مَن الذي يغازلُ إسرائيل؟

فاطمة ناعوت
2018 / 12 / 18


كتب يقول: (عيد "حانوكا" اليهودي ينفع جداً يبقى احتفال للتوحيد.‏ يهوذا المكابي وقتها انتصر للتوحيد ضد الوثنية ولولا هذه الثورة ربما كان الشرق يعبد زيوس حتى اليوم.. ‏عيد سعيد).
كاتبُ تلك الكلمات، هو رئيس تحرير إحدى الصحف. ولم يتهمه أحدٌ بازدراء الأديان، بعدما نسب التوحيدَ ومحاربةَ الوثنية ليهوذا، وليس للأنبياء الصالحين: إبراهيم وموسى والمسيح ومحمد، عليهم جميعًا الصلاةُ والسلام. ولم يتهمه أحدٌ بمغازلة إسرائيل كذلك. لكن المضحك أن يخرج من تلك الصحيفة ذاتها، بضعُ صحفيين يتهمونني أنا "بمغازلة إسرائيل"؛ بسبب مقال كتبتُه عن العالِم المصري اليهودي "ريموند شينازي"، مكتشف علاج فيروس سي، الذي اعتمدته مبادرةُ الرئيس عبد الفتاح السيسي في حملة (مليون صحة) للقضاء على المرض الذي يفتك بأكباد المصريين. المضحكُ في الأمر، أن مقالي ذاك، مثل جميع مقالاتي وكتبي، كان مُعاديًا للكيان الصهيوني المحتلّ، ويمايزُ بين اليهودية (كعقيدة) وبين الصهيونية (كتوجه سياسي استعماري). اتصلتُ برئيس تحرير تلك الجريدة، شاكيةً له ما جرى، فاعترف لي بأنه لا يقرأ جريدته قبل الطبع! واستنكرَ ما فعله صحفيوه، لأنه هو نفسه سبق وهنأ اليهودَ بعيد "حانوكا" يوم 5 ديسمبر الحالي. ووعدني باعتذار رسميّ من الجريدة في اليوم التالي. ولم يأت الاعتذارُ، بل جنّد جريدتَه للتعريض بي، وتشويه اسمي مجدّدًا!
في مقالي: (يهودُ مصرَ المصريون)، بجريدة (المصري اليوم) بتاريخ (الخميس 13 سبتمبر 2018)، قلتُ إن: اليهوديةَ: (عقيدةٌ)، بينما الصهيونية: (فاشيةٌ سياسية استعمارية ). والمسيحية (عقيدةٌ)، فيما كانت الحروبُ الصليبية: (سياساتٍ استعماريةً)، مثلما الإسلامُ: (عقيدةٌ)، بينما الجهاديةُ والتكفيريةُ والإخوانيةُ والداعشيةُ، ليست إلا سياساتٍ إرهابية، نُسمّيها: (تيار الإسلام السياسي)، تحاربُه مصرُ ويحاربُه كلُّ مسلم عاقل ومتحضّر. لهذا: ليس كلُّ يهوديٍّ صهيونيًّا. وليس كلُّ مسيحيٍّ صليبيًّا، وليس كلُّ مسلمٍ إخوانيًّا أو جهاديًّا أو تكفيريًّا أو داعشيًّا. وأشدتُ في مقالي باليهود المصريين، الذين رفضوا قيام دولة إسرائيل في فلسطين المحتلَّة، ورفضوا الهجرة إليها. فأثبتوا انتماءهم لوطنهم مصرَ؛ بالقول والفعل. ومازالوا يعيشون بيننا على أرض مصر حتى اليوم، وتقلّص عددُهم حتى أصبحوا أربعة أشخاص فقط. وفي مقالي: (في المعبد اليهودي بالقاهرة )، بجريدة (المصري اليوم) بتاريخ (الاثنين 10 ديسمبر 2018)، أشدتُ بالبروفيسور المصريّ اليهوديّ "شينازي"، الذي خرج من مصر حزينًا مع والده في عمر الثالثة عشرة، لكنه عاد إليها عالمًا عظيمًا ليهديها دواءً يشفي مواطنيه المصريين من الفيروس القاتل. وحين سألته الإعلاميةُ "لميس الحديدي" في برنامجها: "لماذا خرجتَ من مصر؟" لم يشأ أن يخوض في المرارات التي لحقت باليهود المصريين بعد نشوء إسرائيل المحتلة في فلسطين، مثل حرق محالهم في مصر على يد الإخوان، مثل صيدناوي وشيكوريل وجاتنيو وغيرها بسبب الخلط الخاطئ بين العقيدة (اليهودية) والفاشية السياسية (الصهيونية). بل أجابها البروفيسور ببساطة وحزن: "ظروف سياسية!" وسرعان ما أشرق وجهُه بالابتسام وهو يستعيد ذكرياته طفلاً، على شاطئ الأسكندرية. فاحترمتُ في الرجل أنه لم يسمح للمرارة أن تُنسيه وطنَه وأبناءَ وطنِه، فعاد إلينا بالدواء الشافي في حملة الرئيس السيسي. وقلتُ إن المرارةَ لا تعرفُ حلوقَ النبلاء. المرارةُ لا تحتلُّ إلا نفوسَ الصغار.
أعتزُّ بهذين المقالين من بين آلاف المقالات والمحاضرات التي كتبتُها. لأنهما يؤكدان رسالتي التي أنفقتُ عمري في رحابها: "الدينُ لله، والوطنُ لمن يحبُّ الوطن." وحصد المقالان استحسانَ قرائي على نحو مدهش، ووصلتني رسالاتٌ وإيميلات تحمل ردودَ فعل رائعة تشيد بالمقالين، وتنتقد الجريدةَ التي تحاول تشويه اسمي والمزايدة عليّ، من أجل فرقعة صحفية ساذجة، للمداراة على رئيس التحرير الذي نسب التوحيدَ ومنهاضة الوثنية إلى "رجل يهودي" لم يكن نبيًّا أو رسولا! ولن أذكر اسماء الصحفيين الذين طعنوا في اسمي ورموني بالذي فيهم؛ احترامًا للإجراءات القانونية في مقاضاتهم. وهو ما يفعله الآن فريقُ المحامين الخاص بي.
أشكرُ اللهَ تعالى أنني اليومَ أقفُ على عشرين عامًا من الكتابة الأدبية والصحفية التنويرية الرصينة، والمنتظمة في أرقى الصحف والمجلات المصرية والعربية. عقدان من الكتابة أنجزتُ فيهما سبعةً وعشرين كتابًا ما بين: الأدب والفكر والأنثروبولوجي والنقد الثقافي والترجمات والشعر، وأنتظرُ كتابين تحت الطبع مع معرض القاهرة الدولي للكتاب. وأما وطنيتي، فليست محلَّ تقييم أو مُساءلة. فكتبي ومقالاتي وحتى قصائدي المضفورةُ بعشق مصرَ؛ تشهدُ لي في كل حرف من حروفها.
من المؤسف أن يخلطَ إنسانٌ بين "العقيدة" و"الجنسية" و"الوطنية" و"حقوق المواطنة المكفولة لجميع المواطنين بالتساوي بموجب الدستور”. ومن المخزي والمُهين لمهنة الصحافة النبيلة، أن يخلط "صحفيٌّ" بين ما سبق من مصطلحاتٍ وتعاريفَ وقيم. تلك مصيبةٌ عظمى تستوجبُ أن تكون قضيةَ رأي عام. فكما أنه من الخطورة أن نترك نصلاً في يد مَن لا يعقل، كذلك من الخطورة أن نترك القلمَ في يد مَن لا يعلم.
***