فرنسا .. ثورة إجتماعية في قلب أوروبا ..!! هل يُمكن فهم أبعادها ؟؟؟

زياد عبد الفتاح الاسدي
2018 / 12 / 9

لم تشهد شوارع فرنسا منذ نصف قرن ما تشهده الآن من تظاهرات حاشدة وأحتجاجات غاضبة وأعمال عنف خطيرة وإضرابات عمالية ومُظاهرات نقابية وطلابية شارك فيها مُؤخراً ليس فقط طلاب الجامعات الذين تم قمعهم وإهانتهم بشدة , بل إنضم اليها حتى العديد من طلاب المدارس الثانوية ونقابة رجال الشرطة الفرنسية وغيرهم ... ويبدو أن مايجري في شوارع فرنسا يُمكن وصفه بدون مُبالغة بثورة إجتماعية غاضبة ومُستمرة تقودها حركة السترات الصفر في مواجهة النخب السياسية والطبقية والامنية الحاكمة في فرنسا ... فقد شهدت الشوارع والمدن الفرنسية استنفارات وحشود واستعدادات أمنية مُكثفة وهائلة لم تشهدها شوارع فرنسا من قبل .. وتم الغاء العديد من الاحتفلات والمباريات الرياضية وإلغاء مظاهر الاحتفالات السنوية بأعياد الميلاد ... كما تم بإجراءات غير مسبوقة في التاريخ الفرنسي المعاصر إغلاق شارع الشانزليزيه ومعظم المحال التجارية الشهيرة والكبرى وأهم المتاحف والاماكن السياحية الرئيسية كبرج إيفل ومتحف اللوفر...الخ .
ولكن السؤال الهام الذي يطرح نفسه هنا .. هو ماهي الخلفية الاقتصادية لأحداث العنف والتمرد والغضب العارم في فرنسا .. وهل سينتهي هذا الصراع الطبقي المُحتدم بضراوة في الشوارع الفرنسية ...؟؟؟
لا نستطيع بالتأكيد أن نعزل ما يحدث في فرنسا حالياً من تمرد شعبي وعمالي غاضب عن ما حدث خلال العقد الاخير من إحتجاجات وإضرابات ومُظاهرات غاضبة في الشوارع والمدن ألاوروبية ولا سيما في اليونان وفرنسا وإسبانيا وبلجيكا وبريطانيا .. منذ اندلاع الازمة المالية والعقارية العالمية عام 2008 .. وهي أزمة لم تعكس في حينها أزمة دورية أعتيادية في النظام الاقتصادي الرأسمالي الغربي , بل عبرت بلا مُبالغة عن خللاً بنيويا رئيسياً في هذا الاقتصاد وانهياراً ملحوظاً في توازن النظام الرأسمالي الذي لم تزل النخب السياسية والمالية والرأسمالية العليا في الغرب تعمل جاهدة منذ عام 2008 لاعادة التوازن اليه حفاظاً على مصالحها الاقتصادية والطبقية ... ومن هنا فما شهده الاقتصاد الرأسمالي في الغرب منذ اندلاع الازمة المُدمرة في عام 2008 , من نمو وانتعاشات مرحلية ضعيفة في إقتصاديات منظومة الغرب لا يُمكن إعتبارها بأي حال من الاحوال بأنها تُعبر عن عودة التوازن ولا حتى بشكلٍ جزئي الى بنيان النظام الرأسمالي الغربي ... بل لا تعدو عن كونها محاولات مُستميتة من قبل النخب السياسية والطبقية والمالية العليا لانقاذ هذا النظام من الانهيار من خلال حقنه بحقن إنعاش مُؤقتة بين فترة وأخرى ... ومن هنا تظهر مشكلة المظاهرات والاضرابات وأعمال العنف التي تجتاح بعض العواصم الرأسمالية في الغرب بين فترة وأخرى .... فحقن الانعاش المالية التي يتم ضخها في البنوك والمُؤسسات المالية للنظام الرأسمالي الغربي المريض تتم على حساب الطبقات الوسطى والفقيرة من الموظفين والطبقات العاملة .. وذلك من خلال تجميد الرواتب وزيادة الضرائب وأسعار الوقود والمواد الأساسية على هذه الطبقات مع رفع سن التقاعد لملايين من الموظفين والعمال الاوروبيين .
وقد كانت الطبقات العاملة والوسطى والطلابية في فرنسا عشية الانتخابات الرئاسية الفرنسية التي جرت في مايو أيار 2017 قد وصلت (ولا سيما في أوساط الشباب) الى مرحلة من الرفض واليأس من إعادة أنتخاب النخب السياسية التقليدية في فرنسا سواء من أوساط اليمين الجمهوري المُحافظ أو اليمين اللبرالي أو جناح يسار الوسط في الحزب الاشتراكي الفرنسي .. وكانت تتجه بتواتر مُتزايد لانتخاب مُرشح اليسار الراديكالي في الحزب الاشتراكي الفرنسي جان لوك ميلينشون في مواجهة مارين لوبين التي تُمثل اليمين القومي المُتطرف .. وكان ذلك قبل الظهور المُفاجئ للمرشح الشاب إيمانويل ماكرون في ظروف مشبوهة من الدعم والضخ الاعلامي للمرشح الجديد الشاب كبديل جذري للقوى اليمينية واللبرالية واليسارية المُعتدلة الفاشلة . ومن هنا قامت النخب الطبقية والمالية العليا في فرنسا بدعم ماكرون من وراء الستار وحثت مُمثلي أحزاب اليمين ويسار الوسط للانسحاب في المراحل النهائية للانتخابات وقدمت الدعم الاعلامي الهائل لما أسمته بمُرشح الوسط الشاب ماكرون الذي أصدر كتاب باسمه بعنوان "الثورة " في الشهور الاخيرة من الانتخابات الفرنسية .
وعندها أعتقد الشارع الفرنسي بأن ماكرون سوف يُحدث تغييراً جذرياُ في سياسته الاقتصادية لصالح الطبقات الوسطى والعاملة والفقيرة ... ولكنهم إكتشفوا مُؤخراً بأنهم وقعوا في فخ انتخابي مُحكم ومخادع وقع فيه الكثير من الفرنسيين ... ومن هنا نجد تفسيرأ واضحاً لمدى وحجم العنف والاحتجاجات والغضب المُتواصل والمنظم في الشوارع الفرنسية ... وهذا يعود بشكلٍ واضح لانعدام ثقة الشارع الفرنسي بالكامل , ليس فقط بالنخب السياسية الفرنسية التقليدية المُخادعة, بل بمجمل النظام السياسي والانتخابي والاقتصادي الفرنسي .