أغنية -أنا وشادي-بصوت لؤلؤة فيروزية لبصرة بيادر الخير

تيسير عبدالجبار الآلوسي
2018 / 12 / 6

توطئة: هذه بضع كلمات تمهيدية، اضعها قبيل معالجة مختصرة في منجز فني استثنائي للفنانة بيدر البصري.. وهي كلمات واسطر تعريفية في المناسبة.. من فولدر الحفلتين: إذ تم إقامة حفل غناسيقي مميز تحت عنوان: "أمسية عربية سمفونية". ولقد ضم الحفل الذي انعقد في الأسبوع الفائت؛ ثلاثة اصوات نسائية من العراق والمغرب وسوريا..
تركز الاشتغال الإبداعي لهنَّ على تراث كبار الفنانات العربية ومدارس الأغنية بتنوعات اتجاهاتها.. فاصغى الجمهور لأغنيات لكل من: فيروز، اسمهان، أم كلثوم وايضا أغنيات أخر من التراث المغربي.. جرى ذاك الحدث الاستثنائي على مسرح ..Zuiderstandtheather - Den Haag" لاهاي" ومسرح De Doelen - Rotterdam..
ساهمت في إحياء الحفل بالمدينتين الهولنديتين الكبريين: الفيلهارموني اوركسترا Rotterdam’s philharmonisch orkest بقيادة قائد الأوركسترا الإنكليزي Rumon Gamba والفرقة الشرقية الأوروبية European Oriental band من ألمانيا.. وقد انجز التوزيع الموسيقي للأغنيات الهولندي Marijn van Prooijen...
وبحضور جمهور كبير عربي وأوروبي، قدمت مغنية الأوبرا العراقية بيدر البصري ثلاث اغاني للسيدة فيروز، هي " هموم الحب "، " أنا وشادي " و" شايف البحر شو كبير" ..

معالجة موجزة في أغنية "أنا وشادي":
لمرات كنتُ أتوقف لأسباب خارجة عن الإرادة في الكتابة عن تلك الحنجرة البهية للؤلؤةٍ بصرية فيروزية الألق ولكنني عوّلتُ دائماً على معالجات نقاد الفن والاشتغال على الغناسيقا ومنجزها، وعلى اهتمامات الجمهور واحتفائه بالمنجز الجمالي، حيث الأولويات للقاء بالحدث كما جرى مع الاحتفاليتين الأخيرتين للفنانة البصرية.
لكن ذياك الاجتهاد للؤلؤة البصرة يلح بقوة أن تجد مساحة مستقلة لتتوقف عند قراءة الحديث لتميزه ولروعته ومن ثمَّ لاستحقاقه.. وهذه المرة اختارت اللؤلؤة الفيروزية ثلاث أغنيات مهمة، كانت أولها، واحدة من شواهد فيروز سفيرة وجودنا إلى النجوم، فيروز الرحبانية المنجز.. فيروز التي لا يمضي يوم إلا وترغب فيه بالإنصات إلى شجنها الطاغي، بروحانية عميقة ومعاجم دلالات إنسانية نبيلة سامية لأغانيها...
ولطالما سجلت الأغنية الفيروزية الرحبانية أحداث تاريخنا المعاصر بعمق إنساني شفيف؛ يعبر من جهة عن حروب أدمت وجودنا وعن كفاح وتطلعات ملأت الروح ضد الإنكسار والاحباط، فأوجدت مساحات التحدي والانتصار للقضايا التي عالجتها سواء منها القضايا العامة أم تلك الخاصة بكينونة الإنسان وتجاريبه، عالجتها بأساليب فنية جمالية مميزة خلَّدت تلك الأغنية وجعلتها ترنيمة يطبع بها سامعوها متذوقو الطرب الأجمل والأغنى امتاعاً ودلالة ثرة غنية..
هل لهذا (المعنى) اختارت فيروزتنا البصرية الواعدة تلك الأغنيات أم لتقول لنا ها أنا ذا (أداء جمالياً مبدعاً) أم لأبعد من هذا وذاك لتمنحنا تجدد عطاء للفن الجميل الملتزم قضايا الإنسان وهمومه وأشجانه... إنْ نجحت فهي اختارتها لتؤكد المعنى الثالث الذي أشرنا إليه للتو؛ وهي بحق تستحق ذياك الاحتفال بها فلقد نجحت أيّما نجاح وتألق...
بيدر البصري، فنانة تقارع منذ سنوات كي تبقى وسط عجيج وضجيج يُلحق بالأغنية وما هو كذلك، أي ليس بشيء من الفن الغنائي والأغنية؛ إنّ بيدر تقارع بمنجزها ما بات يسود منافذ آخر الصيحات من (صراخ) بهيمي لا معنى ولا دلالة ولا منجز فني جمالي فيه... وذاك الصراع منحها شخصية فنية بهية؛ هي امتداد عائلتها بالإشارة إلى والدتها فنانة الشعب الأستاذة شوقية العطار وإلى والدها فنان الشعب الموسيقار الدكتور حميد البصري ولا تخلو العائلة من قامات أخرى بالتأكيد
اللؤلؤة البصرية، تواصل عطاءها وهذه المرة باحتفاليتين غصت بجمهور الفن الراقي.. وساهم معها أكثر من صوت أدى لطرب الزمن الجميل لأم كلثوم وفيروز وأعمال أُخَرْ.. وعزفت معها عدا التخت العربي أوركسترا، نجحت في أداء الربع تون والموسيقا الشرقية بثلاث من الأعمال الغنائية المهمة..
غنت بيدر البصري لفيروز أغنية لطالما كُتِب عنها ومعانيها منذ استمعنا لها في العام 1968 غب النكسة والهزيمة وحربين مؤلمتين بكل معانيهما؛ يومها ربط النقاد بين "شادي" الرحابنة كلماتٍ وألحاناً بحرب الـ48 وفلسطين ولكن طبعا كما نعتقد بقراءة للأغنية، بعمقٍ إنساني أكثر من تقمص مشاهد الحرب تراجيدياً..
فالأغنية تتخذ من تهادي تموجاتها الغناسيقية ومن هدوء الجملة الموسيقية نفسها تأسيساً، أسلوباً للأداء دفع لخلودها في الذاكرة الجمعية ولاتخاذها أداة تعبير عما وقع ويقع من أحداث ومن حروب بالمنطقة والعالم غير ما تمّ ربطها به لأول مرة..
ها هي الحروب وقد أطلت برأس تنينها وأفاعيها على العراق ودول في المنطقة، وها هي اللؤلؤة الفيروزية البصرية تنمو وسط ترحال العائلة التي صدحت حناجرها والحانها باسم الوطن وبآلام الناس تطاردهم مقاتل الحروب لا في العراق حسب بل وسوريا واليمن وغيرها.. ولم تنقطع تلك العائلة الفنية الكبيرة وقد غادرت راحلة بعيدا إلى المهاجر عن اشتغالاتها تعبيراً عن هموم الناس بل حولت تلك المهاجر إلى منصة لأناشيد السلام وإعلاء مكان الإنسان والإنسانية ومكانتهما..
ماذا نجد في صوت بيدر البصري وشاديها الذي مازال غائبا مذ اختطفته الحرب؟؟؟

الفنانة بيدر أدركت الدلالات البعيدة وبوعي استطاعت أن تمنحها تعبيرات إيمائية طبعاً أولا أما تأسيساً فقد منحت تلك التعبيرات الجمالية العميقة الدلالة بوساطة حنجرتها. لقد بدا صوت الفنانة متهاديا يسرح في عالم الذاكرة والتذكر، ليعرض أوليات قصة بوقع إنساني المنحى... وإنْ هي إلا هنيهة حتى ينطلق الصوت أقوى، تعبيراً عن تلك العلاقة الإنسانية مع (شادي) الشخصية الغائبة الحاضرة.
ولغنى المشهد الغناسيقي أثره بين أداء أوركسترالي لموسيقا تمتاح من هويتين؛ فكان تهادي الحنجرة ومعرفتها بتلوينات الصوت أثره في وحدة هارمونية، أقصد امتزاج الصوت البشري بالآلة الموسيقية بتنوعات وجودها وبتلك القيادة والتوزيعات بين الآلات وما تثيره من بيئة صوتية بعينها محددة الغاية في توقيت توظيفها..
إن عمق الحالة الإنسانية ينتمي إلى خيارات كاتب الكلمة الفعل عندما يرسم صورة الوجود البشري وشفافيته في قصص الطفولة الوادعة ولكنها المسروقة، تلك التي نهبتها الحرب.. ومجددا تنبه بيدر بحنجدرتها ودفء صوتها على المقاصد الثرة تلك، فتنهي مقطع الأغنية الأول بانطفاءة مقصودة؛ تمهد للتالي من مسار الذكريات - الحدث والواقعة؛ ألم يصغِ المتلقي إلى طابع الحنجرة يتقمص الدور ولعب سيدة طاولتها الحروب مع طفولتها ولكن طبعا مجسدة بطفل يمثل اسم الجنس من كل أطفال الشعب أو قل شعوب المنطقة حيث تجولت ونمت وترعرعت السيدة - الفنانة..
فـــ "يوم من الأيام ولعت الدني
ناس ضد ناس علقوا بهالدني
وصار القتال يقرِّب ع التلال
والدني دني..."
هذا المقطع الخبري عن انتقالة من معايشة ذكريات الطفولة إلى الحرب التي دنست تلك الطفولة واقتحمت عليها عالمها؛ لا يتأتى أداؤه من دون خبرة وركوز موسيقي أصيل امتلكته لؤلؤة البصرة، بيدر، ها هي تغني هذه المرة لا من صوت اللفظ ومخارجه بل من العمق فكأنك تسبح معها في فضاء روحاني معبر عن التراجيديا الكارثية وأثرها المحفور في الذاكرة، على الرغم من أنّ القصّ ينسكب بتأطيرات الحكمة وفلسفة التعاطي مع الحدث وقيمته...
ويصعد صوت الحنجرة باتساق وتوكيد على (الحدث البؤرة الموسيقية) عندما تقدم لنا ضياع شادي وانتهاء الطفولة بتجاريب مأساوية دامية. فالحرب تلتهم حتى من تفرج عليها لتضعه على سندانها وتهصره بمطرقتها.. الموسيقا وتوزيعها يجددان الأداء الفيروزي العظيم ليقولا: إنَّ الإبداع سلسلة حلقات لا تتوقف وأن البشرية تنجب مبدعاتها ومبدعيها من رحم الآلام والمآسي والتجاريب...
شادي مجددا ليس طفلا بعينه ضاع في هيمة صحراء ووديان ولكنه الطفولة والإنسانية وسلامة العيش ووداعته.. ولهذا مفاتيحه هي تلك التي تؤكده وليست ما يتأتى من تخيلات تتوهم قصة أو حكاية وواقعتها.. وإنَّ القضية هنا أوسع وأعمق من حكاية فرد أو صبي وذكريات شخصية فردية؛ ومن هنا فإن الأداء الأوركسترالي واجتماع الآلات واشتباك - امتزاج أصواتها لمضاعفة دفق الصوت تناغما مع صعود صوتها صادحا قويا جاء بدقة مبدعة بحنجرة بيدر البصري وتعبير عن منطقة الذروة في الحكاية وتاشيرها عمق القضية المتحدث - المعبر عنها..
إننا نعود إلى الدلالة المفترضة يوم غنت فيروز وطبعاً وبالتأكيد إلى كل تلك الحروب التي مرت بتفاصيل حياة مبدعتنا الفيروزية بيدر... ونقرأ للسلام بصوتها أنشودة حياة ونقرأ التحدي وجدانيا كما هو المعنى الأوسع للغنائية مصطلحا بحثيا.. ومن ثم تجسيدا جماليا، كما غنت وشدت بيدر البصري بسلطنة استثنائية نادرة...
بالمناسبة الرقم عشرين في الأغنية لا يعدو عندي اليوم بعد عشرات السنين على المنجز الأصل، سوى رمز من بين كل رموز الأسماء والأرقام الواردة في القصيدة الغنائية ومحاولاتها وطبعا في التعبير الفذ التي سلطنت به بيدر ننتقل إلى غشارات وإيحاءات لقضايا إنسانية مثيلة بكل التفسيرات التي تمثل انطباعات المتلقي ومخاطبة وجوده الشعوري توحيداً للانطباع الجمعي في الرد المؤنسن على الحدث المعالج غناسيقيا...



كلمات الأغنية

شادي

من زمان أنا وصغيرة
كان في صبي يجي من الحراش
ألعب أنا وياه
كان اسمه شادي

أنا وشادي غنينا سوى
لعبنا على الثلج
ركضنا بالهوا
كتبنا على الأحجار قصص صغار
ولوحنا الهوا

ويوم من الأيام ولعت الدني
ناس ضد ناس علقوا بهالدني
وصار القتال يقرب على التلال
والدني دني

وعلقت على اطراف الوادي
شادي ركض يتفرج
خفت وصرت انده له
وينك رايح يا شادي
انده له وما يسمعني
ويبعد يبعد بالوادي
ومن يومتها ما عدت شفته
ضاع شادي

والثلج اجا وراح الثلج
عشرين مرة اجا وراح الثلج
وانا صرت اكبر وشادي بعده صغير
عم يلعب عالثلج


كلمات وألحان: الأخوين رحباني


وددت وأنا أكتب في متابعة مخصوصة مع مسار الكلمة مترافقا مع اللحن في أغنية أنا وشادي أن أتابع العملين الأخريين، عبر إشارات أترك لفرص وقراءات أخرى أن تتبحر فيه.. إذ ليس صعباً أن يرصد المتلقي في الحفلين حالات:
1. التكامل المثالي الأنجع بين الموسيقا والحنجرة...
2. وبين القرارات والجوابات بطريقة تمنح كل منهما حجمه الفيزيقي الذال على الروحي ومعانيه وعبورها بتاثيراتها الجمالية إلى أنفس التلقي متلهفة لروائع الإبداع..
3. توظيف الآلات هوائية ووترية وغيرها بطريقة محسوبة في التوزيع الموسيقي ونشاهد في أغنيتي هموم الحب وشابف البحر كيف تبدى ومتى استخدام الآلة الهوائية بمنطقة القرار ولماذا...
4. كما سنجد توظيف النقرات الإيقاعية بمنطقة الجوابات في الآلة الوترية ولماذا... ربما تلقى الجمهور ذلك روحياً نفسيا بذائقته لكن توضيح التفاصيل تمنح إضافات لاستطلاع مناطق خفية للاشتغال الجمالي غناسيقيا، بخاصة عندما يتعلق الأمر بالتوزيع الموسيقي وعند أوركسترا تتكامل من جهة كليا وتُفرِد لاشتغالاتها مرانا موفقا ناجحا وهي تطلق العنان لرائع الاشتغال بموسيقا شرقية وأدائها..
5. نرصد ذكاء تعامل بيدر مع اللحن وجملته الموسيقية ومساحاتها بضبط تام بعموم الأغاني الثلاث...
6. ورصدنا كيف منحت البصري المعنى قدرات صوتية معبرة على وفق تنوعات صعوده وانخفاضه في الشدة والتوتر والأثر الانفعالي سواء في التجربة الإنسانية أم في الحدث الموضوعي المحيط..
7. وبالتأكيد ارتشف الجمهور من تجسيد خلاق للتعبير الشعوري في تلك التجاريب الغناسيقية التي جاءت من دون عثرة تُذكر...

إنّ احتفاليات بهذا المستوى الراقي فنياً وباحتضان أوركسترالي كبير كالذي لاحظناه وباهتمام جمهور الفن الراقي بالحضور الكبير ذاك يعيد إلى مجتمع الاستقبال الفني حالات تفاعل إنساني توحد طرفين يتكونان من رافدي المجتمع المضيف والمجتمع المستضاف لتتفتح معاني كبيرة في هذا الوجود وليصب التأثير بما يتسق والمسيرة التي تؤنسن وجودنا وتقف بوجه ما يعتري المسيرة الإنسانية..
إن فهم تفاصيل الحدث الفني واكتناه مقاصده الجمالية يحيل إلى تلك المعاني الوجودية للإنسان..
شكرا لؤلؤة البصرة الفيروزية الفنانة بيدر، أجدتِ وأبدعتِ مجدداً وها أنت تتجاوزين خطوطا سابقة لك، بذياك التجلي والسلطنة الاستثنائيين وهو ما يحيل إلى الآتي المؤمل، بما سيصل إلى جمهور تلك الأغنيات على امتداد ميادين أوطانٍ تجترح مسارها لتجذب مثل هذه الحناجر إليها في زمن عزت تلك الحناجر.. مكانك هو فضاء ملايين مستقبلي هذا الفن السامي النبيل ومسارح مهرجانات مفتوحة على عشرات آلاف جمهور يحترم قيمة الفن يؤنسن وجودنا...
أتطلع لمن يعيد القراءة بعين المتخصص الغناسيقي بتفاصيل ومحاور أبعد، بما يليق بمعنى أن تكون تلك اللؤلؤة الفيروزية وجه الفن الشرقي في الغرب الذي يحتفل بقامتها بانتظار أن تأخذ مكانها ومكانتها في بلاد تمثل الجذور والرحم الذي وُلِدت منه... وبالألق ومزيد نجاحات عامرة بأوسمة هي احترام الناس بأوسع وجودهم.