في المعبد اليهودي … بالقاهرة

فاطمة ناعوت
2018 / 12 / 11

على الضِّفَّة الأخرى من العالم، يقف خيميائيٌّ يهوديٌّ اسمه "ريموند شينازي”، ينظر صوبَ مصر. ظلَّ على مدار سنوات طوال، يدخل معملَه كلَّ صباح يكتبُ معادلاتٍ، ويمزجُ تراكيبَ ومحاليلَ وأكاسيرَ في قواريرَ، ثم ينظر في عدسة ميكروسكوب يتأمل شيئًا ضئيلاً راقدًا على شريحة زجاجية نحيلة. وحين يُرهقُه الكدُّ وتُجهدُه الأفكارُ، يذهبُ إلى النافذة لينظرَ صوبَ النصف الآخر من الكرة الأرضية، حيث مصر. عقلُه في أمريكا حيث يعيش ويُدرِّس الكيمياء. وقلبه في مصر، حيث وُلِد وعاش طفولته، وحيث تنبضُ النوستالچيا في شرايينه.
تذكَّرتُ ذلك الرجلَ النبيل، الخميس الماضي 6 ديسمبر، وأنا أقفُ بين أهله وأقربائه وأبناء عقيدته داخل المعبد اليهودي في شارع عدلي بالقاهرة، أهنئ أبناءَ مصر اليهودَ بعيد "الأنوار". أتأملُهم وهم يوقدون الشموعَ على أرض مصر، فيزدادُ إيماني بحقيقة أصيلة تربط بين عشق الوطن، وقيمة الوطنية النبيلة، وحقّ المواطَنة الكريمة، في ثالوث أبديّ مقدّس، لا علاقة له بأية اعتبارات أخرى. ذلك العالِمُ الكبير، عاش سنوات طفولته وبدايات صباه في وطنه مصر، على شاطئ الأسكندرية الساحر، قبل أن يهاجر مع أسرته، مضطرًّا، إلى أمريكا، حيث ترقَّى على مدارج العلم العليا؛ ليغدو بروفيسورًا مصريًّا أمريكيًّا عالميًّا مدهشًا، يُصوّبُ الناسُ أنظارَهم إليه، بينما هو لا يُصوِّب بصرَه إلا نحو أرض ميلاده: مصر الطيبة.
عرف ذلك الرجلُ من الإحصاءات الدولية، أن مصرَ تحتلُّ المرتبة العليا في إصابة أبنائها بفيروس سي القاتل. وخزَ الحزنُ قلبَه، وقرّر أن ينقذَ أشقاءه من ذلك العدو الشرس. فاقتطع من عمره تسعة عشر عامًا، لا يبرح معملَه ولا يرفع عينيه عن أبحاثه حتى ابتكر مع فريق عمله دواءً إعجازيًّا أدهش الدنيا. إعجازيةُ ذلك الدواء، سوڤالدي، أنه يُشفي من المرض في غضون أسابيع قليلة، ويُمثّلُ وقايةً نهائية منه، في آن. الدواءُ في أصله باهظُ الثمن، ولكن بفضل جهود شينازي أستطاع أن يُهديه لوطنه مصر بثمن زهيد، فسجّلته وزارةُ الصحة المصرية كأول عقار رسمي لعلاج فيروس سي الذي ظلَّ ينهشُ في أكباد المصريين عقودًا طوالا. ولأن النُبلَ شيمةُ العلماء، فإنك حين تُنصت إلى ذلك الرجل النبيل، لن تلمح في صوته أية مرارة جرّاء ما لَحِق باليهود المصريين من اضطهاد في وطنهم مصر، بعد قيام دولة إسرائيل. لا يذكرُ كيف لوحقوا وشُوِّهوا وحُرقت ممتلكاتهم وطُردوا من ديارهم بمصر، رغم أنهم كانوا، وما زالوا، أكثر الرافضين لقيام دولة إسرائيل المحتلة على أرض فلسطين. حين تسأله لماذا خرج مع أسرته من مصر في بدايات الستينيات الماضية، يقول ببساطة مبتسمًا: "بسبب الأحوال السياسية" وفقط. دون مجرد إشارة إلى المظالم التي طالت يهودَ مصرَ الذين أحبّوا مصرَ أكثر من ملايين يعيشون على أرضها ولا يعرفون قيمتها. وربما أكبرُ دليل على هذا أن معظم من هُجِّروا قسرًا من يهود مصر لم يذهبوا إلى إسرائيل التي كانت، ومازالت، تفتح لهم أحضانها وهي تُلوِّح لهم بالباسبور الإسرائيلي القويّ. بل هاجروا إلى أمريكا وأوروبا، وهم يبكون ترابَ مصر الكريم. ولأن الأصالةَ صُنوُ العلماء، فقد كان حُلمُ ذلك البروفيسور النبيل هو أن يُهدي الدواءَ الغالي لأبناء بلده، الذين يموتون كل يوم على يد ذلك الفيروس الشرس. ما كان أسهلَ أن يطوي ذلك الرجلُ صفحةَ مصر على مرارتها، ويرمي ببصره نحو دول العالم التي كرَّمته وعرفت قدره. لكنه لم يفعل. إنما ظلَّ ولاؤه لوطنه الطيب. ولو سُئلَ ذلك الوطنُ لطلب محاكمة كل متطرّف ينتقصُ من حق وقدر أي مسيحي أو يهودي من المصريين. ولشدَّ ما يتشابه النبلاء. ذلك الرجل النبيل يُذكِّرنا بنبيل آخر هو البروفيسور سير مجدي يعقوب، الذي اِضطُهد كذلك في بداية مشواره العملي بعد تخرّجه بتفوق من كلية الطب في مصر، فسافر إلى بريطانيا وترقّى حتى وقف على قمة هرم الطب العالمي. ثم قرّر في الأخير أن يُهدي ثمرة علمه وعبقريته إلى وطنه الطيب. فأنشأ مركزًا عملاقًا في أسوان لعلاج قلوب أطفال المصريين الفقراء، راميًا عرض الحائط بأية مرارة تذوّقها في مصر. المرارةُ لا تعرف حلوقَ النبلاء. المرارةُ لا تحتلُّ إلا نفوس الصغار.
يهودَ مصرَ المتحضرين، كل عام وأنتم أبناءُ وطننا الطيب الذي يجمعنا على الحبِّ والعمل. مسيحيي مصر المتحضرين، كلُّ عام وأنتم أبناء وطننا الطيب الذي يجمعُنا على الحبّ والعمل. وأُشهِدُ اللهَ ربّي أنني أحبُّ جميعَ من أحبّوا مصرَ؛ دون النظر إلى عقائدهم التي هي شأنُ الله وحده. أحبُّ الَله فأحبُّ جميعَ صُنعِه، وأحبُّ مصرَ فأحبُّ مَن أحبَّها، فلا أكره ولا أظلم ولا أعتنق الطائفية. هكذا تربَّيتُ وتعلمتُُ من أبي المتصوّف، وهكذا أطبِّق أولَ مبادئ عقيدتي: فسِلمَ الناسُ من لساني ويدي.

***