اللص الظريف

جوزفين كوركيس البوتاني
2018 / 12 / 13

الغريب في الموضوع.
أنك تجالس لصا ظريفا في وضح النهار في مكان عام.والأظرف من ذلك يحدثك عن بداياته.وليؤكد لك أنك تعيش في عالم يديره لصوص في قمة النباهة.قال لي هذا اللص الظريف.أتعرفين أنا لي ثلاثة سرقات.ولم أندم عليهاقط.
ـ قلت ألا وهي .
ـ أجاب بزهوِ
الأولى حين كنت في الجامعة.وفي صدري كما هائلاً من الأمنيات وهي أولا بناء نفسي ثم بناء وطني الذي تسببته بهدمه فيما بعد.بوعي حيناً و دون وعي أحياناً هذا قبلما أكتشف فن التزيف في كل المجالات لتستطيع الثبات رغم هذا فإن نباهتي أمام من سقطت في شركهم مجرد حبات رمان مدعوسة.واليوم أنا هنا في لا مكان.قلت وماذا سرقت عندما كنت في الجامعة.
ـ قال آه قد لا يخطر في بالك.كنت أعيش في الأقسام الداخليةوكانت الأقسام الداخلية في الوزيرية كما أتذكر في يوم قررأنا وصديقي الفقير مثلي سرقة أشجار البرتقال والنارنج من بيت قريب من القسم الداخلي كان يعود لرجل ثري لا يقطفها بل يتركها تتساقط وتتعفن تحت أشجار الحمضيات. من باب المباهات.وفي ليلة مقمرة تسلقنا أنا وصديقي القادم من الريف والبارع في التسلق. أذكر كيف تسلقنا سوره العالي .وبدون خوف من السقوط.وقمنا بقطف كل الثمار ودسها في أكياس الرز التي كنا جئنا بها من البيت.وفي اليوم التالي ذهبنا بها إلى السوق وقمنا ببيعها و بهذاكنا قد وفرنا مبلغاً لا بأس به لحين وصول المبلغ الذي كان يرسله أبي الطيب الذي مات فقيراً.
أما سرقتي الثانية.كانت من أمرأة عجوزغنية على حافة الموت.في يوم وبعد أن أكملت رواية (الجريمة والعقاب) التي يتحدث الرائع (دستوفسكي) عن مقتل عجوز على يد طالب القانون. كيف أخترق القانون أمام الفقر المدقع.أما عني فأنا كنت طالب أقتصاد .أي أعرف قيمة الفلس كم يعني بالنسبة لطالب فقير.لذا لم أفكر بالقتل فقط في السرقة التي تغطي مصاريف شاب جامعي مهزوز يعاني من صغر نفس أمام أقرانه. تخيلي الطالب الفلسطيني كان يسكن في أفخر الغرف ويتلقى ثلاثة مئة دولار في الشهر بينما ونحن أبناء البلد نتلقى أربعين ديناروفي أقسام متهالكة في بيوت قديمة.لذا قررت سرقتها. قلت في سري غداً ستموت وسيورثها الأوغاد أقاربها الذين لم نرى يوما أحد طرق بابها ولو من باب صلة الرحم أو الظهر.كان بيتها مقابل القسم تماما.كانت أمرأة طيبة.المبلغ الذي سرقته كان ضئيلاً ولكن بالنسبة لي كانا كنزاً.أي مئة دينار.وبعدها بأسبوع ماتت العجوز أثر سكتة قلبية. وجاؤا الأوغاد مطالبين بحقوقهم القانونية و ورثوها كما توقعت تماما.ًحزنت عليها كثيراً وحزنت لأني لم اسرق مبلغ أكبر.كانت كريمة مع الجميع.كانت دائمأ في المناسبات تطبخ قدور كبيرة وترسلها لنا نحن الطلبة ثوابا على روح المحروم زوجها الذي خلفها وحيدة يقال أن زوجها كان عقيما رغم هذا رفضت أن تتركه وتتزوج من غيره عاشت سعيدة وماتت وحيدة.كنا قد حفظنا برنامجها اليوم تستيقظ مبكرا تذهب لتتسوق وبعدها تعود وتجلس أمام عتبة بيتها.وعند المغيب تغلق بابها. كانت مهابة عند الجيران وهم من قاموا بدفنها وتكفلوا بمراسيم الوفاة والعزاء أما أقاربها الأفاضل وصلوا بعد الدفنى بأيام بحجة وصل الخبر متأخر وفي يومنا كانت الخطوط الأرضية غالباً عاطلة.على أي حال أخذوا كل ماتركته. وبأسم القانون.أما سرقتي الثالثة كانت من رجل عجوز مدمن سكير كل ماله على الخمر.
بعدها يمضي الوقت باللعن والشتم كل ما يصادفه في طريقه لحين يصل إلى بيته.وفي ليلة كنت في المطعم الذي يتعشى به قبل أن يذهب إلى بيته.وبعدأن راقبت المكان جيدا أقتربت منه وأستطعت أن أسرق منه خمسون دينار.وكانت أخر ما تبق في حافظته ولن أندم على ذلك.ثم أضاف مستمرأ في سرد قصصه لا أدري إن كانت حقيقة أم من بنات أفكاره.تصوري (جان فلجان)سرق رغيف واحد وأمضى عمره مطاردأ وأنا كل هذه السرقات أجدني أتباهى بها ومن أنا. امام سراق البنوك والأراضي والأوطان.واليوم بعد سنين طويلة.تراني أعتبره مجرد طيش شباب لا أكثر.سرقاتي قشة أمام لصوص اليوم يا عزيزتي.
ـ قلت واليوم ألازلت تسرق .
ـ ردساخراً
نعم لكني أسرق بحكمة بعكس عمي المتعلم الكبير الذي ساهم في هدم البلد علناًودون مستحات.مدعيا حاله حال الجميع.عمي حرامي بارع ومتكلم لبق.بعكس أبي الذي له وجهة نظر تختلف عن عمي أبي فضل أن يموت نزيهاً أما عمي الذي بحكم شهرته نال مركزا مرموقا في البلد.ولا زلت أذكر نصيحة قدمها لي يوما.
قالها لي أكثر من مناسبة هناك مثل عليك أن تطبقه في حياتك (إن سرقت أسرق ذهباً وإن ضاجعت أمرأة ضاجع أمرأة فاتنة) كي لا تذهب ذنوبك سدى.واليوم عمي رجل أعمال وأبي مدفون في مقبرة الفقراء.
قلت له إذن أنت تحمل جنات عمك إن لم أخطئ.
ضحك قائلاً لو كنت أحمل جيناته لا كنت اليوم مثله.ولما رفضت كل الأغراءآت التي قدمت لي على طبق من الفضة.أنا مجرد رجل مهمش,يحدثك عن جانبه المظلم.ولكل منا جانبه المظلم ولكن قلة من يجرؤفي الحديث عنه.ثم أخرج من جيبه حافظة نقودي تصوري سرقتك أثناء حديثي معك.ولن تنتبهي.سرقتك فقط لأخبرك أ تتركِ النية الطيبة على سريرك قبل أن تغادري بيتك.لأن الدنيا تعج باللصوص.وكلِ يسرق بطريقة تليق به. وبمركزه.
قلت إذن أنك لازلت لصا
قال لا يا عزيزتي فقط أردت أن أعطيك درساً لتكوني حذرة من الأخر أيا كان الأخر.
على أي حال هو أغرب لص صادفته في حياتي...