-مملكة الأسماك- تنفر الطفل من العادات المزمومة

صلاح شعير
2018 / 12 / 15

جيرالردي نرفال: يطالب بالمحافظة على البيئة؛ لأنَّ أي خلل في التوازن والنظام فوق كوكب الأرض؛ يعود بالضرر على الجميع.

أسهم الأدب الفرسي في تعميق بعض الأفكار المهمة في وجدان الطفل ، وسوف يتم تناول قصص أحدى الحكايات الشعبية من فرنسا بعنوان: "ملكة الأسماك" تألف جيرالردي نرفال، وترجمة د.أيمن عبد العادي والصادر عن الهيئة العامة المصرية للكتاب 2016م.

ملخص القصة:

تدورالقصة حول فتي صغير يقوم بجمع الحطب من إحدى الغابات بفرنسا، وكان الفتى يرفض قطع الفروع الخضراء حتى لاتتألم الأشجار، وهذا يجعله ينال العقاب من عمه المعروف باسم محطم الأشجار.

وكانت هناك فتاة آخرى تقوم بصيد الأسماك، ولكنها حين تسمع أصوات السمك الحزينة تلقي بها في النهر مرة أخرى، وفي ذات يوم من الأيام حلم الفتى بأن الفتاة تتحول إلى سمكة ذهب ذات قشر ذهبي، وأن القتاة قد رأته كشجرة في الحلم.

كان محطم الأشجار يكره الفتاة هي الأخري، ويقسو عليها، وفي ذات يوم تحولت الفتاة إلى سمكة ذهب ذات قشر أحمر، وهم محطم الأشجار أن يصطادها، فتحرك الفتى للدفاع عنها، وأخذ يصارع محطم الأشجار صراعًا طويلًا ولكنه لم يقوى عليه، وعندما شاهدت الأشجار ذلك، تحركت فروعها بكل إنحاء الغابة، فتحرك الهواء كالعاصفة ودفع محطم الأشجار بعيدًا، فعزم على قطع كل الأشجار بالغابة لأنها منعته من صيد السمكة.

وعرفت الأنهار الثلاثة أن محطم الأشجار سوف يقطع الشجر، وهذا سوف يمنع عملية تبخر الماء وصعوده إلى السحاب، وعودته مطرًا يغذي الأنهار، فحزنت؛ لأن ذلك الفعل سوف يؤدي إلى جفافها، فقررت أن تغرق الغابة لمنع محطم الأشجار من قطعها، ونجحت في حمايتها، ومرت الأيام وأصبح الفتى هو ملك الغابة، والفتاة هى حورية النهر، وتزوج كل منهم بالآخر.

نسجت الحكاية الشعبية عبر الخيال الجامح، وهذا الخيال هو أهم ما يلفت نظر الطفل، وقدمت عدة قضايا مهمة داخل المضمون ومنها:

حماية بالبيئة:

يجب علينا أن نحافظ على كلّ ما يُتعلّق بالأرض، وحماية النباتات، لأنَّ أي خلل في التوازن والنظام الذي أوجده الله في هذا الكوكب سيعود بالضرر على أهله، وقد يكون النشاط البشريّ غير المسؤول هوَ السبب الرئيس في إحداث الاضطرابات البيئية والتلوث الذي يصل مداه إلى جميع عناصر البيئة المُحيطة بنا.

ظاهرة قطع الأشجار تؤثر على التوازن البيئي، حيث تؤدي الأشجار في الغابات خدمات أخرى مهة للبيئة فهي تفقد أوراقها دورياً وهذه الأوراق الساقطة تتحلل مكونة "دبال" يغذي التربة ويحافظ على خصوبتها، وهي تؤمن درجة حرارة ثابتة تقريباً للحيوانات البرية التي تجد الغابة ملجأ ومكاناً مناسباً لحياتها. وفي المناطق الصناعية تمتص ثاني أكسيد الكربون كما تمدنا بالأكسجين، وفي المناطق الزراعية تقوم بالإضافة إلى ماسبق بالعمل كمصدات للرياح لحماية المزروعات كما توفر الظل وتمدنا بالخشب.

وتمثل الغابات المقصد الثاني الأهم للعائلات والأفراد خلال فترات العطل و خاصة في الصيف، للاستمتاع بالمناظر الطبيعية الخلابة والهواء النقي ، ويطلق على ذلك بالسياحة الجبلية أو الغابية، وفي غالب الأوقات تبقى الغابات قبلة للكثير من الأفراد نظرا لخصوصيتها البيئية والجمالية، لكن المشكلة التي تطرح تتمثل في تقلص المساحات الخضراء بسبب التعدي الفاضح من طرف الإنسان و عصابات قطع الأشجار، هذه الأخيرة لا تملك أي حس جمالي أو نزعة بيئية تجعلها تسعى للحفاظ على البيئة.

وفي المحيط العربي كمثال: قد أدى القطع الجائر للأشجار وتدهور الغابات في الشرق الأوسط وفي شمال إفريقيا إلى تدهور بيئة هذه المناطق وتوجهها نحو الجفاف، ويبدو ذلك جلياً في المناطق الداخلية في سوريا ولبنان والأردن والجزائر والمغرب
وتونس والسودان حيث يلاحظ أثر الجفاف بصورة أكثر وضوحاً على النبات الطبيعي والمحاصيل الزراعية وعلى حياة الإنسان

تقبيح العادات السيئة:

لقد ربطت القصة بين غلظة وتهور شخصية محطم الأشجار، وبين شربه للخمر، وهذا الربط سوف يجعل فكرة الشراب في عقل الطفل مرتبطة بكل ما هو سلبي، فإنه يشرب ولذا فالخمر تذهب العقل، وتجعل الإنسان أقرب للشر، فيؤذي الآخرين، ويؤذي نفسه صحيًا.

وتأتي أهمية تقبيح الخمر في أنها تسبب الكثير من الأضرار للبشر منها: تعرض الجهاز الهضمي للعديد من الأضرار، وبالتالي حدوث خلل في عملية الهضم. ومن ثَمَّ عدم قدرة الجسم على القيام بعملية حرق الدهون بالشكل الطبيعي، ممّا يؤدي إلى تراكم هذه الدهون، والإصابة بالسمنة، وكذلك تعرّض المعدة للتهيج والقرحة الناتجة عن الإدمان المفرط عن الخمر، وإصابة الكبد بالعديد من المشاكل أهمّها التليّف أو التشمّع. وتتعرّض الكلية للضرر والتلف، أما الجهاز العصبي داخل جسم الإنسان؛ فيصبح غير قادر على القيام بمهمّته الأساسية؛ ممّا يؤدي إلى ظهور حركات لا إرادية عند الإنسان كالرعشة في اليدين، والترنح، والهذيان، والخبل، وضعف في الحواس، واللامبالاة وعدم الشعور بالمسؤولية تجاه أي شيء. علاوة على الارتفاع الحاد في ضغط الدم، وغيرها من مشاكل.

يُسفر تنفير الطفل من العادات السلبية، ومنها الخمر؛ على اقتران صورة الإجرام في عقل الطفل بتناول الكحوليات، وهذا مابرز في شخصية محطم الأشجار أثناء السرد القصصي.

تلاقي الأخيار:

لقد كانت رقة الفتاة، ورفقها بالأسماك، تقابل رقة الفتى ورفقه بالشجر، وهذه الشعور الرقيق كان قاسمًا مشتركًا، جعلهما عبر القيم الإنسانية النبيلة يتقابلان ويتزوجان، وفالخير يقابله الخير على الدوام.
هذه المعاني الرقيقة جعلت الشعب الفرنسي من أرق شعوب العالم في التعامل مع الآخر، وربما تفسر تلك القيم التربوية تفوق فرنسا في المجالات السياحية، فهي أكبر بلد في العالم يزورها السائحين، فقد استقبلت في عام 2013م نحو 84,7 مليونا، وإن كانت أعداد السياح قد تراجعت في عام 2016م بسبب ظاهرة الأرهاب فقد زارها 82,6 مليون زائر. وهذا العدد يساوي عدد سكان فرنسا، وتتفوق فرنسا على الكثير من دول العالم في معاملة السائح الأجنبي، وهو ما أنعكس بالإيجاب على الدخل الاقتصادي المتدفق من خلال هذا النشاط، فالشعب الذي تربى على أدب الطفل الذي يحترم حق النبات والحيوان في الحياة، سوف ينجح في احترام حق البشر في الحياة، وهذا السلوك الراقي ربما يكون أحد تفسيرات معاملة الفرنسيين الحميدة للسياح الأجانب.