اقتراع المائتان متر تعريف فرنسي لقرار عادل عبد المهدي

مسار عبد المحسن راضي
2018 / 12 / 6

اقتراع المائتان متر
تعريف فرنسي لقرار عادل عبد المهدي
-التاريخ لا يكفي الجميع -
توطئة تاريخية

امتلك كلٌ من الملك فيصل الأول والمركيز دو كوندورسيه،حظ التواجد في عُتبةِ تحول الإمبراطوريات الى دولٍ قومية.أيضاً ورغم الفاصل الزمني الذي انطلق سهمهُ من قوس الثورة الفرنسية في 1789 ،عائداً الى جُعبةِ سنة 1921 التي نُصِّب فيها فيصل أبنُ الشريف حسين ملكاً على العراق. استطاع الاثنان وضع اليد على أهم مشكلةٍ ثقافية ترافقُ هذا التحول : كيف تكونُ فرنسياً أو عراقياً. دو كوندورسيه وبحسب بيار روزانفالان في كتابه "انتصار المواطن"،سجّل ،إن المركيز حاجج زملائه الذين فكّروا معه في تحضير إجراءات السلامة التي يجبُ أن تُرافق هبوط الحق الانتخابي في مطار الثورة. تلخصت حجّةُ هذا المُصلح الفرنسي، التربوي النوع بحسب الأرشيف التاريخي "كيف نضمنُ أن يصوّت من لا يمتلك قطعة أرض في البلاد لصالح فرنسا".يبدو هنا أن شرط الدولة يحتاجُ بدلةً جغرافية وأزراراً حدودية يُميّزُها الآخرون،قد احتل عندهُ الأولوية ،قبل فتح باب الاقتراع العام. البابُ هذا إن لم تدلُف منه فلن تعدو كونك سوى احد رعايا الإمبراطورية ،وإن دخلت أصبحت مواطناً فرنسياً.
فيصل الأول ،واجه تلك المشكلة أيضاً ،عبّر عنها في مُذكّرةً سرّية ،كان مفادُها " أتيتُ لأحكم شعباً عراقياً ،لكني لم أجده ،وجدتُ كتلاً بشرية ،تحتاجُ الى التدريب كي تكون شعباً".طبعاً من أراد الحرّفية سيكونُ في حاجةٍ الى أوّل هدية تركها حنا بطاطو للشعب العراقي (العراق-الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية من العهد العثماني حتى قيام الجمهورية)-الكتاب الأول. أيضاً وفيما يخص الأرض ،ارتطمت طموحاتهُ بالنزوع البريطاني الى تشحيم نفوذهِ ،بدعم حصول شيوخ العشائر والقبائل الكبيرة على إقطاعياتٍ ضخمة. حتّى القانون الذي يُمثّلُ الملكُ رأسه ،كان في المُدن ،ولا موقع له من الإعراب في العراق الريفي تقريباً آنذاك. هذهِ المشكلة عادت للظهور بشكلٍ قبيح بعد احتلال اليانكي للبلاد سنة 2003.وثِّقت من قبل الثلاثي الذي ألّف كتاب "محو العراق-خطّة متكاملة لاقتلاع عراقٍ وزرع آخر".العراق " المفيد" بحسب الكاميرا الأمريكية منذُ 2003 ،شبيهٌ بـسلفهِ العثماني،لكن تمّ استبدالُ الموصل فيه بـ كردستان العراق،مع تقليص رقعة وجود الأديان والقوميات العراقية الأخرى التي جرى إقناعُ أبنائِها أن هوية الوطن حدبة نوتردامية.هي ليست مؤامرة ..أليس كذلك؟
نحنُ إذاً أمام عراق يتمُ تفريغهُ من العراقيين الذين باتوا يواجهون-بحسب لغة سائق أجرة " خطر الانقراض كالديناصورات".هؤلاء العراقيون لا يملكون شيئاً سوى الفرجة على الخارجين من كهوف الطوائف والعرقيات المُسلّحة وهم يلتهمون البلاد.
عبد المهدي والعودة بعربة المائتي متر الى الغرب الملكي
فكرةُ امتلاكِ أمتارٍ من الوطن ،تحوّلُ رعايا العراق البريطاني-الأمريكي الى مواطنين ،مرّت أربعاء يوم الحادي والعشرين من نوفمبر الماضي ،بدون ضجيجٍ مُعتبر،رغم إعلان رئيس الحكومة الحالية عن قرارٍ يزمعُ فيه ،توزيع مائتان من أمتار الإمبراطورية التي تتولى إدارتُها نُخبة "كومبرادورية" من امراء الطوائف والعرقيات.الضجةُ الخافتة التي أحدثها القرار ،قد يعودُ جزءٌ منها الى "ترامبولين" البرنامج الحكومي لـ عادل عبد المهدي ،بدا كبيراً جدّاً.علّمتنا تجاربُ الخمسة عشر عامّاً الماضية،إن لُعاب الأفرقاء السياسي،وأسنانهم الحزبية-طواحن الحقائب الوزارية تحديداً،لا شأن لها بالبلاد إلّا عندما يحينُ موعد الذهاب الى طبيب الأسنان .. الانتخابات النيابية.بعضٌ آخر وجد هذا "الترامبولين"، عبارة عن دغدغة مجّانية لعراقٍ يشهدُ موتاً سريرياً لكرامة المواطن.
حاولتُ تصوير البرنامج الحكومي لرئيس الحكومة وقراره بكاميرا العهد الملكي ، مستعيناً بـ (صالح جبر-سيرة سياسية ،نجدة فتحي صفوة ،دار الساقي 2016). قراتُ فيه تعليقاً لسياسيٍ أمريكي ،وصف البرنامج الحكومي للرئيس صالح جبر، مفادهُ "يجعلُ من برنامج حزب العمّال البريطاني متواضعاً جدّاً "ِ. جبر ،حمل لعنة معاهدة بورتسموث 1948،وحدهُ ،بالنيابةِ عن شركاؤه الذين أصابتهم حُمّى تمرير تلك المعاهدة التي ظُلِمت-بحسب المصدر السابق. تمّ نسيانُ دور الوصي عبد الإله ورئيس وزراء العراق المُزمن-نوري السعيد. أعلن المُعتّقُ الإداري "النزيه"-(المصدر السابق) عن برنامجهِ الحكومي في الأشهر الأخيرة من سنة 1947،عندما تولى رِئاسة الوزارة.هنا أقترحُ على القارئ بعض مليمترات حذر ، عند استخدام مسطرة القياس التاريخي مابين البرنامج ومعاهدة بورتسموث.هي لا تصلح لمعرفة سنتيمترات النوايا فالوزارات العراقية في العهد الملكي كانت أعمارُها قصيرة ،لا تتجاوز في بعضها الكثير أشهراً معدودة من الحياة الحكومية ،واقعةً تحت رحمة الأوكسجين البريطاني ،وقبلة الحياة المشروطة من الأمير عبد الإله. أتمنى أن لا يُعتبر طرحي هنا محاولة لزيادة أعداد رِقاب المستحقين لـ لعنة بورتسموث .
هذهِ الزيارةُ الى العهد الملكي ،لا تروم حتّى ولو بالإلماحِ ،الدعوة الى تلمُسِ مفاتن قرار الرئيس عبد المهدي ،فزيارةُ الماضي ،تشبهُ كثيراً زيارة بلدٍ أجنبي في رحلةٍ سياحية.جُلُّ ما أريدهُ هنا أن أُمسِك فكرة "التورط" التي هرب المثقفُ والسياسيُ العراقيُ منها منذُ عشرينيات القرن الماضي. هذا "التورط" في تصور أساسات ثقافية وسياسية بل و حتّى جغرافية ،تُذكّرُ العراقي أنّهُ ليس من رعايا بلد العراق بل هو مواطنٌ عراقي.
بيئة العراق السياسية شبهُ نقيةً من "التورط"
عثرتُ على نوعٍ من "التورط" السياسي ذو طابِعٍ ثقافيٍ وفكري في قسمٍ من مُذكرات توفيق السويدي( مُذكّراتي:نصف قرن من تاريخ العراق والقضية العربية،المؤسسة العربية للدراسات والنشر،الطبعة الثانية-سنة 2010).هذا العقلُ القانوني،أعترف أنّهُ كان لا يمتلكُ حتّى "لُغةً عربية فصيحة ذات نوعية جيّدة"،عندما كان في باريس سنة 1913،حيثُ عُقِد المؤتمر العربي الأول. صدمتهُ "ثقافة العرب السوريين واللبنانيين الرفيعة"،مُبيّناً أنّهُ كان من المزمع أن يُسمّى المؤتمر بـ "المؤتمر السوري"،لولا تدخل البعض وهو منهم، أمّا عادل عبد المهدي،رئيس الحكومة الحالية، فقد درج على عادة كتابة المقالات. لديه ركنٌ ثابت في صحيفة المواطن(عراقية،لديها طبعة ورقية،تمتلكُ موقعاً الكترونياً).
أوّلُ آثار "التورط" التي عثرتُ عليها،كانت مصادفة بحتة. كنتُ أزور بين الحين والآخر،صحيفة المثقف العراقي(الكترونية،مقالات وأجناس كتابة أخرى ثقافية وسياسية).عبد المهدي في سلسلة مقالات،طالب المثقف العراق بالتفكير الجدّي في إيجادِ منطقٍ ما،يحكمُ العلاقة مع العم سام والسببُ هو أن "علاقة العراق مع أمريكا ،تشبهُ علاقة العراق مع بريطانيا قبل سنة 1958".هذهِ الرؤية التي خَلَص إليها عبد المهدي تبدو منحازة،ملكية النكهة،رغم أنّها تؤشّرُ على واقعٍ طارئ ،هو تواجدُ اليانكي في البلاد.
علاقةُ عبد المهدي مع العهد الملكي،يعودُ جذرُها الى والده.والدهُ تنقل كحال القلّة من السياسيين المتوفّرين في ذلك العهد،بين مختلف المؤسسات الحكومية العراقية،إلّا أن حصّة الأسد في مشاركاتهُ،كُتبت للحياة النيابية. أيضاً عبد المهدي الابن،وعبر سنينه التي تقتربُ من الثمانين، صعد قطارات الإيديولوجيات التي ملأت أصواتُ صُفّاراتِها العراق،ونزل منها. بدأ بعثياً قومياً،ليقرر بعدها اختيار القومية،ثمّ ماركسياً يعزفُ على ناي التجربة الماويّة الصينية،ليعود الى العراق سنة 2003 كسياسيٍ ذي هويةً فرعية "شيعي" غامقة اللون،مرتبطةً بالمجلس الأعلى الإسلامي العراقي،المصنوعةُ عباءتهُ في إيران.
ضعف "التورط" لدى المثقف العراقي
"التورط" الفكري لغرامشي، دفع المُدّعي العام الإيطالي الى التعليق على خطورة عقله "يجبُ إيقافهُ عن العمل لمدّةِ عشرين عامّاً على الأقل".نسأل هل هنالك العديد من المثقفين العراقيين الذين يستحقون لعنة المُدّعي العام ؟ولماذا لا يجرؤ المثقف على الإصابة بتلك اللعنة الإيطالية؟
مهدي عيسى الصقر في كتابه(وجع الكتابة-يوميات ومذكرات،وزارة الثقافة -دار الشؤون الثقافية،2001)،تطرق الى أنهُ كان يراجعُ وينقّحُ ويعيدُ كتابة أعماله عدّة مرّات.ضرب العديد من الأمثلة عن تلك الحاجة الى تقويم أعماله كي يستحق عملهُ تقييم "ليس سيئاً" !

المثقف العراقي كذلك قليل "التورط" في الشؤون السياسية (لا مجال هنا لإيراد الأسباب كاملةً).فرَضيّتيْ أن المثقف العراقي عانى من صفعاتٍ إيديولوجية متتالية،جعلتهُ كيس ملاكمة.فترةُ راحته بين الجولات انطوت في انتمائهِ الى الأحزاب.منطقُ الانتماء هذا يفرضُ حواراً داخلياً بين ضرورة رغيف الخبز واختيار العمل الحزبي.الشغلُ الحزبي يحتاجُ حيّزاً مكانياً،يتوسلُ ضبطاً وربطاً،و إمكانية التواجد على سطح الأرض بشكلٍ ما،رغم خنقه من قِبلِ سُلطة النظام القائم. السُلطة في العراق ،منذُ 1921،خيّرت المثقف مابين الخبز و الإيديولوجية، المقصلة و الإيديولوجية،التلون الفكري و الإيديولوجية،نزع العراقية عنه و الإيديولوجية،وأخيراً امتلاك أصابع موزارت لعزف إيديولوجية السُلطة. النتيجة أن المثقف ،غاص تحت الأرض في نعش العمل السّري،يخرجُ منهُ كلما ارتخت قبضة السُلطة. حقيقة الأمر هي لم تُرخِ أصابعها على رقبة المثقف،هي تضطرُ عندما تُغيّرُ جلدها،أن تعرِض على المثقف خُبزاً من سلّة الأفران التي ذكرنا.ذلك وغيرهُ جعلهُ يعاني طفولة ثورية،تهدمُ وتنتقدُ بدون أن تُساهم في اقتراحٍ للمُضي قُدماً. ريجيس دوبريه في كتابه "مُذكرات بورجوازي صغير"،يُذكّر من يعنيه الأمر"السياسي يقرأ الصُحف والكتب مثلنا أيضاً" .
هكذا مْرَق "أربعاءُ الأرض" من خاصرة الإعلام العراقي.لم ينزف الإعلام اهتماماً كافياً.ما استطعتُ العثور عليه،كان مقالةً مُعتبرة لكنها حذِرة،للكاتب عدنان حسين في صحيفة المدى،ومضات خبرية في غابة الإعلام الالكتروني،منزوعة الدسم،والابتسامة الصفراء ذات الأسنان الحزبية في حلبة البيانات الرسمية.
خاتمة طريفة ومبكية
واقع التغطية الإعلامية لمسألة السكن في العراق
صرّح وزيرُ الاعمار والإسكان العراقي-محمد صاحب الدراجي في 2012 "العراق يحتاج الى مليونين وحدة سكنية" (1). نظيرهُ طارق الخيكاني ومن نفس عائلته الحزبية، صرّح في 2015 "العراق يحتاجُ الى مليونين ونصف المليون وحدة سكنية" (2).وكالة خبرية عراقية نشرت في 2017 " مليونان عراقي يحتاجون السكن"،والأكثرُ طرافة في ديباجة المنشور "أزمة السكن مسؤولة عن "40 % من حالات الطلاق" (3)،أي بحسبةِ 6 أفراد للوحدة السكنية الواحدة التي لا تتجاوز المائة والعشرين متراً " مشروع بسماية السكني" فهذا يعني تقريباً إننا لا نحتاجُ سوى 380 ألف وحدة سكنية(4). الأسعارُ كذلك تبدو مبكية "مشروع بسماية"،بدأت بـ 500 دولار أمريكي (5) لتصل 730 دولاراً يانكيّاً.صديقي الفلسطيني حدّثني قبل سنوات أن سعر متر الأرض مع البناء في مدينة رام الله لا يتجاوز سقف الأربعمائة دولار.ربّما تستأهلُ المائتين متر التي أُعلن عنها ،"التورط" من قبل النُخب السياسية والفكرية..ربّما.
روابط الكترونية
(1)
https://www.iraqhurr.org/a/24457041.html
(2)
https://arabi21.com/story/828641/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82-%D9%8A%D8%AD%D8%AA%D8%A7%D8%AC-%D8%A5%D9%84%D9%89-2-5-%D9%85%D9%84%D9%8A%D9%88%D9%86-%D9%88%D8%AD%D8%AF%D8%A9-%D8%B3%D9%83%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D8%AD%D9%84-%D8%A3%D8%B2%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%83%D9%86
(3)
https://www.alsumaria.tv/infograph/164/alsumaria-news/ar
(4)
http://www.almadapress.com/ar/NewsDetails.aspx?NewsID=21207
(5)
http://burathanews.com/arabic/studies/311588