تأملات في الثورة الفرنسية

حنان محمد السعيد
2018 / 12 / 6

عندما اندلعت ثورة يناير في مصر، خرج علينا احد اعضاء المجلس العسكري مطالبا الثوار بعدم المطالبة بمحاكمات ثورية لرموز الفساد وتعلل بأن مثل هذه المحاكمات لا يتوفر فيها معايير العدالة من منظور القانون الدولي، وأن الأحكام الصادرة عنها لن تسمح باستعادة الأموال المنهوبة والمهربة.
الا أنه وبعد مرور ثمانية سنوات على الثورة المصرية ارتفعت وتيرة تهريب الأموال، وتراجعت مصر على مؤشر الشفافية وانتشر الفساد وغرقت البلاد في الديون وبيعت املاك واراضي الدولة بسرعة غير مسبوقة ولم يحاسب احد من رموز فساد عصر مبارك بل دخلوا جميعا ضمن عملية اعادة تدوير عادوا على اثرها ليمارسوا اعمالهم بحرية الى جوار رموز الفساد في هذا العصر وما اكثرهم!
وعلى ما يبدو أن الطريقة الفرنسية في مكافحة الفساد تظهر نجاحها على مر العصور فتعليق المقاصل كان له الأثر الأبلغ في تعريف الطبقات التي استباحت كل شيء واعتبرت نفسها احق من غيرها بالثروة والمناصب والشرف أنهم مثل غيرهم من البشر وأن الجميع يجب ان ينال نفس الحقوق وأن يقام ميزان العدل وان الرأس التي تستعبد الأخرين وتعتدي على حقوقهم يجب ان تقطع.
وبدون اجتثاث هذه الرؤوس ستعمل هي على تقوية مراكزها وحماية نفسها والتنكيل بمن سولت له نفسه الاحتجاج سابقا على الفساد وغياب العدل وقلة الفرص.
ان هذا بالضبط ما حدث للشعب المصري الذي انتهج الوسائل السلمية في ثورته واعتمد على المحاكمات القانونية حيث تم اخضاعه بكل وسائل الاخضاع ومضاعفة اعباءه واهدار ثرواته وحقوقه بأكثر مما حدث في اي وقت أخر من تاريخ هذا البلد.
وعلى الجانب الأخر، مازال الفرنسيون يعلمون الناس ان صوت الشعب لا يعلو عليه أي صوت اخر وأن الحكم للشارع وان الحكومة والرئيس ما هم الا قائمين على خدمة الشعب وانه لا يوجد اسياد أو ارباب فلا احد فوق المحاسبة ومن لا يقوم بخدمة شعبه وتحقيق تطلعاته في العيش الرغيد والعمل والتعليم فعليه أن يترك منصبه لمن يمكنه تحقيق تطلعات الشعب.
ان افضل المشاهد التي صنعتها حركة السترات الصفراء في فرنسا هي ظهور الشرطة بمظهر متحضر بعيدا عن الانحياز، فهم موكلون بحماية البلاد وليس النظام الذي يمنحهم مزايا ليست لغيرهم من ابناء الشعب.
لم تنطلق رصاصة واحدة تجاه المتظاهرين تحت أسوأ الظروف، لم ينزل الجيش بمدرعاته ليسحق عظام الشعب ويرغمه على الانصياع لقرارات الحكومة ويدفع الضريبة صاغرا، لم ترفع الاحتجاجات أيشعارات طائفية أو فئوية.
لم يحشد النظام متظاهرين مؤيدين يرفعون شعارات من عينة "اللي يحب فرنسا ما يخربش فرنسا" ولم يخرج الاعلام الفرنسي بروايات خزعبلية عن الطرف الثالث والمؤامرات الخارجية والأصابع التي تعبث بأمن فرنسا.
بل على العكس تماما تباحث الرئيس والوزارة في الوسائل التي يمكن عبرها استرضاء المتظاهرين ونزع فتيل الاحتجاجات فهو رئيس تم انتخابه من الشارع ويستطيع الشارع أن يسحب منه هذا الامتياز في أي وقت هو لا يحتمي في الدبابة ولا يرفع السلاح في وجه شعبه ولا يتحكم في القضاء أو الاعلام أو البرلمان.
بعكس الحاكم الرب الاله في الدول العربية الذي لا يعنيه لو تم قتل نصف الشعب والتنكيل بالنصف الأخر وتدمير البلد بأكمله طالما استمر هو على عرشه، فهو لم يأتي عبر انتخابات حقيقية ولكن عبر تربيطات خارجية وداخلية، وهو يتحكم في القضاء والاعلام والبرلمان والجيش والشرطة و يصنع معهم شبكة من المصالح المرتبطة بمصالح القوى الخارجية والشعب ليس في حسبانه بأي صورة من الصور بل هو اشبه بحشرات أو افات لا يمانع في ابادتها وقتما يشاء!
ان الثورة التي لا تحاسب من قامت عليهم يحاسبها هؤلاء ويجعلون ممن قاموا بها امثولة وعبرة لمن تسول له نفسه الاعتراض على فسادهم وجرائمهم في حق البلاد والعباد.
ان هؤلاء اسكرتهم نشوة النصر في الوقت الحالي واعتقدوا أنهم قد تخلصوا تماما من كل من يحمل في نفسه بذرة الثورة أو الكرامة والعزة ولكنهم لا يعرفون أن الوضع لن يستمر كثيرا على ما هو عليه وأن يوم الحساب ولابد قادم وقد يكون اقرب مما يتوقعون.