نحن والشاعر المبدع

جعفر المظفر
2018 / 12 / 11

نحن والشاعر المبدع
جعفر المظفر
من باب التأكيد على أن الشاعر موقف وإبداع,آتي بمَثَلٍ لا يمكن الإختلاف عليه إلا قليلا وهو مظفر النواب الذي يتغنى بشعره الجميع ومنهم خصومه السياسيون الذين يرددون الكثير من قصائده وفي مقدمتها قصيدة (براءة الأم) وهذا يؤكد على ان إبداع الشاعر يجعله ملك الجميع رغم الإختلاف معه سياسيا.
حول قضية الإبداع في الشعر, وما دام خصوم النواب يتفقون على إبداعه, فمعنى ذلك أننا تجاوزنا مع النواب خانق الحكم السياسي على المبدعين, والسؤال على ماذا كان الإجماع حقا: على النواب السياسي, أم على النواب الشاعر المبدع, أم على كليهما في ذات اللحظة وذلك بالمعنى المشترك فيه للآخرين المختلفين بينهم والمختلفين أو المتفقين معه على العقيدة السياسية والإجتماعية ؟!..
أنا أناقش هنا قضية أعتقد بحساسيتها المفرطة, ولذلك ساجمع في مقارنتي بين شاعرين كبيرين هما النواب وعبد الرزاق عبدالواحد. ولو أني أتيت بمثلين متشابهين سياسيا لأنتفت الحاجة إلى الموضوعة أصلا, فما نسعى إليه هنا الوقوف أمام الإبداع من خارج مساحة الموقف السياسي.
لا شك ان الشاعر موقف, لكنه ليس تماما كالسياسي. أغلب الشعراء المبدعين هم الذين يحلقون بأجنحتهم الذاتية خارج المساحة التقليدية التي يتحرك فيها المفكر السياسي والإجتماعي وما شابه. نتحدث عن عبدالواحد الموقف السياسي ونتحدث عن عبدالواحد الإبداع الشعري بكل ما يعنيه الموقف الأخير من تمكن وهيمنة على اللغة ومن موسيقى الوزن والقصيدة ومن تركيبة اللفظ.
في ساحة المعركة يضطرك موقف عدوك إلى الإعتراف بشجاعته, لا بقضيته, وبطريقة دفاعه عن ما يؤمن به أو ما يكلف به وينفذه, حتى أنك تلقي عليه التحية العسكرية حين يقع في الأسر, لكن إعجابك بشجاعته وبطريقة الدفاع عن قضيته لا يجعلك تعفيه من محاكمة موقفه الجنائي.
سوف يسألك عبدالواحد, على ماذا تختلف معي ؟! فتقول له بسرعة وبدون تردد, على الموقف من صدام حسين وعلى لقب شاعر القادسية الذي منحك إياه, وتخبره أن الجميع يتفق على ان صدام كان قمعيا ومغامرا وهو كان الذي بدأ الحرب مع إيران وإعتدى عليها. فتفاجأ ربما بضحكة عريضة منه لتسمعه يقول بثقة:
- ليس الجميع يتفق على ما تقوله بشأن صدام فالموقف منه هو قضية خلافية. أنت تراه سفاحا ومجرما وهو الذي كان بدأ الحرب وأنا أراه قائدا وطنيا دافع بكل شجاعة عن العراق بوجه إيران التي كانت البادئة في الحرب, وهكذا ترى أن قضيتنا هي قضية خلافية ولا حق لك ان تؤسس عليها حكما ضدي.
الواقع أننا نمزج بقوة بين قضايا مختلفة, إذ قد يمتد الخلاف مع النظام إلى الخلاف مع الوطن نفسه فتضيع بالتالي الأسس الرصينة للتقييم. مثلا الإقتراب من عبدالواحد يتم من خلال صدام حسين لأننا لا نريد أن نفهمه وإنما نريد بداية أن نصنفه كعدو حتى نكسب الجولة ضده, بالضربة القاضية الفنية, في الثانية الأولى, فنريح ونرتاح وبعدها يا دار ما دخلك شر. إننا هنا كمن يقول لذلك القائد العسكري الشجاع الذي قاتل ضدنا إلى آخر لحظة قبل أن يقع في الأسر: يا جبان !.
الأكثرية, حتى من أنصاره في بدايتهم, صاروا بعد سنين يعتبرون صدام حسين, وخاصة بعد كارثة الكويت, مغامرا إن لم يكن دكتاتورا وسفاحا. لكن كلا الموقفين اللذين إتخذهما صدام بشأن إيران وبشأن الكويت يجب أن لا يعتمدا لتكوين رأي مبدئي وقانوني بشان الموقف من تينك البلدين. حتى لو إتفقنا أن صدام كان معتديا في موقفيه إزاءهما فإن ذلك لا يلغي مطلقا طبيعة العلاقات التاريخية سواء مع إيران أو الكويت.
إذن نحن نرتكب هنا خطأ كبيرا حينما نقترب من قضايا العراق الوطنية من خلال الموقف من صدام حسين بصفته دكتاتورا قمعيا, وهو خطأ سيكون مساويا لخطئنا فيما لو حكمنا على مواقف روسيا في الحرب العالمية الثانية من خلال الموقف من ستالين. وحتى أحكامنا على قضايا ألمانيا الوطنية أثناء الحرب العالمية الثانية فإنها يجب أن لا تمر من خلال موقفنا من هتلر. الخطأ أن نرى عبدالواحد بنفس العين الذي نرى فيها صدام, فكيف سيكون عليه موقفنا من الرجل وهو يؤمن تماما بصواب موقفه زعيمه.
فإذ يرى أحدهم عبدالواحد مجرما لإنحيازه لصدام فإن عبدالواحد ربما يراه خائنا لإنحيازه الضد, وخاصة في الموقف من قضية الحرب مع إيران. وهو موقف سيكفل في إعتقادي رجحان كفة عبدالواحد دون أن يلزمنا ذلك بأي مستوى من المحبة لصدام نفسه.
إن من حق المبدعين علينا ان نعطي الكثير الكثير لإبداعهم والقليل القليل للإختلاف معهم, وتماما كما مع العسكري الخصم في ساحة المعركة علينا أن نلقي عليه التحية رغم مرارة الخصومة وحِدَّة الإختلاف.

.
.