدينة وبعدها من دولةإلى دولةحتى وصلت إلى هنا.في حيك الجميل القديم الذي تحميه حكومة عادلة وحتى الملائكة أحسها تحرسكم. اي قوة هذه التي تجعل من أصص الزهور ونباتات الزينة تعمر وتعيش بثبات وأمان. آه ماذا دهاني هل آراني أغار من نبتة هل يعقل هذا أم أني ثملة.كم تمنيت أن أسأله لو لا سامح ألله عندهم حكومة مثل حكومتنا.ولو هجر مثلنا هل كان سيحملها معه أينما ذهب؟ و لوأسكن في خيمة هل كان سيحتفظ بنتته تلك.هل كان سيحملها على ظهره أينما تدير رأسه الحكومات الموقرة التي لم تجلب لنا سوى ثورات باطلة.وبعض أسماء لنبجلها فقط علما لو فكرنا مليا سنجد أنها هي من أوصلتنا إلى هذا اليوم المر.كم تمنيت لو أخبره عن عمي الذي قتلت زوجته التي كان يحبها بجنون قتلت غدراً .قتلت فقط لأنها زوجة رجل أعزل.وأن أحدثه عن عدد الأصص التي زرعتها وتركتها حيث هي تموت قبل حتى أن تبلغ سنة من عمرها. ولأنجو أنا.لكني لم أقل اي شيء.كل ما قلته له.أنت تحتفظ بالأشياء لأن لك حكومة تعرف كيف تحتفظ بكَ.ووطن يعرف قيمة شعبه قبل كل شيء.ظل ساكتا عرف ما قصدته بالضبط.ثم حان وقت العشاء وبعد العشاءغادرت المكان مخلفة ورائي لاعب محترف.وأمرأة تعد خسائرها بين حين والأخروغير نادمة على ذلك طالما الرابح حبيبها. ونبتة زينة عمرها خمسة أربعين سنة والغريب لن تتزعزع من مكانها..!