الصراع الطبقي في حدود التراكم:السترات الصفراء، وول ستريت...

محمد بوجنال
2018 / 12 / 6



من البديهيات المعروفة أن هناك الوجود وهناك التاريخ؛ فالأول هو التعدد كتعدد في حد ذاته بما يحتوي من إمكانات غير محدودة ولا محددة قبليا وهو عالم يتساوى فيه كل ذلك لأنه هو ذاته؛ أو قل أنه ليس طبقات مُكرِهة وأخرى مُكرَهة، أو نظام مستبد وآخر متوحش، أو تمييز بين هذا أبيض وآخر أسود، وهذا ذكر وهذه أنثى، وهذا أفريقي أو أوربي أو أمريكي أو آسيوي، أو هذا بوذي وذاك مسيحي أو يهودي أو مسلم أو ملحد؛ فلا وجود فيه لكل هذه الاختلافات والترتيبات وأشكال الاستغلال والتسلط والاستعمار. أما الثاني فهو التاريخ وفيه يوجد من ناحية ،العلم – وكافة أشكال الإبداع – الذي هو العلاقات التي هي،وبالكاد، القوانين والقواعد التي مرجعيتها أو مصدرها دوما الواقع الفزيائي؛ وفيه يوجد، من ناحية أخرى، السياسة – وباقي المجالات – التي هي الصراع الطبقي أو قل سيطرة طبقة مُكرِهة على طبقة مُكرَهة بفعل سيطرتها الفعلية واللامشروعة على أدوات ووسائل وعلاقات الإنتاج. فهي طبقة تختلف نوعيتها من مرحلة تاريخية إلى أخرى؛ إلا أنها جميعها تتقاطع حول تبني وممارسة الاستغلال والتسلط والتوحش ملغية عمليا حقوق وكرامة الطبقة المُكرَهة. وفي كل ذلك تم استغلال الأشكال الثقافية من دين وعادات وأخلاق وعرقية ولون وجغرافية وغيرها، لتبرير مشروعية سيطرتها كطبقة تتميز بالذكاء والمهارة والمغامرة والنجاح في تحمل المسئولية وإنقاذ العالم من مخاطر الطبقة النقيض . فالتارخ،وهو واقع حال اليوم، كما الأمس،هو هذا الاستغلال والسيطرة والتوحش اللامشروع الذي تمارسه طبقة مُكرِهة على طبقة مُكرَهة. لذا،فالتاريخ هو، لحد الساعة، تراكم حركتين متناقضتين: حركة طبقة مُكرِهة قادت ووجهت وامتلكت مؤسسات التاريخ وموارده معتمدة القوة العسكرية والأمنية والأيديولوجية لتبرير مجازرها وإفقار وتشريد غيرها؛ وحركة طبقة مُكرَهة تم إرغامها بمختلف الوسائل لتبقى شيئية ومسلعنة ومستجيبة لحاجيات وتطلعات الطبقة المُكرِهة. هذا التاريخ المأساوي الذي هو تلك الطبقة المُكرِهة للطبقة المُكرَهة، اتخذ دوما، في اللعبة السياسية، شكل مظاهر ماكرة التي طالما لم تتمكن الطبقة المُكرَهة من الوعي بحقيقتها، فالانتصار والفوز يكون حليف الطبقة المُكرِهة.
تباعا لتصورنا الوارد أعلاه، نفهم معنى فشل الحراكات الجماهيرية في القرن الواحد والعشرين – دون نسيان غيره - .فالتارخ في القرن الواحد والعشرين – وكذا في القرون السابقة – قد تمت كتابته كتاريخ للانتصار الطبقي المسيطر على الرغم من حدة وانتشار الحراكات عالميا احتجاجا على الفقر واللامساواة والبطالة والوصاية : الربيع العربي، حركة احتلوا وول ستريت في أمريكا، لابلاسا ديل سول في اسبانيا، حركة الجيل المعوز في البرتغال، الحركات اليونانية عام 2008، في ألمانيا، في بلجيكا، في بريطانيا، في إيطاليا وغيرها؛ وراهنها اليوم حركة السترات الصفراء بفرنسا حيث، نظرا للإفقار المتزايد الذي تمارسه الطبقة المُكرِهة على نقيضها الطبقة المُكرَهة، لم يعد بإمكان هذه الأخيرة تحمل هذه الحدة من الاستغلال، فارتقى وعيها من مرحلة التحمل إلى مرحلة الانفجار أو قل الرفض لاستمرارية وحشية التاريخ ذاك في اتجاه تعديله إلى ما هو أخف على الرغم من عدم توازن ميزان القوى.
والدرس هنا أن التاريخ تراكم تقتضي قوانينه، لحصول القطيعة مع النظام الرأسمالي المتوحش بقيادة الطبقة المُكرِهة،حصول الطبقة المُكرَهة على الدرجة القصوى من الوعي ليتحقق بذلك، وبالضرورة، الثورة التي هي انتقال من نظام إنتاجي إلى نظام إنتاجي آخر بديلا له. ولا شك أن التراكم في تاريخ حركات الجماهير في القرن الواحد والعشرين، بتحصينه أكثر،سيكتسب امتيازات في حدود ما تسمح به شروط ميزان القوى لأن هذا الأخير ما زال بيد الطبقة المُكرِهة التي ما زالت تسيطر على التاريخ في انتظار المزيد من وعي الطبقة المُكرَهة المتطلعة إلى امتلاك حقوقها الطبيعية والبشرية كما تنص على ذلك بديهية الحركة الأولى،حركة الوجود.